وجه الانسان هو اشرف الاعضاء ، لذلك فان الاسلام نهى عن ان يهان، وقد ورد في الحديث ان الرجل اذا اراد ان يؤدب زوجته الناشزة بالضرب وجب عليه ان يجتنب الوجه، وكذلك معلم الصبيان ينبغي الا يضربه في وجهه. ـ وفي عرفنا المحلي نقول: فلان أخذ بوجه فلان اي قبل وساطته، واحترم رأيه وقراره وموقفه، ويعني هذا ان الوجه موضع التكريم من الله ومن عباده. ويقال ايضا للداخل على القوم: يا فلان كان وجهك علينا خيرا، بمعنى أنك كنت يمنا علينا. ـ اذن فان الوجه عضو في الجسم لكنه ليس كسائر الاعضاء، بل هو اشرفها واكرمها، ولذلك ايضا استعير لفظ الوجه، في اماكن اخرى فاستعمل استعمالا مجازيا فقيل: واجهة المنزل، ووجهة الانسان، وجلسوا وجها لوجه، وذلك افضل من عدة اوجه، ولا اريد به الا وجه الله سبحانه وتعالى. ـ وأهمية الوجه ليست في أنه وجه فحسب، بل لأنه ملتقى المحاسن والمساوئ، الا ترى انه يشتمل على الجبهة والجبين والحاجب والعين والجفن والهدب والانف والخد والشفة والسن والذقن والاذن، ولكل من هذه وظائف. نعم.. وهذه الاجزاء في الوجه ينظر اليها علماء الفراسة بأنها منافذ التعرف الى شخصية الانسان وخصاله ونياته. ـ ومن ذلك ايضا ان العلامة ابن سيرين الذي عرف بتبحره في علم تفسير الرؤى والاحلام، دخل عليه شخص وكان عنده قوم جلوس، فقال يا شيخ رأيت في المنام أني اؤذن، فنظر اليه ابن سيرين وقالت انت تحج ان شاء الله. ثم دخل عليه اخر وقال اني رأيت في المنام اني اؤذن، فنظر اليه ابن سيرين وقال له انت تسرق، ولما خرج قال له اصحابه الجالسون: ما هذا يا شيخ؟ سألك سائلان عن مسألة واحدة فقلت للأول بأنه يحج، وقلت للثاني بأنه يسرق؟ قال ابن سيرين رحمة الله: اما الأول فعندما قال بأنه رأى في المنام انه يؤذن تأملت في وجهه فوجدت فيه ملامح الصالحين فتذكرت قول الله تعالى: «واذن في الناس بالحج يأتوك رجالا». الآية. واما الثاني فتأملت في وجهه فرأيت فيه ملامح الاشرار فتذكرت قول الله تعالى حكاية عن يوسف واخوته: «ثم اذن مؤذن ايتها العير انكم لسارقون». ـ ولقد اشتهر العرب بعلم الفراسة، حيث انهم كانوا يقرأون الوجوه كأنهم يقرأون الكتاب. هذا وتقول الباحثة خيرية حديب في كتابها علم فراسة الوجه بأن الاميركيين اهتموا بهذا العلم، وتعمقوا في دراسة تقاطيع الوجه وملامحه حتى انهم ابتكروا تسمية جديدة لخطوط الوجه فلقبوها بخطوط الخبرات والتجارب. ـ وذهب علماء العصر يقسمون الوجه الى ثلاثة حقول: الحقل الفكري ويشمل الجبين والعينين، والحقل العاطفي ويشمل الانف والخدين والحقل العملي ويشمل الفم و الذقن. ـ كما يلاحظ ان العلماء عندما قسموا الوجه هذا التقسيم لم يفعلوا ذلك من فراغ، بل بعد دراسات ومقارنات عملية، فلاحظوا ان صاحب الجبين الواسع يتمتع بنشاط ذهني، فنسبوه الى الحقل الفكري. وصاحب الفك البارز يتميز بأنه انسان عملي فنسبوه الى الحقل التنفيذي. وصاحب الانف والخدين البارزين يتميز بالحضور القوي والنجاح في ميدان مثل العلاقات العامة، فنسبوه الى الحقل العاطفي. ـ ثم نرى ان بعضهم اتخذ ظاهرة التمدد والانكماش منطلقا له، فقسم الانكماش الى دينامي وداخلي ومجفف، وقسم التمدد الى غريزي وعاطفي ودماغي. ـ ومنهم من اتخذ العلاقة بين الهيكلية العظمية والعينين والانف والفم