تواجه دولة الامارات العربية المتحدة شأنها شأن سائر دول العالم مشكلة ارتفاع تكاليف الخدمات الصحية وبشكل متسارع، حيث بلغت ميزانية وزارة الصحة في العام الماضي نحو 1.8 مليار درهم، وعلى الرغم من هذه الميزانية الضخمة التي تنفق على الخدمات الصحية سنويا الا أنه من الملاحظ أن هناك خللاً في التوازن بين الموارد والتكاليف نتيجة التوسع في الخدمات الصحية وتزايد حجم الطلب عليها مع الارتفاع المتواصل في تكاليفها. واستلزم هذا الامر التفكير جديدا في ايجاد بديل ملائم وطريقة مناسبة تسهم في الحفاظ على المكتسبات الصحية بالدولة وتطوير ودعم الخدمات الصحية بما يكفل للمريض تلقي هذه الخدمات بصورة جيدة وباسعار ملائمة. ووافق مجلس الوزراء مؤخراً على المذكرة التي تقدمت بها وزارة الصحة من خلال وزارة العدل بشأن البدء بتطبيق نظام التأمين الصحي في الدولة على جميع المواطنين والمقيمين بهدف التحكم في الارتفاع المتواصل لتكاليف الخدمات الصحية والعلاجية المقدمة وكذلك الارتقاء بمستوى الخدمة ورفع جودتها بما يواكب التطور العلمي الحديث اذ أن عبء تكاليف الخدمات الصحية المتزايد لا يمكن اية دولة من الاستمرار بتقديم الخدمات الطبية بالمستوى المطلوب والا ستكون النتيجة تراجع مستوى تلك الخدمات. وهناك اكثر من 155 دولة في العالم تطبق نظام التأمين الصحي من بينها 50 دولة نامية نجح في العديد من الدول وفشل في بعضها ويمكن للقائمين على مشروع نظام التأمين الصحي في دولة الامارات الاستهداء بالنظم المعمول بها في تلك الدولة واستخلاص نموذج يحقق متطلبات كافة الاطراف المعنية في نظام التأمين الصحي. ومن خلال هذا التحقيق الذي نستطلع فيه اراء خبراء التأمين الصحي والاطباء نستعرض بعض النقاط الهامة التي يجب أن توضع في الاعتبار عند اقرار مشروع نظام الصحة في الدولة. تزايد الاعباء في البداية يؤكد خبير التأمين الصحي الدكتور سمير غويبة أن مشاكل الرعاية الصحية في معظم دول العالم وخاصة في الدول النامية تتميز في عدم قدرة العلاج المجاني الذي تتكفل به الدولة على الوفاء باحتياجات المواطنين الصحية لسبب هام وهو اختلال التوازن بين عدد السكان وبين الامكانات العلاجية المتاحة لهم، فالزيادة في اسرة المستشفيات لا تتم بنفس نسبة زيادة السكان وعلى سبيل المثال.. فإن عدد سكان دولة الامارات قد تضاعف خمس مرات في خمس وعشرين سنة فقط، مما شكل عبئا يتطلب امكانيات مادية وبشرية وقادرة على مواجهة ضغط الطلب عليها خاصة مع الارتفاع المستمر في تكلفة العلاج الخاص. بالاضافة الى أن الواقع يؤيد عدم قدرة الكثير من المرضى على تحمل الاعباء المترتبة على المرض نتيجة انخفاض متوسط الدخل والارتفاع المستمر في اسعار العلاج في المستشفيات الخاصة. ويكفي أن نتذكر ما يمكن أن يفعله مرض الفشل الكلوي، على سبيل المثال، بأي مواطن او مقيم محدود الدخل مهما كانت وظيفته او مركزه الاجتماعي، والنداءات الانسانية التي تناشد اصحاب الخير لنجدة المرضى وتغطية علاجهم على صفحات الصحف اليومية تؤيد هذه الحقيقة. ويضيف بأن فلسفة التأمين الصحي تتلخص في مبدأ واضح وهو تأمين المواطن والمقيم ضد مخاطر المرض والاثار المترتبة عليه، ويتبلور هذا المبدأ في ثلاثة اهداف، اولها: شمول المواطنين