يبدأ اليوم «الاثنين» فى جوهانسبرغ عاصمة جنوب أفريقيا فعاليات مؤتمر القمة العالمى للتنمية المستدامة والتى تستمر حتى الرابع من شهر سبتمبر المقبل. ويراس وفد الدولة الى المؤتمر صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقى عضو المجلس الاعلى حاكم الفجيرة والذى يضم عددا من كبار المسئولين وذوى الاختصاص من مختلف الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية المعنية. ويحمل وفد الامارات الى المؤتمر عرضا شاملا للجهود التى تقوم بها الدولة للحفاظ على البيئة وتنميتها وما حققته فى ظل الرعاية الكريمة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» فى مجال التنمية المستدامة. وتهدف القمة العالمية للتنمية المستدامة التى سيشارك فيها نحو «65» الف مشارك منهم مائة رئيس دولة الى مراجعة ما جاء فى أجندة القرن الحادى والعشرين فى مجال البيئة والتنمية واستعراض ما تم انجازه منها وتحديد المعوقات التى حالت دون تنفيذ الهدف. ومن المقرر أن يصدر عن قمة التنمية المستدامة برنامج عمل للسنوات العشر المقبلة لتنفيذ أجندة القرن الحادى والعشرين الصادرة عن قمة الارض الاولى والاهداف التنموية الدولية التى تضمنها أعلان قمة الالفية الصادر عن الامم المتحدة فى سبتمبر عام 2000. أما الوثيقة الثانية التى ستصدر عن المؤتمر فهى أعلان سياسى يوقعه القادة المشاركون فى المؤتمر ويوكد التزام الدول بتنفيذ برامج لتحقيق التنمية المستدامة. وقد شهدت عملية التحضير للوثائق الاساسية التى سيقرها المؤتمر الكثير من الخلافات بين الدول النامية والمتقدمة من ناحية وبين الحكومات والمنظمات المدنية من جانب اخر. وحتى اللحظات الاخيرة قبل بدء مؤتمر القمة العالمى للتنمية المستدامة لم يكن هناك اتفاق أو حسم للخلافات العميقة بين الدول التى أفرزتها المؤتمرات التحضيرية. واضطر رئيس اللجنة الدولية التحضيرية لمؤتمر القمة العالمى للتنمية المستدامة الى اختتام الجولة الرابعة من اجتماعاتها فى جزيرة بالى الاندونيسية دون أن تنجح فى حسم الخلافات الدولية حول ترتيب أولويات التنمية وتحديد المسئوليات الملقاة على عاتقها. وأحال رئيس اللجنة التحضيرية الاندونيسى الدكتور أميل سالم العديد من القضايا الخلافية للحسم أثناء انعقاد القمة خاصة بعد أن فشل فى ايجاد صيغة توافق بين الاطراف. وبذلك لم يتم الانتهاء من خطة العمل الدولية للبيئة التى من المقرر أن يوقعها قادة العالم فى جوهانسبرغ. ووصف المراقبون الخلافات الحادة فى أروقة المؤتمر التحضيرى للقمة بأنها «خطوات للخلف». وعلق العديد من المشاركين بأن المناقشات بدلا من أن تتجه الى «ريو دى جانيرو زائد 10 فأنها تتحرك للخلف» ريو دى جانيرو ناقص 10. وتركز الخلاف فى مؤتمر بالى بين ضرورة استكمال النقاش حول اقرار خطة العمل النهائية فى جوهانسبرغ وهو ما طالبت به المنظمات غير الحكومية وبين الانتهاء من اقرار الخطة فى بالى على أن توقع لاحقا فى جوهانسبرغ. غير أن الخلافات لم تمنع الاتفاق على حوالى 80 فى المائة من بنود خطة العمل. أما الموضوعات التى تأجل حسمها للقمة فهى