ـ الحكام الميدانيون، والأشخاص ذوو الطبيعة الميدانية صعب أن تلتقيهم في مكاتبهم، صعب أن تحاورهم في مكان ثابت، وصعب أيضا ألا تكون ميدانيا مثلهم لأنك لن تلتقيهم أبدا. والفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع من هذه الشخصيات الميدانية المطبوعة بالحركة الدائمة وبالحضور الذهني من خلالها، لذلك كان هذا الحوار معه مختلفا في الشكل وفي الأفكار، وفي المضمون. في اليوم الثاني على وصولي دبي، وابلاغي عن حضوري، أبلغني الأخ محمد عبدالله القرقاوي، رئيس هيئة الاستثمار في حكومة دبي، اننا سنكون، بعد عشر دقائق، في المنزل الصيفي للشيخ محمد. وبالفعل، وما ان وصلنا المنزل، حتى تغيرت أشكالنا الرصينة، ودخلنا في طبيعة رياضية لم نكن في الأساس نتوقعها. لقد ارتدينا السترات البحرية، وأطواق النجاة، وامتطينا الدراجات المائية (جت سكي) وانطلقنا في أعماق البحر إلى واحدة من الجزر الاصطناعية التي تم انشاؤها خصيصا لتكون كاسرة أمواج تحمي مشروع النخلة الكبير في منطقة الجميرا. في الجزيرة الاصطناعية بدأنا رياضة المشي بمحاذاة مياه البحر وأمواجه، ولم ندر إلا ونحن قد قطعنا ما يقارب خمسة كيلومترات، أمضيناها في الحوار مع الشيخ محمد الذي انطلق في الاجابة الصريحة على اسئلتنا، يرفقها دائما بالابتسام، وأحيانا بشرود الفكر، والتأمل. واكتشفنا، في هذا الجو، ان الأحاديث الصحافية مع الحكام الميدانيين لا يمكن أن تتوافر إلا من خلال الحركة، إذ ان الحديث مع الشيخ محمد بدأ أثناء المشي، واكتمل في مياه البحر. ونلفت هنا إلى ان أنجال الشيخ محمد راشد، وحمدان، ومكتوم ومحمد القرقاوي، وباقي المجموعة العاملة المرافقة، كانوا يتابعون الحوار بأذهان مفتوحة، ويبدو ان الشيخ محمد أراد لهم ذلك بقصد المتابعة، والتعرف على الأفكار. أثناء المشي السريع، وفي مياه البحر باشرنا الحوار بالسؤال الأول: ** سمو الشيخ محمد.. قل لي متى تتعب، وهل بدأ الارهاق ينال منك بعد أن أقمت وحققت هذه المعجزة الاقتصادية وهل مازلت في صحة جيدة؟ ـ ابتسم للسؤال وقال: دعني أروي لك هذه القصة.. في مرحلة سابقة من العمر أردت أن أتمتع بوقتي، وطلبت من مكاتبي أن تلغي مواعيدي من يوم الأربعاء حتى يوم السبت ولكن، بعد فترة وجدت ان الاعمال بدأت تزداد، وان الوقت لم يعد يسعفنا لتلبية مسئولياتها، اضافة إلى ذلك فقد وجدت أن هناك من يعملون أيام الخميس والجمعة، وخصوصا الزوار الذين يأتوننا من الخارج لقضاء الأعمال، لذلك ألغيت هذا الحظر على الأيام، وبدأت أعمل طيلة أيام الاسبوع، وعندما أجد أن هناك متسعا من الوقت، أو فرصة من الوقت ممكن أن أصرفها لنفسي، آخذ المتسع والفرصة وأمارس فيهما خصوصياتي. تسألني عن الصحة فأقول اني لائق صحيا والحمد لله، ويساعدني على اكتساب هذه اللياقة ممارسة الرياضة بكل أنواعها ومنها الفروسية بالطبع، انني مستمتع بعملي، ومرتاح له، وما أجمل الراحة التي يوفرها لك النمو والنجاح. ** كل هذا العمل الباهر تبذله من أجل دبي، وترهق كثيرا بسببه، فهل المردود هو خدمة مصلحة شخصية، أو عامة، أم ماذا؟ ـ انني أقوم بهذا العمل من أجل الوصول إلى مرحلة يتحقق فيها الأمن الاجتماعي.. أريد لكل الناس في هذا الوطن أن يكونوا مفيدين ومستفيدين، هنا يكون الأمن سائدا، إذ يصبح الجميع بخير، وهو خير أريده خيرا عربيا أيضا، وليس خيرا تختص به دبي أو دولة الامارات، وأحمد الله اننا حققنا الأمن في بلادنا، فنحن كحكام في هذه البلاد نقود سياراتنا بأنفسنا أحيانا، ولسنا بحاجة إلى حراسات مكثفة ومرافقة، والمواطن عندنا صديق رجال الأمن، لقد وصلنا إلى هذه المرحلة بالفعل، فالكل عندنا أصبح يخاف على بلده، والكل عيونه مفتوحة على أي أضرار قد يصدرها إلينا الآخرون. ** أنت تكبر، ودبي تكبر معك بمشاريعها، ألا تتوقع أن تكون معرضا لمطامع دول أخرى، أو لتيارات وتوجهات أخرى؟ ـ أردنا لدبي أن تكون أنموذجا يحتذى به في العالم العربي، بل وسنكون من أسعد السعداء حين تكون مشاريعنا عربية، أو مشاريع للاقليم كله، ولا أتوقع أن يكافأ من لديهم هذه الرؤية المستقبلية الشفافة بالمطامع، أو بنوايا الاضرار، أنا لا أتوقع أي عمل ضار ضدنا، وان كنت في زمن مضى تلقيت بعض النصائح، محلية وخارجية، تلاحظ علينا أننا مندفعون في طموحاتنا، وان مشاريعنا قد تتعرض للانتكاس، لكن هذه التوقعات لم تكن صائبة، فهذه دبي أصبحت الآن حديث المنطقة، وحديث الحاضر والغائب، ومن يأت إليها مرة يعد إليها، بل ويحب أن يعيش فيها، هناك من ظن اننا قد نكون ظاهرة وقتية طارئة، وها قد مضت على تجربتنا ثلاثون سنة، فكيف تكون التجربة وقتية وطارئة؟ أنت اليوم تعايش بعض المشاريع، وقد أخذت طريقها في قنوات العمل والتنفيذ، وهي مشاريع كبيرة وطموحة، وأقول لك ان هناك مشاريع أخرى طموحة غيرها تأخذ وقتها معنا قبيل وضعها على سكة التنفيذ، عدد المشاريع القادمة يصل إلى 15 مشروعا ضخما، وربما كانت أضخم من بعض المشاريع التي تحققت أو هي في طور التنفيذ. دبي اليوم معلم دولي، وكم أنا سعيد ببلوغها هذه المكانة. المؤتمر المقبل للبنك الدولي في سنة 2003 سينعقد في دبي، وستكون دبي أول دولة عربية تستضيف لقاءاته، التي كانت تعقد في عواصم الدول الكبرى فقط، أو في عواصم مجهزة بمراكز مؤتمرات ضخمة. الذين سيحضرون لقاء هذا البنك تتراوح أعدادهم ما بين 15 إلى 20 ألف مندوب، ناهيك عن المؤتمرات الدولية الأخرى التي تنعقد في بلدنا، والمعارض التي تقام فيه، نحن الآن، في وضع طبيعي، نستقبل ثلاثة ملايين سائح في السنة، وربما أكثر، وجل هؤلاء السياح قادمون إلينا من بلاد كنا نقصدها لسياحتنا، وأقول لك أكثر.. فبعد أحداث 11 سبتمبر في أميركا كانت حركة النمو السياحي عندنا أكثر من المعتاد، نحن لم نتأثر بما حدث في نيويورك وواشنطن، فقبل مدة طرحنا مشروع «النخلة» على الاستثمار المحلي والأجنبي، بما يحتويه من فيللات مبنية وأراض، فتم بيعه كله خلال 72 ساعة وبأموال محلية وخليجية وخارجية. ** فن الإدارة يعتمد على اختيار المساعدين كما يقول لنا العلم الإداري، أنت كيف تختار مساعديك؟ ـ ضحك للسؤال، والتفت إلى محمد القرقاوي، وتذكر كيف اختار هذا الشاب وأمثاله وقال: عندي متابعتي الخاصة، ولي طريقتي فيها، تبدأ المتابعة عندي للوظائف التي تلي الوظائف المتقدمة، ولمن يشغلها، ولدي طريقة في فرزهم، ولهذا ترى ان كل الشباب الذين هم في الواجهة قد تم اختيارهم بدقة. عندما بدأنا العمل في تكوين «ظاهرة دبي» أو «معجزة دبي» اعتمدنا على العنصر البشري قبل غيره، عندما كنا نفكر في مشروع، أو نتداول في فكرة ما، أول ما نقوم به هو البحث عن العنصر البشري اللازم له. ان كل هذه المشاريع التي تراها، وكلفتها بالمليارات، سواء ما اختص منها بالاسكان، أو بالصناعة، أو بالتجارة، أو بالسياحة، ابتدأت باستثمار العنصر البشري، وهو العنصر الأهم عندي، ثم ان هذه المشاريع مولت نفسها بنفسها، ولم تلجأ إلى موازنة حكومة دبي أو الموازنة الاتحادية، وما خدمها هو سرعة القرار، خذ مدينة الاعلام ـ مثلا ـ لقد هيأنا رسوماتها، وأموالها، وسألت المسئول محمد القرقاوي لماذا لا تبدأون التنفيذ وعندكم كل شيء، فوجدته متخوفا بعض الشيء وقال: دعنا قبل أن نبدأ ببناء مدينة الاعلام نعرضها على الشركات الكبرى الدولية والالكترونية، للحصول منها على عقود مسبقة، هذا التخوف لم يعجبني، فقلت له: ابدأ بالبناء غدا، فعندما يرى الناس شيئا يقوم على الأرض سيأتونك، لكنهم لن يأتوك وأنت تعرض عليهم شيئا موجودا في الخيال، وبالفعل أنجزنا تعمير المدينة، ولم يبق منها إلا مرحلة بناء أخيرة، وكل الشركات الكبرى موجودة الآن فيها، واستطاع المشروع أن يغطي تكاليفه، إذا لم ير الناس شيئا قائما على الأرض فلا يمكنك أن تسوق أي شيء.. وهذه كانت فكرتي. ** هل ترى ان جهازك الرسمي يلبي سرعة طموحاتك، أم انه قاصر عنها وأبطأ منها؟ ـ لدى الجهاز الآن احساس بأنه مراقب من قبلي، وان أي تكاسل في أدائه سيكون تحت نظري، وعندما نريد أن نحقق ما نسعى اليه أشرك الجهاز معي في الفكرة فنحن نريد الاسراع في اقامة العدل الاجتماعي، وهذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إذا كانت القيادة تريد شيئا، وجهاز التنفيذ متردداً، خائفاً، وبطيئاً، على الاثنين أن يكونا على خط متواز لتحقيق ما نريده لهذه البلاد ولأهلها، وأعطيك مثلا: عندما جئنا بمشروع مشاركة هؤلاء الناس في ثروة البلاد أو في استثماراتها، وعندما تقدم لي مسئول بمشروع «النخلة» سألته كم في نظرك بامكاننا أن نبيع القدم قال «علشان نستفيد من المشروع علينا أن نبيع القدم بـ 240 درهما»، وكان قراري هو ان نبيعه بـ 100 درهم، فأنا أردت أن يكون هناك هامش ربحي للناس، وقد تحقق ذلك، ففي 72 ساعة فقط بيع المشروع لأناس محليين، والذين اشتروا منهم بعمليات تمويلية لديهم مهلة تسديد تصل الى 25 سنة، بعد أن تم البيع وجدت أن الذين اشتروا جاء من يعرض عليهم أرباحا تصل الى 25% ليحلوا مكانهم، عندما قلت لك سابقا بأن ما نريده لدبي هو اقامة العدل الاجتماعي، فهذا ما قصدته، من أجل أن يتحول كل مواطن إلى خفير يبعد عن بلده شرور الآخرين ويحميه، لك أن تتصور الآن ان المواطن بدأ يشعر انه يعيش في بلد مهيأ له فيه فرص العمل، والاستفادة، والربحية، والاستثمار الآمن، والادارة البعيدة عن الروتين.. لك أن تتصور كم ستكون هذه البلاد عزيزة على هذا المواطن، وأمنها عزيز عليه، وكذلك استقرارها. ** سمو الشيخ محمد... قل لي من أنت، هل أنت رجل سياسي، أو اقتصادي، وأين ترى شعبيتك؟ ـ أنا أميل إلى الاقتصاد، وأحب أن أرى أمامي انجازات حلوة، ونجاحات حلوة، وكما قلت لك لا تتوقف طموحاتنا عند حدود بلدنا، نحن نريد أن نكون أنموذجا للعالم العربي، ولدول الاقليم، لقد سوقنا فرصاً كثيرة واعتنينا بالبشر، واجد راحتي هنا في هذا المجال، على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي فأنا ولي عهد دبي ووزير دفاع دولة الامارات، وضعي هنا سياسي، ولكنني رجل سياسة شفاف، والرؤية عندي مزعجة لكثرة وضوحها، واذكر هنا اني عندما تكلمت عن وضعكم مع العراق ظننتم انه لم يكن من الضروري ان اقول ما قلت، ولكن ما قلته وشعرت به اعتبرته من صالحنا نحن العرب وكأمة عربية، الكويت عندي في بؤبؤ العين والقلب والخاطر، وعندما تتعرض للغبن من احد فانا معها ولا اكون ضدها، رؤيتي السياسية قد تكون شفافة بعض الشيء، وارى انه بمرور بعض الوقت سنرى جميعاً ان ما قلناه بشكل مبكر نشهده الان او سنشهده غداً. ** حدثتني عن دبي كأنموذج عربي هل توضح لنا هذه العبارة؟ ـ عندما قلت ذلك فأنا اتمنى ان تعم «ظاهرة دبي» كل دول الخليج، السوق كبير ويتحمل، ويمكن ان تكون المشاريع فيه مشتركة، لقد بدأ «طيران الامارات» بـ 12 او 14 مليون دولار.. اليوم قيمة «طيران الامارات» وصلت الى البلايين، اقتحم اسواقاً كثيرة، وتواجد في اماكن نائية، فما الذي يمنع ان يكون طيران الامارات طيرانا لدول مجلس التعاون كلها، او للدول العربية كلها، فيكبر اكثر، ويمتلك اسطولاً ضخماً وتصبح شروطنا ونحن نشتري الطائرات افضل، وكذلك شروطنا لتصنيعها وتوطينها، اذا حققنا ذلك، اي ان تصبح لنا شركة طيران واحدة، يصبح بامكاننا ترك عمليات النقل الجوي على الخطوط الداخلية، لشركات يملكها القطاع الخاص، نفتح لها السماء. ارباح «طيران الامارات» العام الماضي بلغت 680 مليون درهم، بينما الطيران البريطاني خسر ما يزيد على بليون جنيه استرليني، ان بامكاننا، عندما نقول ان مشاريع دبي عربية، ان نجعل من دبي نقطة انطلاق لهذا الحلم الواقعي. ** سمو الشيخ محمد... ماهي رؤيتك والى أي مدى تريد أن تصل؟ ـ انا شخصياً لا اؤمن بالخطط طويلة المدى، واعتقد ان الشعوب لا تستطيع الانتظار في مدى الخطط طويلة الاجل، ما ينفذ في عشرين سنة اريده ان ينفذ في خمس سنوات، لن ارهق من كثرة الضغط، ضغط العمل، وسيعزيني استمتاع الناس بالمشاريع، وأسأل نفسي دائماً بعض قادتنا في العالم العربي يطلبون الراحة في «كان» او في منتجعات اميركا، نحن نريدهم ان يقولوا: نريد ان نرتاح في دبي، وانا اعمل من اجل ان يقولوا هذه الكلمة، لقد اصبحت لدينا كل التسهيلات، ومظاهر العز والفخامة، ولدينا شواطيء جميلة، فلماذا اذهب الى بعيد كطائر غريب؟ اريد ان اصل الى هدف يجعل كل مواطن يسوح في بلده، والآخرون يأتون للسياحة عندي ويتلقون الراحة عندي، وكما كنت اذهب الى السياحة في بلدانهم سابقاً، وأجد الراحة عندهم، ووسائلها، اريدهم ان يأتوا الي بعد ان توافرت عندي كل هذه الوسائل، طموحي ان تكون دبي ملتقى لأهلها ولغيرهم، وحتى يجد القادة انها المنتجع المفضل لهم. أعود وأقول لك، ونحن مازلنا في مجال الرد على سؤال حول مشاريع دبي،وانها مشاريع عربية، انه في الشأن البشري