منطلقا له. ـ ومنهم من وقف نفسه على دراسة العضلات الجلدية حول العينين والانف والفم باعتبار ان تحريكها يبين الظروف والأمزجة. ـ ومنهم من بنى دراسته على قاعدة انتشار التفريغ العصبي حيث رأى ان كل هيجان مصحوب بتفريغ عصبي ينتشر في الجسد كله، اي ان الهيجان هو مجموعة احاسيس وانفعالات تظهر لنا من خلال الجسد، كالصدمة العصبية مثلا تنتشر قبل كل شيء في عضلات الوجه والصوت والاطراف. ولذلك قال العالم دوشن دوبولوني ان عضلة الجبهة للانتباه، وعضلة الحاجبين للتهديد، ومدار الشفتين للاشمئزاز، واخرى للحزن، واخرى للسرور وهكذا. ـ ولقد بالغ الصينيون اكثر من غيرهم في الاعتماد على دراسة الوجه اذا ارادوا ان يتعرفوا الى الشخص وطبعه ونفسيته، وعرف هذا العلم عندهم بـ «سيانغ ميان» ومن هنا فان سيانغ ميان يصنف الوجوه الى 11 شكلا هي: الوجه القمري والشجري، والبيضاوي، والحديدي، والجبلي، والارضي، والملكي، وغير المنتظم، والحائطي، والناري، والدلو. ـ كل من هذه الوجوه يتميز بملامح معينة عند الصينيين يستدل من خلالها على طبع صاحبه، فالوجه القمري يتمتع صاحبه بالجمال، لكنه لا يحب التمارين الرياضية، لذلك فانه يشكو من السمنة دائما. والوجه البيضاوي جميل يوحي بالتفاؤل، لكنه يتعرض لسوء الفهم من الاخرين، مما يجعله يتعالى عليهم قليلا، ويعيش مع أحلامه. والوجه الحديدي يوحي بالاستقرار والنزاهة، لذلك فان صاحبه لديه قدرة على التكيف واتخاذ القرار الهادئ، وقراراته تحترم. والوجه الجبلي محظوظ في معظم اعماله ومواقفه، وربما اخذ على صاحبه بأنه يحب الثرثرة في الكلام. والوجه الارضي يتمتع بمعرفة واسعة، لكنه عدواني المزاج، يحقد، وطبعه فضولي. والوجه الملكي صاحبه ذكي. وقيادي واناني يسعى للنجاح دائما، لكنه يتعرض للفشل كثيرا بسبب اعتداده الزائد بنفسه. والوجه غير المنتظم يشكو من الكثير من العقد، مما تجعله على مر الزمن ينظر الى الناس من حوله بعدوانية فينتقم. والوجه الحائطي لديه قدرة على التغلب في المواقف الحرجة، ويحب الجدل، مما يؤدي به الى الانفعال، وعندئذ يفقد توازنه فيفشل. والوجه الناري يتميز بالذكاء، لكنه حساس جدا، مما يجعله يكثر من الشكوك، فيمل الناس من حوله. والوجه الدلو يتطلع الى المستقبل بتفاؤل، وهو مستقر نفسيا، لكنه يتعرض للاكتئاب الشديد احيانا عندما تتزعزع استقراريته. ـ ثم ان لكل من الجبين والجبهة والحواجب والعين، والجفون والاهداب والانف والخدود والشفاه والاسنان والذقن والاذنين لغة عند علماء الفراسة في العصر الحديث. ـ وقديما كان العرب الاوائل يدركون تلك المعاني والرموز واللغات. ـ يروي ابن القيم في كتابه اخبار النساء: ان العرب يقولون: الصباحة في الوجه، والوضاءة في البشرة، والجمال في الانف، والحلاوة في العينين، والملاحة في الفم، والظرف في اللسان، والرشاقة في القد، واللباقة في الشمائل، وكمال الحسن في الشعر. ـ ويبقى بعد ذلك ان نقول: هناك شعرة بين فراسة المؤمن الذي اخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين فراسة العالم التجريبي المطلق. فالمؤمن يبني تفرسه على نور يقذفه الله في قلبه، والعالم يبني تفرسه على التجريب المطلق، لذلك فان الاول صوابه اكثر من خطئه، والثاني خطؤه اكثر من صوابه، اليس كذلك؟.