أكد الدكتور أمين مكى مدنى الممثل الاقليمى للمفوضية العليا لحقوق الانسان فى العالم العربى أن السلطات الاسرائيلية مازالت تمارس أشد الانتهاكات لحقوق الانسان والقانون الدولى فى الاراضى الفلسطينية من خلال الاستمرار فى مصادرة الاراضى وهدم البيوت واقامة وتوسيع المستوطنات على الاراضى العربية وممارسة الاعتقالات التى بلغت 8 الاف معتقل فضلا عن التعذيب والمحاكم العسكرية واستعمال أسلحة الدمار الثقيلة ضد السكان العزل وممارسة الحصار والاغلاق ومنع الدواء والمواد الغذائية عن الفلسطينيين ومنع نقل المرضى والجرحى للمستشفيات وغير ذلك من العديد من الممارسات المخالفة للقانون الانسانى الدولى وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة جاء ذلك خلال محاضرة القيت في مركز زايد للتنسيق والمتابعة.وقال الدكتور مكى ان المناداة بضرورة ملاحقة المسئولين والضباط الاسرائيليين عما ارتكبوه من أفعال تشكل جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب كانت تتردد دائما لدى الاوساط العربية حتى قبل قيام دولة اسرائيل بسبب ما حدث ووقع من مذابح ضد الفلسطينيين وغيرهم من العرب فى دير ياسين وكفر قاسم وغيرها ولم تتوقف هذه الممارسات بل زادت بشكل ملحوظ بعد قيام دولة اسرائيل وخاصة بعد حرب 1967 عندما انكشفت نوايا اسرائيل فى التوسع الجغرافى والاستيطانى ليشمل الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان وسيناء ثم قرار ضم القدس واحتلال الجنوب اللبنانى لفترة زادت على العشرين عاما . واوضح الدكتور امين مكى أن ادانة اسرائيل على كل هذه الانتهاكات فى المحافل الدولية والاقليمية والتقارير الصادرة عن المنظمات المحلية والاقليمية والدولية وكذلك تقرير المفوض السامى لحقوق الانسان ولجنة تقصى الحقائق الدولية وجهود ومطالبات العديد من الجهات بحماية المدنيين وملاحقة ومحاسبة الاسرائيليين لم ترق الى وضع استراتيجية أو خطة واضحة أو تحديد الخطوات اللازمة للارتقاء بتلك الادانات والمطالبات الى حيز الاجراءات القانونية. ويرى الدكتور مكى أن هذه المطالبة المستمرة كانت تفتقر دائما الى اعداد الملفات والوثائق والشهود والى تحديد الاحداث بالتاريخ والمكان والزمان وتحديد الاشخاص المسئولين عن تنفيذ هذه الانتهاكات وكيفية ملاحقتهم وأماكن تواجدهم وأماكن تحريك الاجراءات القضائية ضدهم وذهبت الجهات الرسمية وغير الرسمية المختصة بتحريك هذه الاجراءات تطلق الشعارات مع كل أحداث تقع وتتخبط بين تصريحات تنادى باللجوء الى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وذلك دون ادراك ما اذا كانت هذه الجهات هى المختصة أو المعنية بنظر هذه الانتهاكات أم لا ولا حتى كيفية المثول أمام هذه الجهات بافتراض أنها صاحبة الاختصاص. وحدد فى محاضرته الآليات القانونية الدولية المختلفة اللازمة لعملية الملاحقة الجنائية لهذه الجرائم والانتهاكات وكذلك قام بشرح الولاية القضائية الدولية باعتبارها الصيغة الامثل فى مثل هذه الحالات والتعريف بهذه الولاية ومقتضياتها وكذلك كيفية اعداد ملفات القضايا والوثائق والتوصيات والارشادات الصادرة من عدة منظمات دولية وأيضا قدم بعض التوصيات اللازمة حول ما يجوز اتخاذه من خطوات أو توجيهات ارشادية فى شأن ملاحقة مرتكبى الانتهاكات من مدنيين وعسكريين اسرائيليين. وتحدث الكتور امين مكى عن تطور تدوين القانون الانسانى ضمن القانون الدولى العام عبر مراحل عديدة ابتداء باتفاقية جنيف لسنة 1864 وانتهاء بالبروتوكولين الاضافيين الصادرين فى عام 1977 والملحقين باتفاقيات جنيف الاربعة لعام 1949 ووفق المادة 53 من اتفاقية فيينا الخاصة بالمعاهدات الدولية فإن قواعد القانون الانسانى الدولى هى قواعد آمرة بمعنى أنها قواعد قانونية ملزمة