هناك مبدع وهناك من يتبع المبدع، واذا استطعنا نحن أن نبدع فلا بد أن يكون هناك تابعون، واقصد بهم كل الجهاز البشري في دبي، وهذا ما قصدنا اليه عندما قلنا اننا نريد دبي مثلاً يحتذى به، ويستفيد الاخرون مما طبق فيها ليطبقوه عندهم، ونحن بالمناسبة لن نعتبرهم منافسين، بل اناساً ارادوا توطين تجربتنا عندهم. ** سمو الشيخ محمد.. دعني اسألك الآن لماذا اطراؤك الدائم ينصب على سمو الشيخ زايد رئيس الدولة.. حتى قصائدك نراها كلها محصورة في هذا الجانب؟ ـ صحيح.. فهذا الرجل «الشيخ زايد» نقي السريرة، صافي العروبة، شفاف، واصيل، ورجل عند كلمته، اذا قال فعل، واذا استجار به احد اجاره، رجل قائد أجله لصفاته، واحترم كل افعاله، وهي افعال قائد نقي السريرة. ** ونحن نتحدث عن الشيخ زايد هل ترى ان هيكل دولة الامارات الوحدوي ممكن ان يتعرض للاختلال في المستقبل؟ ـ هذا هو التوقع الوحيد غير الممكن، هذا اتحاد صنعه الشيخ راشد «رحمه الله» والشيخ زايد اطال الله في عمره، وهما يجلسان تحت تلك الخيمة التي اقيمت لاعلان هذا الحدث الكبير، ومنذ لقاء الرجلين قام هيكل دولة الامارات، الذي ستظل اعمدته راسخة وقوية كالرواسي، ليس هناك ما يمكن ان يكدر صفو الاتحاد، ولا يجب ان تصغي لأي كلام آخر، فهذا الاتحاد يقوى على مر الايام ويقوى ويستمر ويستمر، اليوم تجذر الاتحاد في داخلنا، وصعب ان يتحدث احد عن خلل قد يصيبه، مواطن دولة الامارات يشعر الآن بعز التلاحم والوحدة، ودولة الامارات مفيدة باتحادها لنفسها، ولعالمها العربي، ولعلاقات دولية كثيرة، لذلك انطلق الاتحاد من اليوم التاريخي الاول لاعلانه، وبناؤه ارتفع اما رؤيتي لمستقبل الدولة فنقول انها ستكون مركزاً للابداع في قضايا كثيرة. ** دعني اسألك مرة اخرى: هل توجد خلافات بين شيوخ الامارات، او تنافس فيما بينهم؟ ـ لا خلافات بين الشيوخ، بل بالعكس هناك تلاحم قائم فيما بينهم ومتجدد، ولا تنس اننا شعب له تقاليده واعرافه، ومهما بلغنا من التقدم فان هذه التقاليد والعلاقات الاسرية لن تتأثر، لانها تشكل جزءاً من تركيبتنا النفسية، ومتجذرة في تفكيرنا وعقولنا، التراحم والتلاحم قائمان بين افراد اسرة الامارات الكبيرة كلها، لذلك ترى المجالس عندنا مفتوحة، الناس يقصدونها، ويعرضون شكاواهم، ونحن في هذه المجالس نعايش حتى المشكلات الفردية، ونعمل على حلها ونعيد اللحمة في حال حدوث اي تنافر نحن قوم لنا موروثاتنا التي لا نبتعد عنها رغم ما تراه فينا من مظاهر حضارية، ورغم الكمبيوترات وشبكة الانترنت التي تتوافر كأدوات عصرية بين ايدينا. ** لنذهب الى نقطة حوار اخرى كيف ترى وضع مجلس التعاون الخليجي اليوم بعد مضي هذه السنوات الطويلة على قيامه، وما تخللها من قمم، واخذ ورد ومناقشات وتصورات.. وما مستوى الحسم في قراراته؟ ـ كان بإمكان مجلس التعاون الخليجي ان يكون صيغة ذات طموح اسرع وافضل، الناس تريد منا انجازات اكثر، هناك مصالح كثيرة يمكن ربطها يستفيد منها الناس ويفيدون، وعندما استعرض التجارة البينية في العالم العربي كله اجدها لا تتعدى الثمانية في المئة، الا تشكل هذه النسبة المتواضعة مبرراً لاقامة سوق خليجية مشتركة تفضي الى قيام سوق عربية مشتركة، خصوصاً اذا ادركنا حجم مستورداتنا الكبير؟ بإمكاننا تطوير صناعتنا، وجعلها تدرك اعلى مستويات الجودة، والتباهي بها، وجعل منتجاتها بديلاً للمنتج المستورد ونزيد بها نسبة التجارة البينية العربية، بإمكاننا ايجاد صناعة بجودة عالية مرتبطة بصناعات اخرى دولية في العالم تستوعب المزيد من العمالة ورؤوس الاموال. عندما استعرض التجارة البينية واجد ان نسبتها ثمانية في المئة كما قلت اردد بيني وبين نفسي: ليت عندنا سوقاً خليجية مشتركة تقفز فيما بعد الى سوق عربية مشتركة. ** على ذلك كيف ترى اداء الاقتصاد مستقبلاً في دول الخليج؟ ـ لابد من حدوث متغيرات تؤدي الى رفع الاقتصاد وخصوصاً متغيرات في المملكة العربية السعودية وفي الكويت كدولتين مهمتين، وذلك حتى يستطيع البلدان حمايتنا من اي تراجع قد يطرأ في المستقبل لابد من رفع الاداء، ولابد من نظرة واقعية الى بعض الامور حتى يرتفع الاداء، ولا تتعرض بعض دول المنطقة لأي تراجع. ـ احتياطات المنطقة النفطية جيدة وفيها عقول بشرية ممكن استثمارها بشكل جيد، والناس فيها اصبحوا على درجة عالية من الوعي على ما حولهم وحواليهم، ولا نحتاج الا للمزيد من النظرات الواقعية على اوضاعنا حتى نتحاشى اي مخاطر يحملها لنا المستقبل. نحن في دبي استثمرنا في البشر وفي الفرص، ونفذنا، وسوقنا ما نفذناه، ولم نتلكأ، او نخاف من المستقبل، امامنا فرص رأينا ان نستغلها لانها مفيدة ومربحة. لم نتأخر، ولم نتردد، ولم نتلكأ في الاقدام عليها، اذا اردت تسويق استثمارك وفرصك يجب ان تكون تحت انظار الناس ليرونها وهي قائمة على الارض وليس على الخرائط والرسومات. ** هناك اصوات في العالم العربي وامام ما يجري في الشرق الاوسط من أحداث، يرى أصحابها ان قصم ظهر اميركا يكون بمقاطعتها اقتصادياً.. ما رأيكم؟ ـ قبل كل شيء اسأل نفسك انت ماذا تريد من اميركا؟ هناك شيء اسمه حقائق وأرقام، الاحلام ليست وقائع، والمقاطعة لن تكون القشة التي ستقصم بها ظهر البعير، عليك ان تفعل كما يفعل الاخرون، اي ان تنطلق من الان وتتحرك عربياً وتعلن ماذا تريد، ذلك ان الصورة المأخوذة عنا في الخارج ليست مريحة. كم سفيرا عربيا في اميركا، كم عدد السفراء العرب في أميركا؟ انهم كثيرون بينما هناك سفير اسرائيلي واحد، ونسأل عن نشاط هؤلاء السفراء العرب، ما هو، وعلى ماذا يتركز؟ لو أجبنا عن السؤال سنرى ان كل سفير منهم يحمل ايديولوجياته ويختلف بها مع السفير الاخر، ولا يبقى بحوزتنا الا ثلاثة او اربعة سفراء عرب متفقين، وعلى قلب واحد، نرى سفيراً عربياً يريد السلام، واخر يرفض السلام، الوضع على هذا النحو ليس مريحاً، مسار الصداقة السعودية ـ الاميركية قديم ويعود تاريخه لايام الملك عبدالعزيز، رحمه الله، لكن جاءت احداث 11 سبتمبر، وما تبين من تورط سعوديين فيها، واثرت على هذا المسار الطويل، بدأ الاعلام المعادي يستغل هذا الامر ويشن حملاته ضد السعودية، وانشغلت اللوبيات المضادة بالهجوم عليها، واشتغل من يريد ابعادها وضرب صداقتها مع اميركا بأقصى جهوده والحقيقة ان من استطاع ان يهديء الامور هناك هو مبادرة الامير عبدالله للسلام التي