قدم المركز الفلسطيني لحقوق الانسان تقريرا شاملا عن الاوضاع المأساوية التى خلفها الحصار الشامل الذى تفرضه قوات الاحتلال الاسرائيلية على مدينة نابلس. واستعرض التقرير الذى تلقاه مركز زايد للتنسيق والمتابعة فى مطلعه الرحلة التاريخية للمدينة. وقال فى هذا الصدد، على سلسلة المرتفعات الوسطى فى فلسطين وبين جبلى عيبال وجرزيم ربضت مدينة شكيم الكنعانية و نيبابوليس كما سماها الرومان والتى تحولت فيما بعد الى نابلس وقفت نابلس كشقيقاتها الفلسطينيات شامخة شموخ الدهر غير عابئة بكل طغاة العصر الذين جاءوا كريح خبيثة من مصدر خبيث لتلويث الزمان والمكان.واضاف التقرير من شكيم كنعان الى جبل النار ونابلس 2002 تمضى نابلس فى طريق الخلود الابدى وسيذهب شارون مخلفا رصيده الوحيد صرخات الاطفال ودموع الثكالى وحسرة الرجال لتضاف الى سجله الاسود. فى هذا التقرير السريع نعرض بعضا من صور المأساة التى نفذتها عصابات شارون الذى أفرغ كل الوان الحقد الذى لم يعرفه الا شارون وزمرته معتقدين بما كتب فى كتبهم وأسفارهم منذ زمن ليصبغوها بصبغة العصر من نوع محاربة العنف والارهاب حيث تداس الانسانية بجنازير الدبابات والصفائح الصلبة لتجرف معها كل القيم والمعايير ولتخلط أشلاء الانسان والحيوان والنبات بقطع الحديد والحجارة والتراب وليتجاوز كثيرا كل القوانين والاعراف الدولية. ويواصل التقرير حديثه عن نابلس بقوله عند التقاء دائرة عرض 32/13 شمالا وخط طول 35/16 شرقا جاء موقع مدينة نابلس فى واد يفصل بين جبلى عيبال وجرزيم وقد جعلها التكوين الطبيعى موقعا استراتيجيا لقلة الطرق الواصلة بين الشمال والجنوب الا من خلال الاودية العديدة ولعل موقعها هذا هو الذى جعلها مدينة تستعصى على كل الغزاة الذين حاولوا أن يطأوا أرض هذه المدينة فكانت نارا عليهم ومن هنا جاءت تسميتها بجبل النار. واشار التقرير الى ان الكنعانيين سموها شكيم لتتحول فيما بعد الى نابلس نسبة الى نيابوليس بمعنى المدينة الجديدة ثم تحولت الى نابلس وما زالت مستمرة الى يومنا هذا. وقال التقرير ان تاريخ نابلس جزء من التاريخ الفلسطينى تعرضت لكل الغزوات التى تعرضت لها فلسطين لتشكل مع المدن الفلسطينية الاخرى جزءا من شبكة التصدى لكل غاصب أو محتل فمن الرومان الى الصليبيين ثم العثمانيين والانجليز وأخيرا العدوان الاسرائيلى الغاشم. واضاف لقد احتفظت نابلس بسجل مشرف على صعيد النضال الوطنى عبر التاريخ خصوصا فى مقاومة الاحتلال الانجليزى والاسرائيلى قدمت خلاله قوافل الشهداء دفاعا عن مدينتهم ووطنهم. واشار الى المدينة تنقسم من الناحية العمرانية الى قسمين المدينة القديمة «حى القصبة» والتى تضم العديد من المعالم العمرانية الاثرية عبر التاريخ مثل المساجد والكنائس والاسواق المسقوفة ومن بين هذه المعالم المسجد الصلاحى الكبير وقبر يعقوب الذى بنى عليه كنيسة فى عهد الرومان تعرضت للتدمير عدة مرات ثم أعيد بناؤها والمقبرة البيزنطية والعديد من المساجد والمدينة الحديثة بمعالمها العمرانية الحديثة ذات الانشطة المتعددة. وجاء