أصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة قيمة تناولت «جبل طارق: المستعمرة الاستثنائية»، وذلك ضمن سلسلة الدراسات التي ما فتئ يصدرها عن مختلف القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية، التي تشغل الرأي العام العربي والعالمي. وتأتي قيمة الدراسة من موضوعها، إذ لا يمثل جبل طارق معبرا مائيا بالغ الاستراتيجية، كما لا يحيل إلى تاريخ متعدد الدلالات والأبعاد فحسب، وإنما يثير ـ كذلك ـ إشكاليات سياسية معقدة، تتجاوز الشريكين الأوروبيين (بريطانيا التي احتلت الجبل مع بداية القرن الثامن عشر، وإسبانيا التي تطالب باسترداده منذ النصف الثاني من القرن العشرين) إلى دول كالمغرب والبرتغال لها حالات مماثلة مع إسبانيا، وتنتظر بشغف كبير ما ستؤول إليه المفاوضات لحل مشكل المستعمرات القديمة. كل ذلك فضلا عن التعارض الملموس بين إرادة سكان الصخرة اليوم وبين طموح إسبانيا في استردادها. وكما جاء في تقديم مركز زايد فإن الصخرة أخذت تسميتها من اسم طارق بن زياد، أحد قادة الفتح الإسلامي الذين دخلوا منطقة الأندلس منذ عام 711م تاريخ سيطرة طارق وجنوده على الصخرة، وأسسوا فيها حضارة مشهودة على مدى أكثر من سبعة قرون، استطاعت أن تنير بالعلم والمعرفة ظلام القرون الوسطى، الذي خيم على أوروبا، وقدمت نموذجا متميزا في التسامح والتعايش بين الأديان، وذلك قبل أن تحتل مملكة قشتالة منطقة جبل طارق سنة 1462م، حيث انقلب التعايش هناك إلى نفي للآخر، والتسامح إلى محاكم تحاسب الناس على معتقداتهم. وفي ظل الصراع الأوروبي على الاستئثار بمناطق النفوذ استطاعت بريطانيا أن تحتل جبل طارق سنة 1704، وما زال حتى الآن تابعا لها في إطار وضعية إقليم يتمتع بحكم ذاتي داخل السيادة البريطانية. وقد بينت الدراسة مختلف جوانب الموضوع، فوقفت عند سيميائية الاسم، مثيرة الماضي العربي الذي احتفظ به المكان من خلال التسمية، وقدمت إضاءة تاريخية رصدت الأحداث البارزة في تاريخ هذه الصخرة الاستراتيجية، قبل أن تقف عند كرونولوجيا المفاوضات البريطانية الإسبانية حول جبل طارق منذ أن بدأت وحتى اليوم، وكذلك ما يمثله هذا الملف من أهمية في السياسة الإسبانية، بحيث تجتمع القوى السياسية على المطالبة باستعادته منذ حكم الجنرال فرانكو، وحتى مرحلة حكم الحزب الشعبي، مرورا بحكم الاشتراكيين.كما تتناول الدراسة انعكاسات ملف جبل طارق على محيط الجوار، مبرزة ربط المغاربة بين مطالبة إسبانيا باستعادة الصخرة، وبين مطالبتهم باستعادة مدينتي سبتة ومليلية ؛ حيث لا يعقل منطقيا أن تبيح إسبانيا لنفسها حقا ترفضه لغيرها، ولذلك يرى المغرب أنه وكما اعترف لإسبانيا في حقها بأن تسترد جبل طارق ينبغي أن تعترف إسبانيا بحق المغرب في استعادة مدينتيه، وقد قال الملك المغربي الراحل الحسن الثاني في زيارته للولايات المتحدة في 15 نوفمبر 1978: إن «من الواجب أن أقول بصفتي ملكا للمغرب، وضامن وحدته الترابية أن سبتة ومليلية جزء من بلادي، ومن الواجب أن أتفاوض مع إسبانيا في إطار السلم والتفاهم وحسن الجوار». وفي نفس الاطار أبرزت الدراسة الأصوات البرتغالية التي طالبت باستعادة مدينة أولفنسا التي تحتلها إسبانيا، ويطالب البرتغاليون باستردادها متخذين من أسلوب اسبانيا ومبرراتها في استعادة جبل طارق مبررا وأسلوبا. ولم يفت الدراسة أن تنير ما يتعلق بسكان جبل طارق من حيث عددهم ورؤيتهم لما يدور من مفاوضات، ورفضهم الشديد العودة إلى إسبانيا ؛ حيث تشكل كيانهم في ظل بريطانيا ثقافة وسلوكا ومصالح. وهكذا فقد تطرقت الدراسة إلى جوانب الموضوع المختلفة، واعتمدت على معلومات ثرية، و مراجع متنوعة، فضلا عن التركيز والإيجاز اللذين لا يخلان بتقديم الفائدة المقصودة، وبذلك استحقت أن تنتسب لسلسة الدراسات القيمة التي يصدرها مركز زايد للتنسيق والمتابعة، من أجل إنارة مختلف القضايا والموضوعات التي تشغل الرأي العام العربي والدولي، عن طريق الدراسة العلمية.