أصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة فى اطار التواصل مع قراء اللغة الانجليزية نسخة من الدراسة التى أعدها بالانجليزية تحت عنوان « التغلغل الاسرائيلى فى أفريقيا». وقد سلطت هذه الدراسة القيمة الضوء على أبعاد السياسة الاسرائيلية وسعيها المستمر لتطويق الوطن العربى من كل الجهات سبيلا الى التحكم فى أمن كل الدول العربية والاضرار بعلاقاتها مع الدول الافريقية كل ذلك من أجل تحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وفي تتبعها الدقيق لهذه الابعاد أبرزت الدراسة الاستراتيجية التى تبنتها اسرائيل لمد جذورها فى القارة السمراء باستخدام مختلف أنواع الدعاية والتنسيق مع شركات تابعة لجهاز الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية والتعاون مع الدول الاستعمارية التى جعلت من اقتراح اقامة مستعمرة يهودية فى يوغندا بأفريقيا فى بداية القرن العشرين أساسا لتعاونها مع أسرائيل وساهم فى دعم هذا التوجه الوضع الاقتصادى المتردى فى العديد من الدول الافريقية. وتطرقت الدراسة وبشكل بارز الى مسألتى الامن القومى ومفهوم أدارة الصراع الدولى والاقليمى اللتين كانتا أبرز سمات التحرك الاسرائيلى الافريقى فى اطار تنسيق مشترك. وقد بات من الواضح أن أحد أسباب التوجه الاسرائيلى الى أفريقيا كانت الرغبة فى جلب المزيد من المهاجرين الافارقة الى أسرائيل. وقد تراوحت نسبة هؤلاء ممن توجهوا الى أسرائيل ما بين 15 و 17 بالمئة من مجموع المهاجرين خلال الفترة الفاصلة ما بين 1948 و1967. وأوضحت الدراسة أن عملية تهجير الفلاشا وما ارتبط بها من أحداث كشف عن انتقائية النشاط الصهيونى فى عمليات تستهدف من خلالها ومن بين أمور اخرى استقطاب عمالة بديلة للعمالة الفلسطينية ناهيك عن أمكانية تجنيد العديد من هولاء الفلاشا فى جيش الدفاع الاسرائيلى ولذلك لم تحظ الجالية اليهودية فى جنوب أفريقيا بنفس التقييم باعتبارها جاليات تمويلية كما هى الحال بالنسبة ليهود الولايات المتحدة ولجماعات الضغط التى استخدمت ابان فترة الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا لتحقيق المزيد من التعاون بين النظامين العنصريين. وأوضحت الدراسة الاساليب التى انتهجتها أسرائيل للتغلغل فى أفريقيا بعد أن مهد الاستعمار الغربى الطريق أمامها لبلوغ هذا الهدف بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والتمكن من بسط سيطرتها الكاملة على مقدرات البلدان الافريقية المستهدفة بعد نيل استقلالها. وقد عملت اسرائيل عبر طرق مختلفة على تعزيز علاقاتها مع أفريقيا سواء كان ذلك عن طريق الحكومة الاسرائيلية أو عن طريق أصدقاء اسرائيل خاصة من الدول الكبرى التى اشترطت على الدول الافريقية التعاون مع اسرائيل وشراء معداتها وأسلحتها وبموازاة مع صدور أمر من الخارجية الاميركية لسفاراتها فى الخارج فى عقد الثمانينيات من القرن الماضى بوضع كل امكاناتها لتسهيل عمل الاسرائيليين رسميين كانوا أو غير رسميين شكلت الخارجية الاميركية لجنة أميركية أسرائيلية مشتركة لتنسيق العمل فى العالم الثالث وتسهيل أهداف السياسة الخارجية الاسرائيلية. كما تناولت الدراسة أهداف السياسة الاسرائيلية الخارجية فى أفريقيا والتى تركز على عاملين يرتبط أولهما بالامن القومى وبالبعد الاستراتيجى المتمثل فى السعى لتحقيق السيطرة الاقليمية وفك أشكال العزلة التى تفرضها الدول العربية على اسرائيل وتأمين الملاحة فى البحر الاحمر فضلا عن الارتباط بالجاليات اليهودية فى أفريقيا وتسويق منتجاتها وضمان أكبر قدر من الدعم الدولى للتصويت فى المنتديات العالمية أما العامل الثانى فيكمن فى رغبة أسرائيل فى فرض هيمنتها باستغلالها للعلاقات التى تربطها بالغرب وخاصة الولايات المتحدة الاميركية وسعيها الحثيث فى ما تعتبره مساهمتها فى أقامة النظام العالمى الجديد الذى من شأنه ترسيخ مبدأ الهيمنة الاسرائيلية كوجه من وجوه الهيمنة الغربية والاميركية. وأبرزت الدراسة أوجه التغلغل الاسرائيلى الذى اعتمد على الاعلام والدعاية اللذين قدما أسرائيل فى مراحلها الاولى كدولة «مسالمة» تحدوها الرغبة فى البحث عن من يكون وسيطا بينها وبين العرب من أجل تحقيق السلام طبقا لمفهومها. وقد ساهمت هذه السياسة كذلك فى أبراز الاعلام والدعاية الاسرائيلية لصورة الدولة النموذج التى لا مناص للدول الافريقية من الاستعانة بها خاصة بعد حرب 