فى التقرير تعتبر نابلس ثانى أكبر مدن الضفة الغربية بعد القدس وذلك من حيث جملة الوظائف التى تتميز بها فهى مركز لنشاط اقتصادى مهم فى المنطقة إذ تشتهر المدينة بالعديد من الصناعات والتى تعتمد على المنتجات المحلية كالصابون والالبان وتنوعت فيما بعد لتشمل العديد من الصناعات لدرجة يمكن القول أن نابلس مهد الحركة الصناعية فى فلسطين بالاضافة الى الزراعة والنشاط التجارى. هذه نابلس التاريخ أما عن نابلس اليوم بحسب التقرير الفلسطينى فانها تواجه العدوان وكل أشكال الحقد الاسرائيلى وما زالت فى نفس المكان على مساحة 10.792 كيلومترات مربعة وتقوم مبانيها على مساحة 4.633 كيلومترات مربعة يسكنها 100231 نسمة حسب أحصاء عام 1997 الذى قام به الجهاز المركزى للاحصاء الفلسطينى ويتوقع أن يصل الى 121344 نسمة فى منتصف عام 2002. وبين التقرير ان نابلس تتميز بمناخ معتدل اذ يبلغ معدل الحرارة 19.1 درجة مئوية ويتوفر فيها كافة الخدمات الضرورية للسكان مثل الخدمات التعليمية حيث يوجد بها 72 مدرسة للجنسين ولجميع المراحل بالاضافة الى جامعة تضم كافة التخصصات العلمية والعديد من مراكز الابحاث والدراسات والمعاهد العلمية بالاضافة الى مكتبة عامة وملعب بلدى واحد وخمسة فنادق و ستة نوادي رياضية 9 نوادي ثقافية و 38 مسجدا و أربعة كنائس و 11 مقاما «مزار» وثلاثة معابد بالاضافة الى المرافق الخدمية الاخرى مثل الخدمات الصحية التى تضم 4 مستشفيات و224 عيادة طبية. وقال ان نابلس تعرضت كغيرها من المدن الفلسطينية الى هجمة استيطانية اسرائيلية منذ احتلال المدينة عام 67 حيث أقامت اسرائيل 48 مستوطنة على أرض المحافظة وعملت على توسعها وزيادة أعدادها بعد تولى شارون الحكم. واوضح التقرير انه منذ اندلاع انتفاضة الاقصى تعرضت نابلس كغيرها من المدن الفلسطينية للاعتداءات الاسرائيلية على كافة أشكال الحياة حيث تكبدت المدينة الخسائر الفادحة حيث فقدت المئات من أبنائها سقطوا شهداء والاف الجرحى. وعن واقع الحصار اليومى للمدينة يقول التقرير الفلسطينى أنه فى صبيحة يوم التاسع والعشرين من شهر سبتمبر عام 2000 أجبرت نابلس وبقية المدن الفلسطينية على الدخول فى مرحلة جديدة من تاريخها مرحلة بدأت فيها القوة الغاشمة تكشر عن أنيابها فى مواجهة شعب أعزل شعب عاش على هذه الارض الاف السنين فاختلط دمه وأرضه بأديمها شعب طالما حلم بالعيش فى سلام وأمان من غوائل الدهر ليبنى ويزرع ويصنع ويمارس دوره فى بناء الحضارة الانسانية. وجاء فى التقرير لقد وجد هذا الشعب نفسه يواجه اجراءات ليس هدفها الهيمنة والسطوة لان الهيمنة والسطوة سرعان ما تزولان ولكن هذه الاجراءات هدفها هذه المرة الحياة برمتها هدفها الارض والحجر البشر والشجر والطير والحيوان هدفها الوجود الفلسطينى اجراءات قائمة على وضع سياسة التدمير والتعمير تدمير كل شيء ثم تعميره ولكن بشكل جديد بعد تغيير الواقع والوقائع بعد تغيير المكان وتزوير الزمان. واكد التقرير أن هذه السياسة الاسرائيلية مارستها الحكومات الاسرائيلية على اختلاف