تشهد مدينة دبي نشاطا مكثفا لترميم المواقع التاريخية والأثرية، في اطار خطة تستهدف الحفاظ على هذه المواقع، وتحويلها إلى مناطق جذب جديدة للسياح. ويعكس العدد الكبير لمشاريع الترميم واتساع النطاق الجغرافي الذي تقع فيه هذه المواقع، الأهمية المتزايدة التي باتت توليها الإمارة للمواقع الأثرية، وذلك لاعتبارات تاريخية وسياحية. وإلى جانب مشروع ترميم واجهة الخور الذي يعد من أكبر المشاريع الجاري تنفيذها في هذا المجال، هناك عشرات المواقع التي تم ترميمها أو مازالت خاضعة للترميم، ومنها مبان ومساجد أثرية وأبراج هوائية (براجيل) منتشرة في مناطق البستكة والشندغة والسوق القديم في كل من ديرة وبر دبي. وتواصل بلدية دبي اعمال ترميم المباني التاريخية في منطقة الشندغة والبستكية والسوق الكبير ، وتحويل كل منها إلى متحف يختص بنشاط معين. وصرح المهندس رشاد محمد بوخش مدير ادارة المشاريع العامة بالانابة أنه انطلاقا من رسالة قسم المباني التاريخية في بلدية دبي بتحقيق الريادة في الحفاظ على التراث العمراني وترسيخ الوعي بأهمية التراث، والدور الكبير الذي تبذله بلدية دبي لتحقيق التميز والعالمية في مجالات الحفاظ المعماري على المباني التاريخية والمناطق ذات القيمة، وتحسين الصورة البصرية للمناطق التاريخية في امارة دبي بالاضافة الى اثراء القيمة السياحية، وتفعيل دور المشاركة الشعبية في ترسيخ الوعي بأهمية التراث، فقد اعد قسم المباني التاريخية خطة عمل لتأثيث مختلف المباني التاريخية التي شارف العمل فيها على الانتهاء وذلك وفق النشاط الذي خصص له كل مبنى. واضاف ان لمدينة دبي مباني ذات قيمة تاريخية مثل الحصون الدفاعية والمباني السكنية والتي تعكس بصورة واضحة ثراء العمارة و ضرورة المحافظة عليها وصيانتها لتبقى شاهدة على الأصالة والقيمة، ولتحقق الوعي الجماهيري بأهمية المبنى التاريخي كجزء من التراث القومي والعالمي وللحفاظ على عناصر القيمة في المباني التاريخية، ودراسة العناصر التقليدية للعمارة التراثية وبحث إمكانات استخدامها في البيئة المعاصرة، وقد استعرض التطور العمراني لمدينة دبي بالنطاق التاريخي لخريطة دبي. وقال مدير ادارة المشاريع العامة بالانابة ان قسم المباني التاريخية في بلدية دبي يستعد للبدء بأعمال تأثيث مجموعة من المباني التاريخية فور الانتهاء من اعمال ترميم بعضها وانجاز اعادة بناء البعض الآخر، وذلك بما يتناسب وتخصيصها للاستعمالات المختلفة، حيث يتضمن مشروع التأثيث مبنى البلدية القديم، وبيت العمارة التقليدية، وبيت الهجن العربية، وبيت الخيول العربية، ودار المسكوكات، ومتحف الطوابع البريدية. متحف البلدية وأوضح انه سيتم تحويل مبنى مكتب بلدية دبي القديم الكائن في سوق بندر طالب ليكون متحفا يعرض فيه تاريخ بلدية دبي، وسيتم عرض تاريخ بلديية دبي منذ تأسيسها، وحتى الآن، وعرض معلومات، ووثائق قديمة، وقرارات ترجع إلى فترة الخمسينيات، والستينيات، بالاضافة إلى شرح خدمات البلدية سابقا، والتطورات الادارية للادارات المختلفة، بالاضافة إلى عرض بعض المقتنيات القديمة من اختام وغيرها، وصور عن البلدية وانشطتها واجتماعاتها، سيتم عرضها بواسطة شاشات اللمس، فضلا عن فيلم حول انجازات البلدية. متحف