العولمة والتمويل الدولى ونقل التكنولوجيا المتوائمة مع البيئة وتقديم المساعدات الفنية والمؤسسية للدول النامية. وقد ساهمت الدول العربية فى مفاوضات بالى بفعالية من خلال مجموعة ال 77 وهى الاطار الذى يمثل الدول النامية فى المجتمع الدولى. وقد ازداد اهتمام العالم بالتنمية المستدامة مؤخرا فى محاولة لايجاد حلول لامراض خطيرة تهدد مستقبل كوكب لا يملكه من يعيشون عليه بل اقترضوه من الاجيال القادمة. فالتنمية المستدامة تتطلب بالضرورة تحسين ظروف المعيشة لجميع سكان العالم دون زيادة استخدام الموارد الطبيعية الى ما يتجاوز قدرة كوكب الارض على التحمل ولكن قد تستلزم اجراءات مختلفة فى كل منطقة من مناطق العالم. ففى عالمنا هذا يفتقد مليار ونصف مليار نسمة فيه للماء وضعفهم يحتاجون للوسائل الصحية الضرورية هذا فضلا عن كون ثلث الاراضى الزراعية مهددة بالتصحر. وحسب ما يراه غالبية العاملين فى مجال أبحاث التنمية المستدامة فالجهود الرامية الى بناء نمط حياة مستدام تتطلب أحداث تكامل بين الاجراءات المتخذة فى ثلاثة مجالات رئيسية هى أن النظم الاقتصادية العالمية القائمة حاليا بما بينها من ترابط تستلزم نهجا متكاملا لتهيئة النمو المسئول الطويل المدى مع ضمان عدم تخلف أية دولة أو مجتمع عن الركب وحفظ الموارد الطبيعية والبيئية حيث يأتى ذلك من خلال ايجاد حلول قابلة لاستمرار اقتصاديا للحد من استهلاك الموارد وايقاف التلوث وحفظ الموارد الطبيعية. وفيما يتعلق بالتنمية الاجتماعية فان جميع أنحاء العالم بحاجة الى العمل والى الغذاء والتعليم والطاقة والرعاية الصحية والماء. ويرى القائمون على دراسات التنمية المستدامة انه عند العناية بهذه الاحتياجات يجب على المجتمع العالمى أن يكفل أيضا احترام النسيج الثرى الذى يمثله التنوع الثقافى والاجتماعى واحترام حقوق العمال وتمكين جميع أعضاء المجتمع من أداء دورهم فى تقرير مستقبلهم. ويرى المتخصصون أن من أهم التحديات التى يواجهها العالم اليوم هى تخفيف حدة الفقر وخاصة فى المجتمعات الريفية التى يعيش فيها معظم فقراء العالم وتحسين قدرة جميع البلدان وعلى الاخص البلدان النامية على التصدى لتحديات العولمة بما فى ذلك زيادة بناء القدرات ونقل الاموال والتكنولوجيات الملائمة بيئيا. كما تشمل التحديات التشجيع على اتباع أنماط استهلاك وانتاج مسئولة للحد من الفقر ومن الافراط فى الاعتماد على الموارد الطبيعية وكفالة أمكانية وصول جميع الناس الى مصادر الطاقة اللازمة لتحسين حياتهم والحد من المشاكل الصحية المتصلة بالبيئة التى تتسبب فى كثير من الامراض فى العالم حاليا وايضا تحسين امكانيات الحصول على الماء النقى بحيث يتاح للذين يضطرون حاليا الى الاعتماد فى تربية أبنائهم وكسب أرزاقهم على مصادر غير مأمونة وغير صحية. ويذكر أن الدول العربية والافريقية ستقوم بطرح قضيتين أساسيتين على طاولة النقاش فى مؤتمر جوهانسبرغ وهما الفقر وارتفاع معدلات النمو السكانى املين أيجاد حل مناسب لهما من خلال مساعدات قد تمنحها الدول الغنية. فقد بذلت الدول العربية والافريقية فى السنة الاخيرة