تحولت في قمة بيروت الى مبادرة عربية ساهمت في تحسين الصورة. المقاطعة لا تؤثر في هذا العالم «ولا تجيب رأسه»، ولن تكسر عظامه، فصادرات اميركا الينا ليست بهذا الحجم الضخم الذي يمكن ان يؤثر على اقتصادها لو قاطعناها، بل بالعكس قد تقود المقاطعة الى مقاطعة سياسية من جانب اميركا انت لا تريدها، اذ انك بحاجة لاميركا ولمواقفها السياسية، علينا ان نحسن مسارنا كعالم عربي، ولا ننسى ان موافقتنا على المبادرة السعودية اظهرتنا امام العالم اننا دول يمكن ان يكون لها مواقف واحدة، انا لا اعتد بهذه المقاطعة، واعتد كثيراً بالعالم العربي حين يعمل في الساحة الدولية بشكل موحد كما يعمل خصومه. ** سمو الشيخ محمد... دعني اذهب قليلاً نحو الخصوصيات وأسأل، ما الذي يزعجك احياناً؟ ـ تزعجني رؤية عزيز قوم ذل، هنا أحاول ان اقوم بواجبي تجاه هذا الانسان العزيز الذي جارت عليه الايام، والحياة، وجار الزمن. ** لو لم تكن حاكماً ماذا كنت تريد ان تكون؟ ـ لقد عشنا الحياة البسيطة، والحياة المعقدة والمترفة، وبالتالي انا لا يزعجني السؤال، ولكني أقول دائماً ان السعيد من كانت مهنته هوايته، ولو لم اكن حاكماً لكنت فارساً، فالفروسية هوايتي، ولمارست كل ما احب ان امارسه، واعتقد اني بذلك سأكون مواطناً يمارس مهنته بقدر يرضى عنه اهله ويعجبهم. ** نعود الى قولك انك تهدف الى اشاعة العدالة والامن الاجتماعي، وتوزيع الفرص بتكافؤ... هذا الهدف نرى انه بحاجة الى توضيح اكثر؟ ـ الملاحظ الان اننا ملتفتون نحو المشاريع الكبيرة ونركز عليها، وتأخذ كل وقتنا، هذه المشاريع يستفيد منها الوطن والمواطن، لكن هناك من نسميهم صغار الحرفيين الذين لا يجدون من يأخذ بأيديهم، هؤلاء قررنا موازنة لهم تبلغ 700 مليون درهم لاعداد البنية الاساسية لهم ولمشاريعهم، وللمساهمة معهم طالما ان قدراتهم لا تلبي احتياجات المشاريع الكبيرة الراهنة، وامس كنت في غرفة التجارة، وطلبت من الاعضاء ان يفعّلوا ادوارهم، وان تكون دراساتهم وتقاريرهم حول ما سيقومون به مستقبلاً نابعة من رؤية ذاتية لا من رؤية قد لا تكون صالحة لمواطنيهم، رأينا كان ان نفعّل هذه الشبيبة حتى يكثر رجال الاعمال، وفعاليات القطاع الخاص، ومن خلال فكرة نابعة من داخل اعضاء الغرفة، فنحن لسنا بحاجة لمن يعطينا تقارير من بعيد ومن الخارج، ويحدد فيها ادوار الغرفة بمعاييره لا بمعاييرنا، الادوار مفتوحة امام الجميع، وموجودة في كل زوايا الدولة، ولا تحتاج الى عين خارجية ترسم لها وتخطط وتقرر، في المستقبل سنرى دفعات كثيرة من هؤلاء الشباب الطامحين تقود المشاريع الصغيرة في البداية والتي ستكبر فيما بعد، سواء المشاريع الصناعية، او التجارية، وهذه الدفعات من الشباب سنربطها بكل الاستثمارات الموجودة عندنا، وسنقول للقائمين عليها تعالوا واستفيدوا من عطاءات هذا الجيل الجديد من رجال الاعمال، في الصناعة، والتجارة، والاعمار، وغيرها من المرافق. ـــ الحديث في الهواء الطلق، وفي مياه البحر وعلى شاطئه، جرى ميدانياً مع سمو الشيخ محمد بن راشد، كان متحركاً، متدفقاً، متشعباً، وفيه الكثير للطموحين الذين يتطلعون لمماثلة «معجزة دبي» واتباعها.



