لا تقل لي نعم وتستعجل في الجواب، فإن المسألة أكبر من ذلك بكثير، وتحتاج إلى التأني، ومراجعة النفس، وإعداد الرد المناسب الذي يتمخض عن دراستك وفهمك للسؤال. لا تقل لي أيضاً بأن الثقافة هي من ثقف الرجل أي صار حاذقاً، أو ثقّف الرمح أي سوّاه وقوّمه. أو أن الثقافة هي كل ما صنعته يد الانسان وعقله من أشياء ومن مظاهر البيئة الاجتماعية، أو أن الثقافة بمفهومها الواسع حصيلة ما يتجمع في العقل من معارف وما يكمن في الوجدان من انطباعات، وما يستقر في الضمير من عقائد وما يرسب في النفس من عادات وتقاليد. ولا تقل ايضا انك حضاري لمجرد أنك تخرجت في جامعة من الجامعات، أو سافرت مرات عديدة الى بلدان العالم، ورأيت خلقاً كثيراً. كلا فالحضارة نتيجة الثقافة وان لم تتثقف فانها آلة واختراعات وصواريخ واسمنت وبناء وغيرها. ثم من الواضح ان الحضارة اينما وجدت ومهما تتعدد فإنها في الحقيقة واحدة، وهي هذه الحضارة البشرية التي انطبعت في بوتقتها مختلف الحضارات والثقافات كحضارات مصر وبابل واليونان والعرب والمسلمين وغيرهم. اما الثقافة فإنها ثقافتان: 1 ـ ثقافة عربية اسلامية تربط بين الروح والمادة، ولذلك قيل بأن الثقافة ضمير الأمة، والحضارة مظاهر حياتها، والفكر هو القيم. 2 ـ ثقافة غربية وهي تعتمد على مادة الفكر. واننا اليوم امة عربية لكي نكون مثقفين يجب ان نقيم بناء شخصيتنا على مفاهيم ثلاثة وهي: التربية والتعليم والثقافة. فبالتربية وحدها لن نكون مثقفين، وبالتعليم وحده لن نكون مثقفين أيضا، ولن تكون الثقافة وحدها هي مولدة الحضارة، بل لابد للثقافة ان تكون نابعة من فكر قوامه اللغة والدين والأدب والتاريخ. والفكر عندنا نحن العرب والمسلمين يجب الاعتقاد بأنه حيّ متطور، ومن ثم لنا شخصية ذات طابع متميز، ولنا تاريخ مليء بالبطولات والانجازات، ولنا لغة خصبة لا تموت، ولنا تراث حي لانه يمثل قيمنا. ولغتنا العربية هي الاخرى ليست لغة قومية ضيقة، بحيث لا تتسع لثقافات الآخرين، بل لغة فكر انساني عالمي. ولقد كفى ان تحوي اللغة العربية 400 الف مادة لا كلمة، في حين ان اللغة الفرنسية تحوي 25 الف كلمة، والانجليزية تحوي 100 الف كلمة. هذا الثراء اللغوي يعني الثراء الفكري، والثراء الفكري يعني الثراء الثقافي، والثراء الثقافي يعني الثراء الحضاري. إذن الحفاظ على الماضي أمانة لأنه تراثنا الذي نستمد منه طاقاتنا وقيمنا، والقدرة على التطور والتجدد مطلب لأننا به نستفيد من ثقافات الامم من حولنا. وقد قال سيمون وائل في كتابه الحاجة الى الجذور: ان تراث الماضي في عنق الحاضر مسئولية، فإذا انهزم الماضي فإن عودته ضرب من المحال، وان اعظم الجرائم قسوة أن يهدم الناس ما ورثوه عن اسلافهم من تراث. ولعلك تقول لي أتريد أن تتهمني الآن باني غير مثقف؟ اقول ان محيطك يقول لك ذلك، ولست أنا، فالتهمة واردة، واجابتك عن التهمة بانفعال واردة ايضاً، وهذا الانفعال هو اكبر دليل على انك غير مثقف بل متثقف، كما ان الذي يدعي الحضارة اليوم غير حضاري، بل متحضر. نعم.. لقد انتقل الانسان الشرقي من الخيمة الى البيت، ومن الكتاتيب إلى الجامعة، ومن طب الاعشاب الى الكيمياويات، ومن التنقل بواسطة الحمار والجمل الى السيارة والطيارة، ومن النوم على الارض الى النوم على السرير، ومن لبس الخيشة الى لبس الحرير، ومن الخط اليدوي الى الطباعة بالحاسوب، ومن الحمام الزاجل الى الفاكس والبريد الالكتروني. انتقل من كل اولئك لكن طبيعته مازالت تأبى الانصياع لهذه الاجهزة والآلات لانها تعودت على التفلت والتمرد، والتجرد لا الانضباط والتقيد. فهو يحب ان يقول ولا يحب ان يفعل، ويحب ان يتطور ولا يحب ان يتغير. هذه الظاهرة تنبيء عن الازدواجية التي يعشها الانسان الشرقي اليوم، وعندما اقول الشرقي اعني به العربي المسلم، ولا ينطبق على شرقي مثل الياباني الذي بهر العالم برقي قوله وفعله، واليابانيون هم اصحاب المقولة المشهورة: اخلاق الشرق وعلوم الغرب. اعود فأقول هل تريد ان تكون مثقفا؟ اذا قلت نعم فعليك بالآتي: 1 ـ لا تدّعِ ما لست تفعله. 2 ـ لا تخالف النظام وأنت تضعه. 3 ـ لا تذكر عيوب الآخرين وانت من فرط رأسك إلى اخمص قدميك عيوب. 4 ـ لا تتمن النجاح والانتصار وانت متصف بالكسل. 5 ـ لا تدّع العلم وأنت لا تقرأ ولا تستمع إلى من يقرأ. 6 ـ لا تفتخر بماضيك، وأنت قد ضيعته وضيعت حاضرك ومستقبلك. 7 ـ لا تفتخر بأموالك وانت لا تعرف كيف تستثمرها. 8 ـ لا تتكبر على أحد وانت لا فضل لك فيما تلبسه أو تأكله أو تسكنه سوى انك مستهلك فقط. 9 ـ لاتدع الصلاح، وعبادتك مظاهر في مظاهر، وقد قال الشاعر: قالوا فلان جيد فأجبتهم لاتكذبوا ما في البرية جيد فغنيهم نال الغناء بفقره وفقيرهم بصلاته يتصيد 10 ـ لا تطمع في الجنة وانت تجاهر بالمعاصي، لان الحديث يقول: المصرّ على الذنب كالمستهتر بربه. هذه الامور العشرة عبارة عن محطات ومواقف يمكن ان تتعرف من خلالها الى نفسك، وعندئذ يحق لك ان تحكم بأنك مثقف أم غير مثقف، حضاري أم غير حضاري. ذلك ان الانسان المثقف الحضاري هو الذي يوافق قوله فعله، ويتقيد بالنظام ولا يخالفه، وينشغل بعيوب نفسه ولا ينتقص من الآخرين، ويجتهد لينجح، ويناضل لينتصر، ويقرأ ويستمع الى الأعلم منه ليزداد علما، ويعتز بماضيه بتطوير حاضره، وتأمين مستقبله، ويتخذ المال وسيلة لاستثمار الحياة، ويتواضع كلما اسهم في جانب من جوانب الحياة شكراً لله، ويخلص في عبادته ويخضع، ويعتبر كل اعماله عبادة ما دامت ترضي الله، ويعيش بين الرجاء والخوف ليقينه بأنه عن قليل سوف يفارق الحياة. إذا عشت بهذه الكيفية، وبهذا المفهوم عن الحياة من حولك فانت مثقف، والا فانت مغرور مخدوع، أليس كذلك.