محاولات جادة لتنسيق المواقف فيما بينها قبيل مؤتمر جوهانسبرغ. وتجسد التنسيق العربى الافريقى فى اعلان القاهرة الذى صدر فى 23 يناير الماضى بعد اجتماع مشترك بين المؤتمر الوزارى الافريقى المعنى بالبيئة ومجلس وزراء البيئة العرب. وتم ارسال نتائج هذا الاجتماع الى الامين العام لمؤتمر القمة العربية المستدامة من جانب الممثل الدائم لليمن فى الامم المتحدة بصفته رئيسا للمجموعة العربية فى فبراير «2002». وتعكس قضيتا الفقر والنمو السكانى خصوصية المشكلات فى القارة الافريقية والمجموعة العربية خاصة لما لهما من اثار سلبية على البيئة مثل اتساع رقعة الاحياء الفقيرة حول المدن الكبيرة وازدياد الضغط على قاعدة الموارد الطبيعية. وفى سياق أكثر شمولية أشارت الدول العربية والافريقية فى اعلان القاهرة الى ضرورة اعتبار السلم والامن الدوليين شرطين أساسيين لتحقيق التنمية المستدامة. وانتقدت الورقة المقدمة الى اللجنة التحضيرية للمؤتمر معدلات الاستهلاك المفرطة فى النمو فى البلدان المتقدمة مما يفضى الى نضوب قاعدة الموارد. وشددت الرؤية العربية والافريقية على أهمية أن تعالج العولمة ما يمكن أن يترتب عليها من اثار معالجة حكيمة لتحقيق تنمية مستدامة فى البلدان النامية وأن تكيف البلدان ترتيباتها الاقتصادية والمؤسسية من أجل تحقيق فائدة مثلى من مكاسب العولمة. وركزت الورقة الافريقية العربية على أهمية الموارد البشرية والحفاظ على مؤسسة الاسرة من خلال تقديم الرعاية الصحية لكافة أفراد الاسرة وتطوير المناهج الدراسية وتوفير مياه شرب وغذاء صحي ومكافحة التلوث. وطرح الوزراء الافارقة والعرب برنامجا محددا لانشاء مصارف للفقراء وتقديم قروض صغيرة بقيمة اجمالية تصل الى مائة الف دولار بحلول عام 2005 على أن تقدم الدول المانحة خلال المؤتمر 200 مليون دولار لتأسيس المشروع وتتراوح قيمة القرض الواحد من 50 الى مائة دولار. وطالبت الدول العربية والافريقية البلدان الصناعية ووكالات التمويل ومصارف التنمية بتمويل «500» من المشاريع الصغيرة لمعالجة النفايات وأعادة تصنيعها على المستوى المحلى بتكلفة نصف مليار دولار على أن تقوم الدول المانحة لاحقا بتمويل مائة مشروع سنويا. كما يتضمن البرنامج العربى الافريقى للقمة المطالبة بتخصيص الدول المانحة مبلغ مليار دولار أميركي لشبكات تنقية المياه والصرف الصحى فى المدن والبلدان بالقارة الافريقية والمنطقة العربية على أن تكون هناك مخصصات سنوية لهذا الغرض تقدر بنصف مليار دولار بما يساعد على تخفيف حدة المشكلات المتعلقة بتوفير المياه العذبة. وتشمل المطالبات توفير تمويل دولى قدره «300» مليون دولار لبدء حملة مكافحة التصحر فى المنطقتين العربية والافريقية بحلول عام «2005» ومليار دولار لتعزيز أنشطة حماية موارد المياه والارض لحماية الامن الغذائى فى المنطقتين العربية والافريقية و«500» مليون دولار لزيادة نسبة رقعة المناطق المحمية بمعدل «50» بالمائة وزيادة الغطاء النباتى من الغابات وخاصة فى المناطق الاستوائية والجبلية بنفس النسبة بحلول عام «2005» وأفرد البرنامج العربى الافريقى