برعاية صحية تجمع العلاج باجر من حيث مستوى الخدمة وبين حق المريض في خدمة طبية غير مشروطة بقدرته المادية، وثانيها: تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الاشخاص المؤمن عليهم سواء في الحصول على حق الرعاية الصحية التأمينية بسهولة ويسر او في مستوى هذه الرعاية واخرها: العمل على تطوير اساليب الرعاية الصحية واضافة امكانيات علاجية جديدة. ويعرف الدكتور غويبة التأمين الصحي بانه وسيلة اجتماعية واقتصادية لتجميع مدفوعات الافراد والجماعات على شكل اقساط والمقابلة والخسائر المحتملة الوقوع في حالة المرض عن طريق نقل مسئولية هذه الخسائر المحتملة الوقوع في حالة المرض الى هيئة او منظمة او شركة تأمين. ويشير الى أن الاتفاقيات الدولية وبرامج الرعاية الطبية في مختلف الدول تحدد الاخطار التي يتعين على التأمين الصحي مواجهتها وهي تتلخص في العلاج الطبي بمستوياته المختلفة وانواعه المتعددة والمعونات النقدية لتعويض الاجر المفقود خلال فترة المرض وتعويض العجز والوفاة الناشئة عن حالات مرضية اضافة الى حماية الامومة والطفولة. التأمين الاختياري والاجباري ويقول الدكتور سمير غويبه أن هناك نوعين من التأمين الصحي، وهما التأمين الصحي التجاري او الاختياري والتأمين الصحي الاجتماعي او الاجباري، وينتشر النوع الاول في العديد من دول اوروبا وأميركا وكندا من خلال ما تعرضه بعض المستشفيات وعيادات الاطباء من نظم تأمينية خاصة في محاولة لجذب عملاء يتعاملون معها، او من خلال ما تقدمه شركات التأمين التجارية من وثائق تأمينية تدرأ خطر المرض «كله او بعضه» عن المؤمن عليه، وهذا النوع مبني على اسس تجارية بحتة ولا يستهدف الا تحقيق الربح المادي بصرف النظر عن الناحية الاخلاقية او الانسانية بحيث يتم توقيع الكشف الطبي الدقيق على راغبي التأمين ضد المرض واثبات لياقتهم الصحية وتحديد انواع الامراض التي يؤمنون ضدها، وبالتالي تختلف اقساط التأمين تبعا لحجم ونوعية المرض وعمر المريض. اما النوع الثاني وهو التأمين الصحي الاجتماعي «الاختياري» وهو نظام نشأ للقضاء على سلبيات صور التأمين الخاص وهو الزامي يفرضه المجتمع لحماية افراده جميعا وليس متروكا لرغباتهم كما انه لا يستهدف ربحا، وانما تتولى الدولة رعايته وتقديم خدمات مستحقة للافراد، وهو لا يوفر علاجا وتعويضات فقط وانما يضيف للمجتمع امكانيات علاجية جديدة ورعاية مستمرة بما يتناسب واحتياجات المواطنين. التأمين الاجتماعي واخيرا يؤكد خبير التأمين الصحي الدكتور سمير غويبه أن نظام التأمين الصحي الاجتماعي يعتبر من افضل الانظمة لمواجهة خطر المرض لانه يمكن أن يطبق تدريجيا حتى يشمل جميع افراد المجتمع ويعمل على توفير امكانيات العلاج طبقا لمعدلات اداء فنية يصنفها خبراء متخصصون من واقع الصحية للمجتمع، بالاضافة الى مواجهته بشكل مباشر للارتفاع المضطر في تكاليف العلاج واعبائه المتزايدة التي ترهق كاهل اي مواطن مهما ارتفع المستوى المعيشي لأن الارتفاع المناظر في تكاليف الرعاية الطبية يتم بنسب اعلى في اغلب الاحوال. تساؤلات حول التأمين ويرى الدكتور عماد حمودة أن التأمين الطبي اليوم اصبح الشغل الشاغل لمعظم دول العالم النامي بعدما فرض عليها من قبل منظمة التجارة الدولية او صندوق النقد الدولي والبنك الدولي خصخصة بعض القطاعات العامة خاصة الصحة، وقد علل المشجعون لهذا التوجه بأن اللجوء الى التأمين الصحي سيرفع العبء المالي والاداري عن كاهل الدولة في هذا المجال وهو عبء ليس بالسهل ابدا.. ولكن يبقى السؤال المطروح هنا من الواقفين على الطرف الاخر والمتخوفين من هذا التحول، فيما اذا كان التأمين الطبي يعتبر افضل وسيلة لتحسين المستوى الصحي؟ وهل سيؤدي التأمين الطبي الى رفع مستوى الخدمات الطبية المقدمة؟ وهل سيقوم التأمين بتأمين التغطية التمويلية اللازمة لكل الخدمات الطبية؟ كما أن البعض يتساءل: الا يعتبر التأمين نوعا من التصنيف الطبقي لانه قائم على القوة الشرائية للافراد؟ بمعنى أن كل الافراد الذين يمتلكون عملا او وظيفة يمكن لهم أن يدخروا قسما من المال لدفع الاقساط الشهرية لشركات التأمين، ولكن ماذا عن الاطفال؟ وكبار السن والطلاب واصحاب الحاجات الخاصة.. والفقراء والمساكين وغير القادرين على الدفع. من سيتكفل بهم، وكيف ستغطي دفعات التأمين الصحي؟ وايضا ماذا عن الامراض التي تحتاج الى مبالغ هائلة وفترات علاجية طويلة وتأهيل طبي طويل كالايدز والسل والملاريا والسرطان وزرع الاعضاء ومرض غسيل الكلي وغيرها.. من سيغطي نفقات تأمينها الطبي ونفقات العلاج؟! ويضيف الدكتور عماد حمودة، بأن الرعاية الصحية غالبا ما تشمل تداخل مصالح اطراف ثلاثة وهي الطبيب، المريض، والجهة الممولة وهذا يجعل موضوع الرعاية الصحية المثالية وتغطية نفقاتها امرا ليس بالسهل بسبب وجود المتغيرات المنفعية العديدة لكل طرف من الاطراف الثلاثة. فالمعالج او الطرف الذي يقدم الخدمة الطبية قد يكون طبيباً معالجاً في عيادة خاصة به تتعاقد معه شركة التأمين للاستفادة من تخصصه او يكون مركزاً طبياً يضم اطباء ومعالجين صحيين متخصصين وتتعاقد معهم شركات التأمين على تقديم خدماتهم لعملائها او يكون مستشفيات خاصة او عامة، وكما ترى فإن الخيارات الكثيرة والمتغايرات التشخيصية والعلاجية المتوفرة بين ايدي المريض تجعله يبحث في حالة المرض عن افضل الاماكن التي تقدم له او من يرعاهم افضل عناية، لكن هذا الشيء بوجود شركات التأمين يفقد المريض هذه الميزة ويصبح مضطرا الى التعامل مع الجهات التي تختارها له شركات التأمين، وبالتالي فقدان الحرية لاختيار الطرف المعالج وهي احدى نقاط الضعف في التأمين الطبي. اما الطرف الثاني وهو المريض فاما أن يكون طفلا او كهلا، ذكرا او انثى، والانثى قد تكون حاملا او قد يكون المريض مريضا بمرض مزمن يتطلب عناية طبية مستمرة او مريضاً بمرض حاد يتطلب عناية طبية قصيرة ولكن شاملة وسريعة، وقد يكون سليما بدنيا وعقليا او عنده اعاقة في احداهما او كليهما وقد يكون عاملا منتجا او عاطلا عن العمل.. الى غير ذلك من المتغيرات التي تجعل التأمين الطبي المقولب بقالب واحد «ما يسمى.. بحجم واحد يناسب الجميع!!» أن يرضي رغبات الجميع امرا مستحيلا وهذا من احدى نقاط الضعف في التأمين الطبي. شركات التأمين ويتحدث الدكتور حموده عن الطريق الثالث في مثلث التأمين الصحي وهو شركة التأمين ويقول ان شركات التأمين وأن كان بعض الباحثين يرى انها ظاهرة ايجابية، اذ انها تلعب دور المراقب والموجه للممارسين