من المشاريع الجميلة في وزارة التربية والتعليم والشباب في دولة الامارات مشروع رعاية الفائقين والموهوبين. فمنذ سنوات والناس يطالبون باعطاء فرصة للمتميزين بأن يسمح لهم بالتخطي او بما يسمى الآن بنظام التسريع. من المعلوم ان السلم التعليمي في الوطن العربي جزء من المقدسات التي لا تمس بأية حال، بمعنى ان لابد ان يدرس 12 سنة دراسة لكي يحصل على الثانوية العامة، وهذا يعني ان المجتهد والكسول، والجيد والرديء سيان في الصف بمعنى آخر ان الطالب النابغة يقال له ابق مكانك وتبلد لشهر او لسنة حتى يلحقك الطالب البليد او المتأخر دراسيا وكأن نبوغه عيب يستحق ان يعاقب عليه في عرف القانون. هذه السياسة في نظري تعني أمرين: الامر الاول ان المتخلف او المتأخر دراسيا يلقى عناية، والمتميز لا يحظى بالرعاية، وكأننا نكيل بمكيالين مع العلم بأن الطلبة أمام دستور الدولة سواء أي كل منهم يجب ان يحصل على ما يناسبه. والأمر الآخر اني لا استفيد من الابداعات والنبوغ، ومن ثم اكون عائقا في طريق المجتهد ومحبطا لآمال كل متميز، والعكس هو المطلوب. من هنا فإن الوزارة تشكر على احياء فكرة التخطي ونظام التسريع، لأنه يرعى التفوق اولا، ويستثمر الطاقات الطلابية وهي جزء من اقتصاد الدولة. لكن يا ترى كيف يأخذ هذا المشروع طريقه الى الظهور في الميدان وكيف نضمن العدالة، اذ انه حق ولكن ليس لكل طالب. اذن لابد ان توضع معايير لمنحه حق التسريع، وإلا لن يعطي النظام ثمره المنتظر. قبل كل شيء يجب ان نعلم ان التخطي فرصة او فرصتان فقط على مدار المرحلة التعليمية ما قبل الجامعة، وما ينبغي ان يكون في المرحلة التأسيسية اذ ان الطفل في هذه المرحلة يتأسس. ولابد من ان يؤخذ ذكاء الطفل كمعيار، بجانب تحصيله الدراسي، ومدى تفاعله مع المعلم والتلاميذ في صفه. وأن يدرس وضعه الاسري ايضا، اذ ان الموهوب في النهاية يحتاج الى رعاية لينمو وجدانيا وجسميا واجتماعيا ودراسيا وعاطفيا. وهذا الاكتشاف لن يتأتى الا اذا تكاتفت جهود لجنة تشكل داخل المدرسة، بالاضافة الى اعداد المعلمين وتوعية المجتمع داخل المدرسة وخارجها لكي يسهموا في الكشف والرعاية. وقبل ذلك كله لابد ان تكون هناك لائحة معتمدة من معالي وزير التربية تتضمن مشروعية هذا الحق، وآلية مرنة للتنفيذ، مع بيان أدوار كل من المدرسة والمنطقة والوزارة وأولياء الامور والمجتمع عموما. أضف الى ذلك ان مركز المناهج ومركز القياس لابد ان يلعبا دورا فعالا في اعداد الخبرات المطلوبة، فالموهوب او الفائق هبة من الله تتخبأ تحت اطباق الذكاء والابداع، وتنتظر من يوقظها ويدغدغ كوامنها. وفي اعتقادي ان نعمة التفوق والتميز ان لم تكن موجودة في كل طالب وطالبة، فإنها موجودة في كل مدرسة. لذلك فإن فرصة الترشيح يجب ان تعطى لكل مدرسة بل لكل صف، بنسبة واحد الى ثلاثة على الاقل كما اقترحت اللجنة التي اوكلت اليها دراسة هذا المشروع. واذا قلنا بأن الفائق يخضع لاختبار تحصيلي فإنه يجب ان يؤخذ في الاعتبار بعض المواد التي يمكن ان تظهر من خلالها الفروقات الفردية كاللغة العربية والرياضيات والعلوم واللغة الانجليزية مثلا لتكون هي المحك. هذه الاختبارات يجب ان لا تترك للأهواء والذاتية الخاصة بل لابد ان تكون مقننة كما قلنا وتعد سلفا وتعبر من خلال قنوات التوجيه ومركز تطوير الامتحانات والقياس وتتبنى وضع آليات الاجزاء والتنفيذ ادارة مركزية مثل ادارة برامج القدرات الخاصة مثلا، بالاضافة الى تفاعل المنطقة والمدرسة والبيت معها. وبالمناسبة لا يدخل ضمن برنامج التفوق والمتفوقين اي طالب رسب في سنة من سنوات دراسته، وهذا يعني انه من حيث السن يجب ان يكون متطابقا مع الصف الذي يترشح منه، وأن يشارك ولي امره في ترشيحه لبرنامج التسريع، والا كيف يتفاعل معه ويرعاه اذا لم يكن هو مقتنعا بالفكرة؟ وفي اعتقادي ان فرصة التخطي لا يمكن ان تعطى الا للمواطنين فقط. اذ يترتب على التسريع النيل من السلم التعليمي. فالطالب غير المواطن اذا تمتع بحق التسريع والتخطي وأكمل المراحل الدراسية ما قبل الجامعية في سنوات اقل من المتعارف عليه قد يصطدم بنظام بلده او اي نظام آخر في البلدان العربية، حيث ان السلم التعليمي يقتضي ان يكمل 12 سنة دراسية. وقد حصل هذا التعارض فعلا عندما غيرت مصر سلمها التعليمي في المرحلة الابتدائية من ست سنوات الى خمس سنوات، حيث احدثت خلخلة وما زال المصريون في الخارج يعانون منه. ثم من المهم جدا للطالب المتفوق او الموهوب ان يراعي جانبه النفسي فهو يتمتع بأفق واسع، ويشعر دائما بأنه في حاجة الى رحاب اكبر لكي يجول فيه بفكره، ويرسم على صفحاته ابداعاته وابتكاراته. اذن لابد ان نوفر له المناشط المتنوعة ولا نبخل عليه لانه كما قال الشاعر: يجود علينا الخيرون بما لهم ونحن بما جاد الكرام نجود ومن وسائل التشجيع للفائقين والموهوبين ان يعينوا في مواقع قيادية في المجتمع الطلابي كريادة الفصل، ورئاسة المجالس الطلابية. وقيادة المجموعات وغيرها من المسئوليات التي ترفع من معنوياتهم، وتتيح لهم فرصة اكتشاف انفسهم، وممارسة قدراتهم والاسهام في الطرح والمنافسة والاقتراح. وبما ان الطلبة لا يتساوون في الوضع الاقتصادي فمنهم الغني المقتدر ومنهم الفقير ومنهم الفقير جدا، والابداع والابتكار والتميز لا يظهر غالبا الا في الفقراء على رأي المثل القائل: الحاجة أم الاختراع. من اجل ذلك نرى ان تكون هناك حوافز مادية لامثال هؤلاء، لانهم بذلك سوف يتشجعون اكثر، ويستمرون في عطائهم اذا رأوا ان جهودهم تقدر ماديا ومعنويا، وليس بخطأ ان يكافأ المحسن، كما يجازى المسيء. وبعد هذا العرض المسهب اود ان اهمس في اذن أولياء الامور بالامور التالية: 1) التخطي ليس حقا مقررا لكل طالب، بل مشروعا للمتفوق منهم ومن ثم لا تراجع بشأنه مكاتب المسئولين في الوزارة لانه نابع من البيت والمدرسة، والمثل المصري يقول: «الديك الفصيح في البيض يصيح». فليقف كل واحد منا عند حده، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه. 2) التخطي لا ينال بالواسطة لانه قدرات ومواهب، وبالمناسبة فإن الطفل حتى لو ترفع بقدرة قادر الى صف اعلى فإنه لن يستطيع المواصلة، ومن ثم بدلا من ان يأخذ سنتين في سنة فإنه يأخذ سنة في سنتين، لذا الاولى ان يبقى في صفه ليتدرج حسب قدراته. 3) التخطي لن يكون اكثر من مرة او مرتين على مدى المراحل التعليمية، وهو حق مشروع للطفل نفسه، لذا فإن اهل الطفل ليس من حقهم ان يفرضوا عليه طلبا معينا، بل يترك ليتصرف حسب ميوله وقدراته، ويمكن لولي امره ان يرشده ويوجهه فقط، وهو بالطبع في حاجة الى تشجيعه وتوفير البيئة المناسبة له. أقول ان نظام التسريع يعود على الانسان الاماراتي بفائدة اذا عرفنا كيف نستثمره لمصلحة الوطن، لا ان نتخذه وسيلة للمفاخرة فقط.. أليس كذلك؟