اتجاهاتها لا فرق فالهدف واحد ولذلك أصدرت أوامرها لجيشها بقصف المدن والقرى الفلسطينية واطلاق متواصل للنيران على المواطنين الفلسطينيين فرادى وجماعات استخدمت فيها أشد أنواع الاسلحة فتكا ودمارا من رشاشات ثقيلة الى قذائف الدبابات والزوارق الحربية وقصف بالطائرات المروحية والحربية فى تناغم مستمر مع هدير الجرافات التى أزالت من أمامها كل شيء من نبات وجماد ومساكن ومنشآت والهدف اقتلاع هذا الشعب من أرضه وطمس هويته. وقال التقرير لقد تزامنت مع هذه الممارسات اجراءات أشد قسوة وفتكا اجراءات تمس كل فرد من السكان فقد فرضت قوات الاحتلال الاسرائيلى الحصار والاغلاق على المدن الفلسطينية ومن بينها نابلس حيث رابطت الدبابات والاليات الاسرائيلية حول المدن وعلى مداخلها الرئيسية وأقامت عشرات الحواجز العسكرية على طول الطرق المؤدية اليها وعملت على منع خروج المواطنين من مدنهم وقراهم واذا سمح لهم بالخروج فالحواجز العسكرية فى انتظارهم لاذلالهم بالانتظار الطويل تحت أشعة الشمس المحرقة ليسقط العديد من المرضى شهداء على هذه الحواجز حواجز الذل ليس هذا فحسب بل منعت المواد الغذائية والادوية من الدخول الى المدن ومنعت سيارات الاسعاف من التنقل لاسعاف المرضى الامر الذى عمل على شل كل أشكال الحياة فيها وبدأ الاقتصاد يتهاوى بعد أن أقفلت المصانع أبوابها وأقفلت المتاجر وخلت الاسواق من المواطنين لضعف القدرة الشرائية نتيجة تزايد نسبة البطالة والتى بلغت 60 بالمئة ووصلت فى بعض الاحيان الى 70 بالمئة. وأشار التقرير الى أنه منذ اليوم التاسع والعشرين من شهر مارس الماضى وبداية ما أسمته اسرائيل بعملية السور الواقى اجتاحت القوات الاسرائيلية المدن الفلسطينية ومن بينها نابلس وقامت بتصعيد ممارساتها بأعمال التدمير والقصف والاعتقالات وفرضت نظام حظر التجوال واحتلال المدينة بالكامل ولمدة طويلة. وقال لقد تكررت هذه الممارسات مرات عديدة كان اخرها منذ 40 يوما حيث تعرضت نابلس لهجمة شرسة فرضت فيها نظام حظر التجوال على مدار الـ 24 ساعة ولا يرفع الا لعدة ساعات كل عدة أيام وأثناءه تقوم عشرات الدبابات الاسرائيلية بالتجول داخل المدينة وتستخدمها كمواقع مهمة وتقوم بدعم الجرافات التى تدخل فى الشوارع الضيقة خصوصا فى البلدة القديمة «حى القصبة» لتدمير المنازل والمحلات التجارية وتدمير الاماكن الاثرية والتاريخية المهمة فى هذه المدينة مثل الكنائس والمساجد بحجة البحث عن مصانع للاسلحة والبحث عمن تسميهم بالارهابيين. واضاف لقد قامت القوات الاسرائيلية بتدمير كل شيء فى المدينة «شبكات المياه» شبكات الكهرباء الاتصالات التى أدت الى عزل المدينة عن العالم الخارجى وأحدثت دمارا واسعا فى البلدة القديمة لدرجة أن تجعل زائر المدينة يراها وكأنها تعرضت الى زلزال. واوضح ان هذه الممارسات تركت آثارها السلبية على المدينة شعبا وأرضا وموارد و على مجمل الامور الحياتية. واشار الى انه على صعيد الاوضاع الصحية فقدت مدينة نابلس 303 شهداء نتيجة لاطلاق الرصاص على المواطنين أو جراء القصف