للقمة اهتماما بمعالجة تغير المناخ من خلال اعتماد استراتيجية ملائمة لتحقيق انتاج أنظف فى النظم الحالية لانتاج الوقود والطاقة وتوفير نصف مليار دولار للتنفيذ بحلول عام «2005». وفى ختام الورقة دعت الدول العربية والافريقية المؤتمر الى التصدى للفقر والزام الدول المتقدمة بزيادة نسبة المساعدة الرسمية التى تقدمها الى البلدان النامية بنسبة «7» فى المائة من ناتجها القومى الاجمالى وتعزيز مساعدة وكالات البيئة الدولية للدول النامية واقامة نظام عالمى يفضى الى صون السلم والامن الدوليين. ومن ناحية أخرى حذر برنامج الامم المتحدة للبيئة من ان ثلثى الاراضى فى العالم ستعانى من آثار شق الطرق والمرافق واتساع المدن وغيرها فى السنوات الثلاثين المقبلة ما لم تتخذ اجراءات عاجلة. جاء ذلك فى التقرير الصادر فى شهر مايو الماضى حيث أشار الى ان الوضع فى أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبى سيكون الاسوأ حيث ستشمل تلك الظاهرة 80 بالمائة من الاراضى تليها اسيا ومنطقة المحيط الهادى حيث يمكن ان تتأثر 75 بالمائة من الاراضى بالنمو السريع وغير المخطط له للبنية التحتية. وأوضح التقرير «ان أكثر من نصف سكان العالم سيعيشون فى عام «2032» فى مناطق تعانى من شح المياه اذا تركت القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لقوى السوق». وأضاف ان غرب اسيا بما فى ذلك شبه الجزيرة العربية يمكن ان يكون الاكثر تأثرا حيث يتوقع أن يعيش اكثر من 90 بالمائة من سكان هذه المنطقة فى مناطق تعانى من شح المياه فى عام «2032» ويؤثر التوسع المتزايد للمدن وشق الطرق أيضا على الثروة الحيوانية حسبما أفاد التقرير الذى أوضح ان «12» بالمائة من الطيور وحوالى ربع الثدييات باتت مهددة. لكن التقرير أشار أيضا الى تطورات ايجابية من حيث امكانية تحقيق الهدف القائم على خفض نسبة السكان الذين يعانون من الجوع الى «52» بالمائة فى «2032» وفق سيناريو يعتمد على زيادة فى أنتاج الاغذية حتى ذلك الحين. وتوقع معدو التقرير أن يستقر مستوى الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحرارى شرط ان يبدى القطاعان العام والخاص ارادة طيبة فى هذا الشأن. لكن المنظمة الدولية أشارت الى أن الهوة تتسع أكثر فأكثر بين الذى يعانون من التغييرات البيئية والذين ينجون منها. وقد ارتفع معدل الذين تأثروا بكوارث طبيعية من «147» مليون شخص سنويا فى الثمانينيات الى «211» مليونا فى التسعينيات. وفى هذا السياق قال المسئول فى البرنامج كلاوس توبفر «لدينا الان المئات من الاعلانات والاتفاقات والتوجيهات والمعاهدات الملزمة قانونيا لمواجهة مشكلات البيئة» مضيفا «تلزمنا الجرأة السياسية ومصادر تمويل جديدة لتطبيق هذه الاتفاقات» مشيرا الى ان القليل جدا أنجز فعليا منذ قمة الارض فى ريو قبل عشرة أعوام. ووجه توبفر نداء الى المشاركين فى القمة الثانية للارض التى ستعقد فى جوهانسبرغ وقال نحتاج الى اجراءات عملية وجداول زمنية عملية وارادة من حديد من جانب كل الاطراف. وأضاف بذلك وحده يمكن ان تصبح الوعود التى قطعت فى ريو حقيقة. وام