لا يجوز انتهاكها أو تعديلها الا بقواعد أخرى من نفس المستوى وأن جميع الدول ملزمة بهذه القواعد بغض النظر عما اذا كانت هذه الدول لم تنضم للمعاهدات أو أبدت تحفظات عليها أو على بعض بنودها. ثم عرض المحاضر أمثلة من القضاء الدولى لمحاكمات مجرمى الحرب الذين ارتكبوا جرائم مخالفة للقانون الانسانى الدولى وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية حيث عقدت محكمتان فى «نورمبرج» وفى «طوكيو» لمحاكمة مجرمى الحرب من الالمان النازيين ومن اليابانيين وفى أغسطس عام 1945 وقع الحلفاء على النظام الاساسى لمحكمة العدل الدولية الذى حدد الجرائم المخالفة للقانون الدولى بثلاثة أنواع وهى جرائم ضد السلم وجرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية وتشمل الجرائم ضد السلم كل أعمال التخطيط والاعداد والبدء فى الحرب العدوانية وجرائم الحرب تشمل كل المخالفات لقوانين وأعراف الحرب مثل قتل المدنيين أو معاملتهم بشكل غير انسانى وقتل أو سوء معاملة الاسرى والرهائن والاستيلاء على الممتلكات العامة والخاصة وتدمير المدن والقرى أو تخريبها بدون مبرر والجرائم ضد الانسانية هى أى أفعال غير انسانية تستهدف المدنيين مثل القتل والتعذيب والابادة والابعاد والاضطهاد لاسباب سياسية أو عرقية أو دينية. وقال الدكتور امين مكى اذا نظرنا الى هذه الانواع الثلاثة من الجرائم التى حددها النظام الاساسى لمحكمة العدل الدولية نجد أنها كلها بلا استثناء تمارسها اسرائيل مع العرب والفلسطينيين فهى تخطط دائما لحروب عدوانية لا مبرر لها وتدعى دائما أنها تدافع عن نفسها رغم أن الطرف الاخر وهم العرب هم الذين دائما فى حالة دفاع عن النفس والارض كما أن اسرائيل تضرب دائما عرض الحائط بكل الاعراف والقوانين الدولية والمعاهدات الدولية الخاصة بالتعامل مع المدنيين فهى تقتل الاسرى وتعذبهم وتقتل المدنيين وتشردهم وتعتقل الالاف منهم وتمارس عمليات الابعاد على مرأى ومسمع من العالم كله وتدمر المساكن والبيوت وتجرف الزرع وتلوث مياه الشرب وتمارس الاعمال العنصرية مع الفلسطينيين ولكن كل هذه الجرائم البشعة التى تمارسها اسرائيل تحتاج كما يقول الدكتور مكى الى توثيق قانونى وملفات ووثائق وشهود ولا يكفى فيها ما تذكره وتنشره وسائل الاعلام المقروءة منها والمرئية ولا تكفى فيها الخطب والشعارات الحماسية ولا مشاهد الجنائز اليومية فالقضاء يمارس عمله بعيدا عن أرض المعركة ويحتاج من أصحاب الحق أن ينقلوا له الصورة موثقة تماما بوثائق وبراهين وأدلة قانونية. وأشار الى أن الجمعية العامة للامم المتحدة قد أقرت فى ديسمبر عام 1973 مباديء التعاون الدولى فى تعقب واعتقال وتسليم الاشخاص المدنيين المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وتنص هذه المبادى على أن تكون تلك الجرائم أيا كان المكان الذى ارتكبت فيه موضع تحقيق ويكون المتهمون بارتكابها محل بحث وتعقب وتوقيف وأيضا يكونون محل محاكمة وعقاب ان ثبتت ادانتهم كما نصت هذه المباديء أيضا على ضرورة تعاون الدول فيما بينها من أجل وقف تلك الجرائم واتخاذ التدابير اللازمة لذلك على الصعيدين الداخلى والدولى. وتحدث المحاضر عن مؤتمر الاطراف السامية الذى انعقد فى جنيف فى 15 يوليو 1999 بناء على دعوة الجمعية العامة للامم المتحدة لتلك الاطراف لعقد مؤتمر دولى للنظر فى انتهاكات اسرائيل لاتفاقية جنيف الرابعة فى الاراضى الفلسطينية المحتلة. وأشار الى أنه على الرغم من أن ذلك المؤتمر كان أول اجتماع للاطراف فى الاتفاقية خلال نصف قرن من يوم توقيعها وعلى الرغم من أن المؤتمر قد أكد على انطباق بنود اتفاقية جنيف الرابعة على الاراضى الفلسطينية المحتلة فقد فشلت الاطراف فى اتخاذ أى اجراء بسبب الضغوط السياسية بدعوى اعطاء رئيس