الطوابع وذكر المهندس رشاد بوخش انه سيتم تحويل مبنى تاريخي آخر إلى متحف للطوابع سيتم فيه عرض تاريخ التطور البريدي للامارات بشكل عام، ودبي بشكل خاص وذلك بالتنسيق مع جمعية هواة جمع الطوابع بالدولة، بحيث سيتم عرض تسلسل لتاريخ البريد وخدماته المختلفة بواسطة عرض اشكال ونماذج للطوابع القديمة لكل امارة على حدة، بالاضافة إلى النماذج البريدية للاختام، وعرض معلومات تاريخية تشرح انواع الطوابع، والتسلسل التاريخي لخدمات البريد، وعرض لوحات ونماذج من طوابع اصلية ومعلومات بواسطة الكمبيوتر ولوحات معلوماتية، وصور ، حيث ستخصص غرفة في المتحف لكل امارة، تتحدث عن تاريخ الطوابع البريدية التي كانت متداولة فيها في الفترة السابقة، والاختام البريدية، والمجموعات البريدية النادرة. دار المسكوكات كما يعد قسم المباني التاريخية في بلدية دبي لتأثيث مبنى يخصص دارا للمسكوكات ، حيث اوضح بوخش أن المتحف سيكون عبارة عن دار يخصص لعرض المسكوكات والعملات القديمة، بالاضافة إلى معرض لتطور تاريخ العملة في كل امارة على حدة، وشرح تفصيلي لبعض الاصدارات التذكارية لمناسبات شهدتها كل امارة قبل وبعد قيام الاتحاد. وسيتم عرض معلومات تاريخية متنوعة لشرح فكرة للزوار عن انواع العملات ونقوشها وتفاصيلها الخاصة، وما تتميز به من ملامح خاصة، بالاضافة إلى عرض جزء من العملات في حافظات زجاجية خاصة مصممة لحمايتها. كما يتضمن عرضا شاملا بواسطة المعلومات والنماذج المختلفة للعملات الورقية والمعدنية المتداولة في الوقت الحاضر، وذلك بالتعاون مع بعض هواة جمع العملات، واستعارة بعض مجموعاتهم الخاصة. بيت الخيل العربي وقال انه نظرا لاهمية الخيل في حياة الرجل العربي، وما كان لها من دور بارز في التاريخ الاسلامي، والعصر الحديث فانه سيتم تخصيص مبنى آخر بيتا للخيل العربية حيث ستتناول غرفه المتعددة شرحا تاريخيا بواسطة المعلومات والصور والمجسمات لتاريخ الخيل وتوصيف الخيول ، وخصائص الخيول والصفات التي تتميز بها، وذكر الخيل في الادب والشعر العربي، وتوصيف أشهر الخيول في الدولة ورياضة الخيل وادواتها. بيت الهجن كما سيخصص مبنى تراثي آخر بيتا للهجن العربية الاصيلة وسيحتوي على تاريخ الهجن، ومكانة الهجن واسماء ومسميات الهجن العربية الاصيلة لدى القبائل العربية، ووعادات الجمال، حيث ستتناول غرف بيت الهجن المتعددة شرحا تاريخيا بواسطة المعلومات والصور والمجسمات لتاريخ الهجن وتوصيف الهجن ، وخصائصها والصفات التي تتميز بها، وذكر الهجن والابل في الادب والشعر العربي، وتوصيف أشهر الهجن في الدولة ورياضة سباقات الهجن العربية الاصيلة وأدواتها. بيت العمارة وأفاد مدير ادارة المشاريع العامة بالانابة في بلدية دبي أنه إلى جانب ذلك سيتم تحويل المنزل رقم (43) في منطقة الشندغة ليكون بيتا للعمارة التقليدية، وذلك لاعطاء فرصة للزائر عن تراث العمارة في الدولة بشكل عام ودبي على وجه الخصوص، حيث سيتم شرح انواع العمارة المختلفة في الدولة وفق مناطقها من ساحلية وجبلية وصحراوية. بالاضافة إلى شرح تاريخ العمارة في دبي من مبان دفاعية مثل القلاع والحصون، ومنشآت دراسية ، ومبان سكنية مثل العريش ومساكن الجص، والبيوت الجبلية، والمباني التاريخية