1967 التى زعمت اسرائيل أنها كرست تفوقها بعد أن بدأ الحديث عن العبقرية اليهودية. وقد عملت اسرائيل على تشويه صورة العرب وزرع بذور الخلاف بينهم وبين جيرانهم من الافارقة. وتشير الدراسة فى هذا السياق الى تركز التغلغل الاسرائيلى بعد اتفاقيات أوسلو ومشروع الشرق أوسطية الذى كرس الهيمنة الاميركية من خلال توظيف اسرائيل أفريقيا . كما أوضحت الدراسة سعى السلطات الصهيونية الى التحكم فى الاقتصاد الافريقى وتوجيهه من خلال استخدام سياسة المعونات الفنية والتقنية فضلا عن المدربين والخبراء العسكريين وعلاوة على الخبراء فى المجالات المختلفة حيث توجه الى أفريقيا خلال حقبة الستينيات والسبعينيات الف و 500 خبير أسرائيلى واستقبلت أسرائيل من أفريقيا 6 الاف و 200 متدرب وسمحت السوق الاوروبية المشتركة لاسرائيل أن تكون مركزا لتدريب المبعوثين من الدول الافريقية المرتبطين بالسوق وهى الميزة التى كانت مقصورة على دول السوق كما تم التعاون الاميركية مع المراكز التى أنشئت فى أسرائيل لتدريب الكوادر النقابية والسياسة الافريقية هذا بالاضافة على استثمارات الشركات الهندسية والصناعية الاسرائيلية والتى حصلت على عقود للعمل فى أفريقيا بمئات الملايين من الدولارات وارتفعت الصادرات والواردات بين أفريقيا واسرائيل من عشرات الى مئات الملايين من الدولارات. وقد يتبين أن نسبة كبيرة من الخبراء الاسرائيليين الى الدول الافريقية كانوا عسكريين متقاعدين وأن معظم مراكز التدريب المهنى فى اسرائيل والتى يفد اليها الافارقة مراكز لها وظائف أمنية. وفى تناولها للتغلغل الاسرائيلى العسكرى بينت الدراسة من خلال الاتفاقيات والتعاون العسكرى بين اسرائيل وبين الدول الافريقية مختلف أوجه النشاط العسكرى الاسرائيلى فى أفريقيا وكيف سعت الاولى الى أغراق القارة الافريقية بمختلف ترسانتها العسكرية. وقد بنت اسرائيل استراتيجيتها للتحرك على الساحة الافريقية من خلال مجموعة من المبادى والركائز الاساسية التى ترمى أولا الى تحسين الوجه الاسرائيلى فى القارة الافريقية وجعله مقبولا من دولها وأظهار أهمية اعتماد هذه الدول على اسرائيل فى أعداد وتأهيل كوادرها العسكرية أضافة الى تقديم كافة التسهيلات التى تتيح بناء علاقات مع الانظمة الافريقية وأظهار مدى قدرتها على خدمة أهداف الدول علميا وعسكريا. وفى هذا المجال أيضا تبين الدراسة حجم الاتفاقيات العسكرية الاسرائيلية مع كل دولة أفريقية على حدة وتاريخها فى استقصاء دقيق وموثق يدل على تطور العلاقات وتناميها بشكل كبير بين الطريفين. كما تتناول الدراسة انعكاس التغلغل الاسرائيلى فى أفريقيا على الامن القومى العربى فتشير الى أن منطقتى النفوذ الاسرائيلى فى القرن الافريقى والبحر الاحمر تمثلان الجدار الجنوبى للامن العربى وحزام الامن الغربى والعمق الاستراتيجى لمنطقة الخليج باعتبارهما الاتجاه الرئيسى لعبور التجارة البترولية وحلقة الاتصال بين النظم الاقليمية فضلا عما يضمانه من دول عربية كما يمثلان البعد الاستراتيجى لكل من مصر والسودان نظرا لتحكمهما فى مصدر النيل وتأثيرهما على حركة الملاحة فى قناة السويس. وتبرز الدراسة سعى اسرائيل للحصول على تسهيلات بحرية بالمداخل الجنوبية للبحر الاحمر من خلال التواجد بأريتريا وجزيرة دهلك وأقامة نقاط ارتكاز للاستطلاع ومتابعة الانشطة العربية واستغلال المنطقة عند الضرورة كوسيلة للضغط وتشتيت الجهود عند أدارة صراع مسلح محتمل مع العرب فضلا عن أمكانية استخدام المنطقة كنقطة انطلاق لتوجيه ضربات وقائية سواء تجاه مصر أو تجاه أحد الاهداف العربية وما الدعم اللوجستى الذى يتلقاه الجيش الشعبى السودانى بقيادة جون قرنق سوى هدف يكشف جانبا من نوايا اسرائيل المبيتة من أجل زعزعة الاستقرار فى هذا البلد العربى. ولمواجهة التحدى الامنى الذى يفرضه التغلغل الاسرائيلى فى أفريقيا تضع الدراسة تصورا لخطة عربية مستقبلية بغية تركيز وتقوية العلاقات العربية الافريقية ومواجهة النفوذ الاسرائيلى فى هذه القارة التى تمثل جزءا من أمن الوطن العربى وبعدا استراتيجيا وتاريخيا يجسد العلاقات الجيدة والمتينة التى ظلت قائمة بين الدول العربية والافريقية عبر العصور. وتؤكد الدراسة ختاما على أن الواقع يفرض على البلدان العربية أن تتبنى مشروعا قوميا بعيد المدى للتحرك على المستوى الافريقى مشروعا يستند على المصالح المشتركة الانية والمستقبلية. وام