الوزراء المنتخب انذاك «ايهود باراك» فرصة للمضى قدما فى مفاوضات السلام. وقال أنه حسب المادة 146 من اتفاقية جنيف والتى تلزم الاعضاء المتعاقدة على الاتفاقية بملاحقة المتهمين المرتكبين لانتهاكات وتقديمهم للمحاكمة فانه يمكن القول إن الاطراف المتعاقدة يحق لها أيضا انشاء محكمة أو محاكم دولية فى أى وقت وأى مكان لمحاكمة مرتكبى الانتهاكات ويرى الدكتور مكى أن هذا هو الحل الامثل لانه أفضل من المحاكم الدولية المؤقتة التى يشكلها مجلس الامن الدولى والتى تخضع دائما لحق النقض «الفيتو» من الدول الخمس الدائمة العضوية فى المجلس والتى تسعى غالبيتها دائما لحماية اسرائيل ويعطى مثالا على ذلك المؤتمر الدولى الذى عقد فى جنيف فى 15 يوليو 1999 لمناقشة جرائم اسرائيل فى الاراضى الفلسطينية المحتلة وانفض المؤتمر بعد بضعة دقائق من انعقاده دون اتخاذ أية اجراءات ضد اسرائيل وذلك بسبب النفوذ السياسى لبعض الدول العظمى وقدرتها على التأثير على باقى الدول وحتى بعد زهاء عامين من انتفاضة الاقصى ونزيف الدم فى الشعب الفلسطينى لم يخطر على بال الاطراف المتعاقدة فى الاتفاقية ضرورة عقد مؤتمر لاتخاذ الاجراءات اللازمة فى مواجهة الانتهاكات الاسرائيلية الواضحة لكافة الاتفاقيات الدولية وعلى الرغم من ذلك يظل احتمال تشكيل محكمة دولية خاصة مؤقتة بواسطة الدول الاطراف فى اتفاقية جنيف الرابعة خيارا قانونيا قائما. وتحدث الدكتور مكى عن المؤتمر الدولى الذى عقد فى جنيف فى 6 مايو 1999 والذى حضره هو شخصيا وقد بحث المؤتمر الجوانب المهمة للاختصاص الدولى لنظر قضايا الانتهاكات غير الانسانية وتناول الاجتماع الصعاب والتعقيدات التى يمكن أن تواجه ضحايا الانتهاكات وذويهم فى الاستفادة من الاختصاص الدولى للمحاكم الاجنبية فى محاكمة المسئولين عن الانتهاكات. وقد توصل المجتمعون فى المؤتمر الى عدة قرارات وتوصيات من أجل تفعيل الاختصاص الدولى ومنها ضرورة مراجعة القوانين الجنائية المحلية لمراعاة تجريمها للافعال التى يجرمها القانون الانسانى الدولى والسعى للانضمام من جانب الدول للاتفاقيات والمواثيق الدولية وضرورة التنسيق وتبادل المعلومات والخبرات بين الافراد والمنظمات وخلق شبكات اتصال بينهم وبين المحامين وضحايا الانتهاكات والجهات القضائية والجهات الاكاديمية وكل الجهات التى لديها خبرة فى ممارسات القضاء الدولى وكذلك سد الثغرات الناجمة عن عدم الخبرة والمعرفة لدى المنظمات والافراد وأيضا لدى ضحايا الانتهاكات ولدى المحامين وممثلى النيابة وذلك عن طريق التدريب وتطوير القدرات فى الاختصاص الدولى وقوانين العقوبات والاجراءات الجنائية والقانون الدولى أيضا ضرورة خلق وعى عام وسط الجماهير بهدف توعية الرأى العام بأمية وأبعاد الاختصاص الدولى واثاره الايجابية وأهمية الاعداد المهنى للقضايا وبذل الجهد اللازم واعطاء الوقت الكافى لاعداد قوائم الشهود والبيانات الوثائقية والفنية وكافة التقارير الطبية والمختبرية التى تكشف الانتهاكات ووسائل التعذيب التى تعرض لها الضحايا وأيضا أوصى المجتمعون بالنظر فى تأسيس مؤسسة دولية مركزية لتولى قضايا الاختصاص الدولى تقوم بجمع الادلة اللازمة لتوجيه الاتهامات ضد مرتكبى الانتهاكات وقضايا الحروب مع توفير الضمانات الامنية والتمويل المالى اللازم لهذه المؤسسة الدولية. وخلص الدكتور مكى فى محاضرته الى وجود خيارات مختلفة لتعقب ومحاكمة الاشخاص المتهمين بارتكاب جرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة بموجب القانون الانسانى الدولى ومن هذه الخيارات المحاكم الوطنية الموجودة داخل الدول أو المحاكمة عن طريق الدول الاطراف فى اتفاقية جنيف الرابعة أو عن طريق المحاكم الدولية الخاصة أو المؤقتة أو عن طريق الولاية القضائية الدولية.