عندما نختتم العام الدراسي ونعد العدة للاستمتاع بالاجازة الصيفية نمني انفسنا في كل عام بما لا يتحقق ولا يمكن تحققه تقريباً. تمني انفسنا بأن نختتم العام ولا شيء مؤجل للعام الدراسي الجديد. او نمني انفسنا بأن نستقبل العام وقد استوعب كل من أولياء الامور، او المناطق والمدارس دوره. لكن يبدو ان كلام الليل يمحوه النهار، وان القرارات التي تصدر لا تترك أثراً طويل الامد، لذلك فإن كلا منا ينظر الى موضع قدميه فقط، ولا يمد عينه الى البعيد القادم. ان وزارة التربية في هذا العام مهدت لما سيؤول اليه العام الدراسي الجديد، فأعلنت في الاجهزة الاعلامية المختلفة بأن المناطق التعليمية سوف تمنح صلاحيات واسعة، وبالفعل صدر قرار وزاري بشأن اختصاصات المناطق التعليمية والمدارس. هذا القرار وان لم يسبقه قرار بشأن اختصاصات الادارات المركزية فإنه على اقل تقدير اسند الى المناطق بعض الصلاحيات التي تمكن المناطق من ممارسة حقها. لكن يبدو ان المسألة ليست مسألة توزيع الصلاحيات والاختصاصات، فأولياء امور الطلاب ليس لديهم قناعة بأنه يجب ان يتعاملوا مع الوزارة من خلال بوابة المدارس والمناطق. انهم مازالوا يؤمنون بأن الحق يؤخذ بقوة العضلات لا بقوة المنطق والحجة والبرهان والعذر المقنع. يريدون ان يقولوا للوزارة بأنهم سوف يتجاهلون القرارات، والوزارة من واجبها ان تتقبل ابناءهم متى شاؤا الالتحاق بالمدارس. وتتقبل اعذارهم مهما يكن من اعذار، وذلك لانهم مواطنون والمواطن لا يطالب بالقانون. في اعتقادي ان هذا الاسلوب اللامنطقي يجب ان يتغير، فالوزارة وزارة تربية والتربية سلوك والسلوك ممارسات ايجابية، وإلا فلماذا ندرس؟ لنأخذ ابسط الامور مثلا وهو القرار الوزاري بشأن التسجيل في الاول الابتدائي والاول روضة، حدد شهر مارس من كل عام موعداً للتسجيل. ثم اعطى المرونة للقرار فقال بأن الذين يتخلفون عن التسجيل في شهر مارس بعذر مقبول يفتح لهم باب التسجيل في شهر سبتمبر. كما ان القرار حدد الاعذار المقبولة فقال بأنها هي: وجود الطفل أو ولي امره خارج الدولة في شهر مارس. وجود الطفل في مرحلة الرياض. الحصول على الجواز او خلاصة القيد بعد شهر مارس. الانتقال من احدى دول مجلس التعاون الى الامارات بعد شهر مارس. صدر هذا القرار ورافقه اعلان رسمي نزل في الصحف واذيع من خلال التلفاز والمذياع، وتناقلته المناطق التعليمية من ادناها الى اقصاها. وبما ان الوزارة اخذت على عاتقها نقل الخدمات الى حيث سكن الطلاب واماكن تواجد اولياء امورهم فإنها اعطت الصلاحية للمناطق التعليمية بالنظر في الطلبات والاعذار. لكننا نفاجأ بأولياء الامور يأتون الى الوزارة مرة اخرى متأبطين اولادهم واوراقهم بحجج اوهن من بيوت العنكبوت فبعضهم يقول بأنه ما عرف وبعضهم يقول المنطقة هي التي ارسلتني الى الوزارة وبعضهم لا تتوافر فيه شروط القبول. هؤلاء كلهم يلحون على ادارة الخدمات التربوية بالاتصال بالمناطق لقبولهم في حين ان الادارة مكبلة بالقرار الذي خول المناطق بالنظر ورفض ما لاتنطبق عليه الشروط. انني اود ان اقول ما ذنب المناطق التعليمية اذا كانت تطبق قرارات الوزارة؟ وما دور الادارة المركزية اذا كانت لا تملك صلاحية اكبر من صلاحية المناطق؟ ثم ماعيب الوزارة اذا كانت تعلم الناس الانضباط والتقيد بالنظام؟ اقول ان الوزارة لا تستطيع ان تخلق الناس تربويين، ولكنها تلعب دور المرشد الناصح الامين. ولا تستطيع ايضا ان تنزل على رغبات أولياء الامور، لانها تحكمها قواعد وضوابط ومعايير وامكانات مالية وادارية. قلنا اكثر من مرة بأن المدارس تختلف عن الكتاتيب والمساجد، فالكتاتيب لا تحتاج الى قاعات وفصول ومختبرات وهيئة ادارة وتعليمية مقننة والمساجد ليست كذلك ايضا لانها تأخذ الشكل التطوعي. اما المدارس فإنها مبتدأة ببداية عام دراسي ومختتمة بنهاية عام دراسي والذي يحركها هيئات ادارية وتعليمية استقطبتهم الدولة من هنا وهناك ويكلفون الدولة مبالغ باهظة. هذا الكم من البشر اذا لم يقابله كم من الفائدة المرجوة فإن ما انفقته الدولة ذهب هباء من غير شك. ثم ان الفائدة لن تتحقق اذا لم تضبط العملية بقواعد ولوائح ونظم تصدرها المؤسسة التعليمية نفسها، والقرارات لن تكون مجدية اذا لم تكن وراءها جهة تنفيذية صارمة. اذن كيف يكون القرار مجدياً، وكيف تكون الفائدة محققة؟ بالطبع اذا تعاون البيت والمدرسة والشارع على تنفيذ هذا القرار. اما لو ظن أولياء الامور بأن التربية والتعليم مطلبان لكن على الوزارة وحدها ان تحققهما. او ظنوا بأن التربية والتعليم مطلوبان لكن يجب ألا تتعارض القرارات مع رغباتهم الشخصية فإن التربية يجب عندئذ ان تقرأ على نفسها الفاتحة. اقول انني اتعجب كثيراً ومن حقكم ان تعجبوا معي اذا قلت بأن طلبات اولياء الامور مشيبة للرأس ومضحكة ومبكية في الوقت نفسه: يطلب بعضهم قبول طفلين معا في صف واحد لانهم يبغون يمشون رباعه على حد تعبيره، او يطلب قبوله في الصف الثاني لانه لا يحب الصف الاول. وآخر يطلب تنزيل ابنه للصف الثاني رغم انه ناجح للثالث، لماذا؟ لان ابنه الآخر يقول لا ادرس اذا لم يكن اخي معي. او يقول اقبلوه من غير شهادة لانه يريد ان يدرس في حين ان آخر متوافر فيه الشروط لكنه يؤخذ الى البر لمرافقة الأب ويبقى من غير دراسة، او يراجع الوزارة من اجل قبول ولده في المدرسة الفلانية وليست المدرسة الفلانية، ضارباً بذلك تخطيط المنطقة التعليمية. نعم.. هذه آفة الشعوب العربية في كل مكان، فهم يريدون التفلت من القوانين واللوائح والنظم ومع ذلك يريدون ان يحققوا المكتسبات التي حققها الغرب، وانهم لم يفكروا يوما بأن الغرب لم يتقدم بالادعاء، ولا بالفوضى ولا بالكسل، وانما بالعمل الجاد، وباتباع النظام. انهم يؤمنون بأشياء، ونحن نؤمن بأشياء ونحب اشياء لكن شتان بين ما يؤمنون به ويحبونه وبين ما نؤمن به ونحبه، وصدق الشاعر حيث يقول: ايها المنكح الثريا سهيلاً عمرك الله كيف يلتقيان؟ هي شامية اذا ما استقلت وسهيل اذا استقل يمان واأسفاه.. لقد طال انتظارنا لليوم الذي نرى فيه وجودنا، ونحرر مكتسباتنا بجديتنا لكن كاد ان يكون مستحيلا أليس كذلك؟