لاتزال اسواق الاسماك بعيدة كل البعد عن شيء اسمه التوطين، فالعمالة الاجنبية الوافدة وهي من الدول الاسيوية موجودة بكثافة في كل ارجاء الاسواق وتفرض سيطرة محكمة على مجريات المهنة في حين يسجل العنصر المواطن غيابا ملحوظا بل ان مجيئه الى اسواق الاسماك يكون لغرض واحد هو الشراء. ونظرا لاهمية توطين مهنة الصيد فقد عمدت وزارة الزراعة والثروة السمكية بطرق شتى لجذب المواطنين كبائعين في اسواق الاسماك وعاملين على الطرادات. ويقول المسئولون في قطاع الثروة السمكية ان وجود العمالة الآسيوية في ساحة الصيد كان سببا لحدوث كثير من المشاكل المزعجة التي اثارت جدلا واسعا بشأن مهنة الصيد، ودفعت عددا لا بأس به من المواطنين العاملين في المهنة للابتعاد عن البحر نهائيا. والمشاكل التي يعنيها هؤلاء عديدة وشائكة ولكن اكثرها خطورة قيام عمالة الصيد الوافدة باتباع طرق صيد مدمرة للثروة السمكية مثل طريقة الحرف التي تأتي بالاسماك الصغيرة غير المرغوبة استهلاكيا. ويقول الصيادون بالمنطقة الشمالية انهم عانوا الامرين من تصرفات غريبة ودخيلة على مهنة الصيد وكمثال على ذلك قيام بعض عناصر العمالة بالاعتداء على القراقير والالياخ التي يتركها اصحابها في البحر وسرقة ما فيها من انتاج سمكي فضلا عن اتلاف بمعدات الصيد وممارسة الصيد بمواقع يملكها اخرون. واذا كانت وزارة الزراعة والثروة السمكية نجحت الى حد ما في اقناع المواطنين بالصعود الى ظهور طراداتهم وممارسة المهنة بصورة مباشرة فان المشكلة لاتزال تراوح مكانها في اسواق الاسماك حيث لا وجود للمواطنين. ويقول عبدالغفور عبدالله سبالوه مسئول سوق الاسماك بمدينة رأس الخيمة ان احجام المواطنين عن ممارسة العمل في سوق الاسماك لا مبرر له البتة خاصة وان الدكان الموجودة في سوقي الاسماك بمدينة رأس الخيمة والمعيريض وعددها 74 دكة مرخصة للمواطنين بيد أنهم جاءوا بالعمالة الاسيوية واجلسوهم عليها. وفي الحقيقة فان الزائر لاسواق الاسماك برأس الخيمة تسترعي انتباهه تلك السيطرة المحكمة للعمالة الاسيوية على انشطة السوق وتبدو تلك الصورة المزعجة واضحة للعيان حتى خارج السوق ففي الساحة المجاورة للمداخل يتجمع عدد كبير من العمال الاسيويين يوميا ليشاركوا في عمليات «دلالة» الاسماك ومن النادر جدا رؤية المواطنين في مثل تلك التجمعات التي تمثل نقطة الانطلاق الى داخل السوق لان المشاركين فيها هم الباعة انفسهم الذين يقفون خلف دكان البيع. ويقول سبالوه: من الواضح ان الغالبية العظمى من المواطنين يقومون بأعباء وظيفية بمواقع مختلفة مما يعني انهم لا يستطيعون الخروج الى البحر اثناء الدوام الوظيفي ولكن هذا الشيء لا يمنعهم من ممارسة الصيد خاصة بعد انقضاء ساعات الدوام الرسمي. ويضيف مسئول سوق الاسماك: في اعتقادي ان ممارسة مهنة الصيد هي افضل طريقة لزيادة دخل المواطنين ماديا والتخلص من متاعبه المالية ذلك ان تجارة الاسماك توفر عائدات مادية كثيرا ما تكون افضل من الرواتب الوظيفية. ويقول محمد اسماعيل وهو أحد المواطنين القلائل الذين يعملون في تجارة الاسماك برأس الخيمة ان تجارة الاسماك واحدة من أكثر الاعمال مردودا ماديا في الساحة التجارية. ويوضح اسماعيل: ان تجارة الاسماك لا تسيء للمواطن بل على العكس من ذلك فهي مهنة عظيمة وقد توارثها الابناء عن ابائهم وأجدادهم ولذلك يشعر العاملون فيها بالارتياح نظرا لأنهم يتحملون امانة عظيمة. ويقول: يكفي الشخص منا نحن الذين اثرنا عدم الابتعاد عن مهنة الاسماك الاحساس بأننا نساهم في جهود تأمين الامن الغذائي لمجتمعنا. ويؤكد تاجر الاسماك محمد اسماعيل ان العاملين في مهنة صيد وتجارة الاسماك يحصدون مكاسب مادية جيدة يمكن اعتبارها الافضل من المعاشات الوظيفية. ويقول في اعتقادي ان من يدخل تجربة العمل التجاري السمكي لن يسعى للابتعاد عنه مرة اخرى لأنه من خلال ذلك يذوق حلاوة المهنة. وبالنسبة للمستهلكين فان وجود العنصر المواطن ضروري للابتعاد بالمهنة عن المشاكل وافعال الغش. ويقول حسن ابراهيم كاسين وجود العناصر الوافدة بهذه الكثافة في ساحة الصيد يمثل ظاهرة سيئة وادارة للمشاكل ولكن نتيجة لقيام المواطن بأعباء وظيفية حكومية فإن تفرغه لمهنة الصيد يكون امراً شاقاً. وكاسين الذي يسكن مدينة الرمس هو من جيل الصيادين الشباب وقد اكد على اهمية ربط الشباب بالبحر مشيراً الى ان البحر بما حوى من الصيد هو الحل الامثل للمشاكل المالية. يقول علي مفتاح حينما توفر الدولة الحوافز المشجعة لمواطنيها الراغبين في العمل في اسواق الاسماك فإن برنامجها لتوطين المهنة سيكون ناجحاً. ومن جهته ينظر محمد عبيد الصوري الظاهرة ابتعاد المواطنين عن العمل في اسواق الاسماك بقلق وانزعاج وهو يقول: نحن من صلب مهنة الصيد وبالتالي ندرك اهمية وجود المواطن فعلياً في كل مواقعها. ويضيف الصوري: عندما يكون المواطن هو الصياد او التاجر فإن المرء عندئذ يضمن وجبة غذائية خالية من المشاكل الصحية كما ان البحر سيعيش هدوءا يساهم في تنمية وتطوير الثروة السمكية. تحقيق: سليمان الماحي