التقليدية، وعناصرها المختلفة، وبيوتها المتنوعة، ومميزات عناصر العمارة من براجيل واقواس وعقود وملاقف وغيرها. كما تتضمن شرحا تفصيليا للزخارف الجصية والخشبية مع نماذج منها إلى جانب شرح ادوات البناء التقليدي ومواده من احجار مرجانية واحجار صلافة ، وتمييز كل نوع عن الاخر، وتفصيل ذلك لتوضيحها إلى الزائر. المناطق التاريخية وأضاف ان منطقة البستكية تضم 55 مبنى تاريخيا، وتتألف منطقة ديرة والسوق الكبير من 130 مبنى تاريخيا سيتم ترميمها جميعا وتخصيصها للاستخدامات المختلفة منها ما سيحول الى مطاعم واسواق تقليدية واخرى الى فنادق صغيرة ونشاطات عامة، وتقوم بلدية دبي بتأجير هذه المباني بعد الانتهاء من اعمال ترميمها سواء للسكن او النشاط التجاري. وتتضمن السياسات العامة: اتباع سياسة التكامل العمراني في مجالات التنمية المختلفة، واتباع سياسة اللامركزية والمشاركة في اتخاذ القرار، اتباع سياسة التحكم العمراني في حدود المنطقة التاريخية، اتباع سياسة التكامل الاعلامي على كافة المستويات، اتباع سياسة ادارة الجودة الشاملة. وتحدث المهندس رشاد بوخش عن استراتيجية الحفاظ على التراث المعماري بإمارة دبي. فقال ان سياسة إمارة دبي في مجال ترميم المباني التاريخية هي تحقيق الريادة في الحفاظ على التراث العمراني وترسيخ الوعي بأهمية التراث العمراني وذلك ضمن أهداف وسياسات واستراتيجيات. وأوضح أن الأهداف العامة لهذه الاستراتيجية هي تحقيق التميز والعالمية في مجالات الحفاظ المعماري على المباني والمناطق ذات القيمة وتحسين الصورة البصرية للمناطق التاريخية وإمارة دبي وإثراء القيمة السياحية وتفعيل دور المشاركة الشعبية في ترسيخ الوعي بأهمية التراث. وذكر مدير ادارة المشاريع العامة بالانابة في بلدية دبي ان السياسات تتم باتباع التكامل العمراني مع مجالات التنمية المختلفة و سياسة اللامركزية والمشاركة في اتخاذ القرار واتباع سياسة التحكم العمراني في حدود المنطقة وسياسة التكامل الإعلامي وسياسات إدارة الجودة الشاملة. كما تتمثل الاستراتيجيات في وضع خطة إعلامية متكاملة عن القسم وبتفعيل سياسات الحفاظ العمراني والتدريب والتأهيل الفني المستمر للكوادر المتخصصة. 7 مراحل للترميم وقد أخذت معالم مشروع ترميم واجهة الخور الذي تم الشروع في تنفيذه عام 1994 في الظهور، مع انجاز ترميم العديد من المنازل والمباني الأثرية المطلة على المجرى المائي الطبيعي الذي يشكل شريان التجارة في الإمارة، وباتت واجهة الخور الآن تزدان بمبان أثرية تضفي رونقاً متميزاً إلى الأبراج الزجاجية الحديثة التي تغطي أفق المدينة. وقال المهندس رشاد بوخش انه روعي في ترميم هذه المنطقة استمرارية البيئة الاجتماعية القائمة فيها منذ القدم، بحيث يتم ادماج المنشآت التي يتم ترميمها مع محيطها لتساهم بشكل مباشر في تنمية المنطقة التي تقع فيها من خلال الأنشطة الثقافية والسياحية والتجارية. ويغطي المشروع الذي يتوقع انجازه في عام 2004 مساحة اجمالية تبلغ 4 آلاف و 322 متراً مربعاً، يتم تنفيذ أعمال ترميم المباني فيها عبر 7 مراحل متتابعة، وذلك طبقاً للأهمية التاريخية لكل مبنى ومدى توافر المعطيات العلمية للتنفيذ وإمكانية اخلاء القاطنين لتنفيذ أعمال الترميم، التي