فكري في رأسي، وفكر غيري في يده ورجله، ولا اعتراض على ذلك، فلكل انسان ان يفكر بطريقته المحببة الى نفسه، والمهم ان يصل الى هدفه ويحقق النتيجة المرجوة منه. والزمن اثبت ان الدول اليوم في حاجة الى الرؤوس والاقدام، وذلك ان ميادين التنافس لم تنحصر في الجد فقط، بل في المجد واللعب. اذن اللعب اخذ بمأخذ الجد، وصار له عشاقه ومنظموه ومتابعوه، وأصبح فيه الخاسر والكاسب، والجاد والهازل. واللعب صارت له برامج وأهداف ومبرمجون ومستهدفون في كل اقطار الارض. ومن هذا النوع من اللعب «الخماسية المفضلة» لدى الشباب: كرة القدم وكرة السلة وكرة الطائرة، وكرة المضرب، وكرة الطاولة. هذه الالعاب وجدت يوما ما لتكون ضربا من التسلية، يتسلى بها الشباب وقت فراغهم لينسوا بها هموم عملهم، لكنها اليوم اصبحت مشغلة المشاغل، ولعل اكبر دليل على ما اقول هو كأس العالم لعام 2002، وهذه المباراة وغيرها من المباريات العالمية نراها تشغل الكبار والصغار، فكما ان الطلبة يستعدون للامتحانات فإن الناس يستعدون للمشاركة او لمتابعة كأس العالم. والبيوت كذلك تعلن حالة الاستنفار مثلما كانت تعلن حالة الطواريء لاستقبال امتحانات الثانوية العامة. هذه الحالة الطارئة ليست لشعب دون شعب، ولا لدولة دون دولة، بل لكل الشعوب، ولكل الدول، والعجيب ان ولع الشيبان والعجزة بمشاهدة كرة القدم اشد من ولع الشباب. وولع الفتيات والنساء اكبر من ولع الفتيان والرجال، ولا أدري لماذا؟ لقد رأيت مرة احد شبابنا وهو مكفوف يجلس امام النافذة يستمع الى شيء وهو يخبط بيده على الارض ويتحسر نارة، ويعلن نشوته تارة اخرى، وعندما امعنت النظر رأيته يتابع المباراة من خلال تلفاز جار له. نعم.. كرة القدم وغيرها من انواع الكرة اصبحت اليوم جزءا من السياسة في كل دولة، فلا تستطيع ان تتحدث عنها بسوء لانها محبوبة الحاكم والمحكوم. ولا تستطيع ان تلغيها من قاموس الناس لانها محبوبة الجماهير. بل اكثر من ذلك فالذين يشاركون في قيادة هذا النوع من الالعاب رجال لهم وزنهم ومكانتهم في مجتمعات الدول، مما يؤكد لنا انها لابد منها، وأنها تدخل ضمن الخطة السنوية للدولة، وبها سوف تواجه العالم اما بانتصارها امام الدول او بانهزامها. واذا كان كذلك فإن الذي يشارك في مباريات عالمية يعد ممثلا رسميا للدولة التي ينتسب اليها، لذا يتمتع بالحقوق والامتيازات الممنوحة لاصحاب التمثيل الرسمي للدولة. ووزارة التربية والتعليم والشباب عندنا تعتبر من يتغيب عن الامتحان بسبب انه يمثل الدولة في مثل هذه المباريات الدولية غائبا بعذر مقبول، لذلك فإن الذي يتغيب عن امتحان الفصل الدراسي الاول يدخل الامتحان المؤجل واذا غاب عن المؤجل دخل امتحان نهاية الفصل الدراسي الثاني، واذا غاب عن امتحان الفصل الدراسي الثاني دخل امتحان الاعادة. وهكذا في امتحان الثانوية العامة حيث انه اذا غاب عن امتحان الدور الاول دخل امتحان الدور الثاني. لكنني اتساءل فأقول ما مصير من يتخلف عن امتحان الدور الثاني في امتحان الثانوية العامة؟ ونحن نعلم ان اللائحة تنص على ان من يتخلف في الشهادات العامة عن امتحان الدور الثاني يعد غائبا ويبقى في صفه للاعادة، ولا ينظر في عذره لانه يتساوى مع اصحاب الاعذار المقبولة وأصحاب الاعذار غير المقبولة، والسبب واضح لان امتحان الشهادة العامة امتحان عام ولا يوضع الا مرتين ومن قبل لجان مكلفة من الوزارة على مستوى الدولة، وليس في المدرسة وعلى مستوى طلابها. ورأينا في بلد مثل انجلترا هذا العام ان بعض المقاطعات اجلت امتحان GCSE الى ما بعد كأس العالم نظرا لانشغال الطلاب بمتابعة دورة كأس العالم. وفي اعتقادي ان هذا ليس بحل جماعي ايضا، بدليل ان هذا القرار لم يكن قرارا للمملكة المتحدة بأسرها، وما سمعنا ان دولا اخرى اجلت امتحاناتها للسبب نفسه. ان تأجيل الامتحانات يحدث خللا في النظام التعليمي الذي تعد له الوزارة طول العام، فكل خطوة تترتب عليها خطوة ثانية، وكل اخلال بهذه الخطوات يترتب عليه اخلال اخر بالنظام المعد مسبقا. ثم ان كأس العالم او مباريات اخرى دولية هي ليس لمرة واحدة في العمر، بل تتكرر دوراتها بتكرار الشهور والاعوام، ومن ثم لا يمكن الغاء الامتحانات من اجلها، بل لابد من التكيف معها في ظل الواقع المر. نعم.. ان الشباب يفكرون فيها طول العام، والبيوت تجلس لتشاهد الدورة بأكملها اولا بأول لكن لابد ان يعلم الجميع بأن هناك فرقا بين اللاعبين المشتركين فيها وبين المشاهدين. اللاعبون امام امر واجب عليهم ويتحملون الربح والخسارة، اما المشاهدون فيتابعون ما هو يشبه السنة او فرض كفاية ثم لا محاسبة ولا معاقبة اذا فاز فلان او خسر علان. والامتحانات هي من قبيل الواجب العام، والفرض العين على كل الطلبة وعلى كل اولياء الامور، لان الطلبة اذا نجحوا كان ذلك مربحا للجميع واذا رسبوا كان خسارة للجميع. لذلك فإن الطالب الذي يرسب يتحمل وزره اهله لانهم لم يقفوا بجانبه وعندما يبقى في صفه ليعيد عاما دراسيا بأكمله يتنكد اهله اكثر، لانهم كانوا يعلقون بنجاحه آمالا وآمالا وربما الطالب يدرس في المدرسة الخاصة، فبقاؤه في صفه يكلفهم مبالغ طائلة. بالاضافة الى عمره الذي قد لا يسمح بالاستمرار في الدراسة او في صفه. لذلك فإنني ارى ان الغاء مثل هذه الالعاب مستحيل لان وجوده مطلب عالمي والغاء الامتحانات غيرممكن ايضا، لان وجوده مطلب تربوي، وتأجيل الامتحانات على مستوى الدول غير ممكن ايضا، لان لكل دولة ارادتها، ووجهة نظرها، وامكاناتها. اذن لكي نوفق بين ما نريده نحن، وبين ما يريده اللعب يجب ان ننظر الى اللعب بأنه جد طالما هو مطلب دولي، ولكن لا نوليه كل اهتمامنا وكأنه هو كل شيء وننظر الى الامتحانات بأنها اكثر جدية فنقدم الاهم على المهم، ولا نبالغ نحن اولياء الامور في الاسترسال لهوى النفس، بل نقدم مصلحة ابنائنا، لان الامتحان هو يحدد مصير الكل، اما اللعب فربما يخص البعض، وبالمناسبة ليس الامتحان هو الشيء الوحيد الذي نختلف عليه، فعندنا نحن امور كثيرة نعطيها من وقتنا وجهدنا في غير وقته وأكثر مما يستحقه، ثم نشكو من الضرر الذي لحقنا بسببه، وكأننا لم نكن نحن السبب. من هنا أقول اللعب مطلوب كما ان الجد مطلوب، ولكن ينبغي ان ننظم اوقاتنا، ولذلك قال الاثر النبوي: روحوا قلوبكم ساعة بعد ساعة فإن القلوب اذا كلت عميت. ولكي نقدر على استثمار ساعة الجد لابد ان نروح النفس في وقته، ولكي نستطيع ان نستمتع بالترويح لابد ان نخصص له وقتا خاصا به، أليس كذلك؟