الاطباء او العاملين في الحقل الطبي عامة، اي انها تمثل المريض والطبيب معا، الا أن ما حدث أن شركات التأمين احدثت خللا في اهم نقطة يرتكز عليها الطب وهي العلاقة الانسانية الاخلاقية ما بين الطبيب والمريض، اذ نلاحظ هذه الايام أن تدخل شركات التأمين في قرارات الطبيب، ودفع الطبيب المعالج الى أن يتبع سبيلا معيناً بدلا من سبيل اخر، قد اخل بالعلاقة، ومن الناحية الثانية فإن اجبار المريض ان يختار طبيبا بعينه قد حد من الخيارات التي يمكن أن يختارها المريض. ويضع الدكتور حمودة مجموعة من النقاط المهمة التي ينبغي وضعها في الاعتبار عند بحث موضوع التأمين الصحي وهي تتلخص في ضرورة وجود جهة منظمة ومشرفة على حماية حقوق المريض، وتشرف على وضع الأطر المناسبة لموازنة المصالح بين المريض والجهة المعالجة والجهة الممولة، وضرورة القيام بعملية نوعية صحية كاملة حول ما يمكن أن يتوقعه المريض خلال المرض وتعريفه بالامكانات المتاحة وغير المتاحة، كما ينبغي في الوقت الذي يباشر فيه العمل بالتأمين الصحي يجب العمل على تطوير برامج للوقاية والنوعية الصحية المبنية على نشر مبدأ الوقاية والوعي الصحي وكذلك دراسة كيفية تغطية التأمين للفئات غير القادرة على الدفع، واعادة التفكير بموضوع التكافل الاجتماعي ومساهمة الحكومة في تشجيع الجمعيات التكافلية. وهناك نقطة اخيرة وهي انه قبل تطبيق اي نظام صحي خاص بدولة من الدول يفضل، النظر الى العوامل البيئية والثقافية والاجتماعية والدينية والديمغرافية لهذه الدولة لأن الصحة نجاحها او فشلها يمثل في الحقيقة المحصلة النهائية لتباينات ومفارقات او اشتراك والتحام هذه العوامل. الاستخدام الامثل للموارد ويرى الدكتور بادي الاتاسي استشاري الاطفال في مستشفى النور بأبوظبي والذي درس نظام التأمين الكندي أن التأمين الصحي يسهم عند تطبيقه في حل مشكلة سوء استخدام الموارد الناتج عند تقديم الخدمة مجانا حيث لا يشعر المراجع بقيمة تلك الخدمة ومقدمي الخدمة وخاصة الاطباء، كما انه يشترط وجود دور لأطباء الرعاية الصحية الاولية الذين سيكون دورهم في هذه المنظومة التأكيد من أن المريض لا يحول الى الاستشاري الا عند الضرورة وبالتالي فسيؤدي الى تخفيض الصرف الناتج عن سوء استخدام موارد المستشفيات والعمل على الاستخدام الامثل لموارد وامكانات الرعاية الطبية الاولية. حيث تظهر الدراسات أن ما يقارب 80% من الامراض يمكن أن يعالجها الطبيب العام ويبقى 20% تحتاج الطبيب الاستشاري او الاخصائي بالمستشفيات. ويضيف الدكتور الاتاسي ميزة اخرى للنظام التأميني الصحي وهي انه يسهم في رفع مستوى الجودة في الخدمات الصحية المقدمة، لان هيئة التأمين او شركات التأمين لن تتعامل مع المستشفيات ذات المستوى الجيد كما انه قد تكون هنالك حرية للمريض لاختيار اكثر من مستشفى وبالتالي فإن المستشفيات ذات الجودة المتدنية لن تجد من يقصدها من شركات التأمين او من المرضى انفسهم.ويؤكد ان اكبر مشكلة تواجه البلدان التي تطبق انظمة التأمين الصحي المختلفة هي شركات التأمين التي تسعى الى الربح المادي بحيث تخفي جوانب مهمة في عقود التعاقد مع راغبي التأمين وهذا الامر يمكن تلاشيه بانشاء هيئة رقابية حكومية تعمل على توجيه هذه الشركات ومراقبتها.