روعي فيها الاعتماد على استخدام المواد والأساليب التقليدية لاعادة شكل المباني إلى ما كانت عليه، بما في ذلك الزخارف الجصية وأعمال النجارة ذات التميز الواضح وتخليص الصورة المعمارية من الشوائب والتداخلات والاشغالات مثل القواطع الخشبية والاضافات المعمارية المستحدثة وتنظيم وتقييد اللافتات الإعلانية التي تشوه التركيب التشكيلي للمنطقة، وإحياء صورتها الأصلية حفاظاً على تراثها العام. وقد اعتمدت عمليات ترميم المباني المطلة على الخور، على دراسات للوثائق التاريخية كالصور والمخططات والوثائق البينية ومقابلات شخصية مع الملاك لوضع صورة متكاملة لها منذ انشائها والمراحل والمتغيرات التي حدثت عليها وصولاً إلى الحالة التي وجدت عليها قبل البدء في ترميمها. كتب خالد درويش: واجهات الخور وذكر بوخش ان واجهات الخور تعد الانطباع الأول لزوار دبي والباحثين عن تاريخ الإمارة وتراثها، وقد تحولت هذه الواجهات اليوم إلى بانوراما بصرية رائعة يمتزج فيها القديم والجديد في تناسق فريد. مشيراً إلى انه تم الاعتماد في تنفيذ عمليات الترميم على المواد التقليدية كالجص والأحجار البحرية، اضافة إلى استخدام الزخارف والأبواب والنوافذ التقليدية، لضمان الحفاظ على النسيج الأصلي للمنطقة، واعادتها إلى رونقها السابق، وابراز عناصر العمارة المحلية ومدى احتوائها على جماليات الفن التراثي المحلي. وإلى جانب واجهات الخور، تضمنت مشاريع الترميم الرئيسية التي تم تنفيذها في دبي مشروع ترميم واحياء منطقة البستكية التي تمثل مرحلة مهمة في تاريخ العمارة والتطور المدني والحضري للمدينة، وتعتبراً حياً متكاملاً ذا طابع معماري تقليدي مازال محتفظاً بالكثير من رونقه القديم، حيث تنتشر في منازلها براجيل الهواء والزخارف الجصية وأعمال النجارة، مما جعل منها هدفاً رئيسياً للزوار الراغبين في الاطلاع على جوانب من تاريخ البلاد والمنطقة. وقد تحولت المنطقة الواقعة قرب السوق القديم، وتمتد لمسافة 300 متر بمحاذاة الخور، إلى مركز تراثي يضم العديد من المتاحف والمعارض ومحلات بيع التحف، و25 من البراجيل (أبراج الهواء التقليدية القديمة المصممة بحيث تقتنص نسمات الهواء وتوجيهها إلى داخل المنازل). وباتت المنطقة تجتذب اليوم أعداداً متزايدة من السياح، وتتكامل مع السوق الأثرية الأخرى القريبة التي تشمل متحف دبي وبيت الشيخ سعيد، وقرية التراث والسوق القديم المطل على الخور. ويأتي تنفيذ مشاريع الترميم العديدة الجارية حالياً في دبي، في اطار الجهود المبذولة للحفاظ على المعالم الأثرية والتراثية بالدرجة الأولى، إلى جانب أهميتها السياحية المتزايدة مع تحول الإمارة إلى وجهة سياحية رئيسية تستقطب قرابة 3 ملايين سائح سنوياً، فقد شهد العقد الأخير انفاق أكثر من 100 مليون درهم على ترميم 69 مبنى وموقعاً تراثياً، تمثل حوالي خمس المباني والمواقع التي تم اعتبارها مباني ومواقع تراثية في الإمارات، ويبلغ عددها الاجمالي حتى الآن 330 مبنى وموقعاً. يذكر ان المواقع الأثرية والتراثية باتت تتصدر قائمة أكثر المعالم استقطاباً للسياح في دبي مما دفع العديد من الوكالات السياحية إلى ادراج هذه المواقع ضمن العديد من الجولات السياحية التي تنظمها للزوار.