بالدبابات والطائرات ولم ترحم الاسلحة الاسرائيلية الاطفال أو كبار السن فمن الشهداء 31 طفلا و9 من كبار السن و36 تم اغتيالهم عمدا بالاضافة الى الشهداء هناك الاف من الجرحى معظمهم أصيب باعاقات جسدية دائمة نتيجة اصابتهم باصابات خطيرة فى الجسم. وذكر التقرير ان الحصار الاسرائيلى الخانق شل القطاع الصحى حيث تعطلت المستشفيات نتيجة عدم تمكن وصول الاطباء والجرحى الى المستشفيات وتعرض المستشفيات الى نقص حاد فى الادوية والمواد الطبية ومواد المختبرات بالاضافة الى قيام قوات الاحتلال بمنع الفرق الطبية وسيارات الاسعاف من ممارسة دورها وأعاقتها على الطرق باطلاق النار عليها أو ايقافها لمدة طويلة وبالاضافة الى نقص الادوية هناك نقص حاد فى المواد الغذائية الامر الذى أدى الى وجود أعراض مرضية خطيرة نتيجة سوء التغذية خصوصا بين الاطفال وكذلك نقص مياه الشرب نتيجة لتدمير شبكات المياه وشبكات الصرف الصحى ما يؤدى الى تلوث المياه وكذلك تراكم النفايات الصلبة الذى أدى الى تكاثر الحشرات الطائرة والزاحفة والروائح الكريهة. واكد التقرير ان كل هذه الممارسات مجتمعة تنذر بحدوث كارثة بيئية وانتشار الاوبئة والامراض فى ظل النقص المتزايد فى الادوية ومنع دخولها الى المدينة وتوجه السكان الى الاضطرار لممارسة وسائل بدائية للعلاج خصوصا لدى النساء الحوامل حيث تتم ولادتهن فى المنازل ما يهدد حياتهن وحياة الاجنة. واوضح التقرير أن نظام حظر التجول ترك تأثيره على القطاع التعليمى اذ لم يتمكن طلاب مدينة نابلس من الخروج من منازلهم الى قاعات امتحانات الثانوية العامة لاداء تلك الامتحانات الامر الذى أدى الى تأخر صدور نتائجها على مستوى الوطن الفلسطينى. وبين انه على صعيد تدمير المنازل والمنشآت فان حى القصبة «البلدة القديمة» يكاد يكون مدمرا حيث أفاد شهود عيان أنه يبدو وكأنه تعرض لزلزال وفى بقية المدينة دمرت القوات الاسرائيلية أعدادا كبيرة من منازل المواطنين من جراء القصف بالدبابات أو الطائرات أو بأعمال التفجير وفى الايام القليلة الماضية قامت قوات الاحتلال بتدمير 40 منزلا والتهديد بتدمير أعداد كبيرة أخرى الامر الذى يجعل عشرات الاسر تعيش مشردة بلا مأوى ناهيك عن تدمير العديد من المنشآت كالمصانع والمبانى الحكومية والاهلية وقد واصلت القوات الاسرائيلية أعمال التجريف وقلع الاشجار. كما واصلت قوات الاحتلال أعمال المداهمات لمنازل المواطنين بحجة البحث عن الاسلحة والبحث عن المطلوبين وقامت باعتقال المئات من المواطنين. وقال فى سابقة خطيرة فقد أقرت الحكومة الاسرائيلية نفي أقارب وأسر من قاموا بتنفيذ عمليات استشهادية الى خارج مدينة نابلس وتدمير منازلهم وهذا يعنى أن 30 أسرة مهددة بالابعاد وتدمير منازلها. وبين التقرير ان قوات الاحتلال الاسرائيلى لم تتوان عن التعرض لرجال الصحافة والاعلام باطلاق الرصاص عليهم ومنعهم من دخول المدينة وتدمير معداتهم وكاميراتهم كما أنها تتعرض الى الوفود الشعبية والدولية وأعضاء المنظمات العالمية التى تأتى للتضامن مع شعبنا الفلسطينى.