في يوم السبت الموافق 4/5/2002، وبعد عطلة الخميس والجمعة الهادئة وقف معالي الدكتور علي عبدالعزيز الشرهان أمام وكلاء الوزارة ومديري الادارات أعضاء اللجنة العليا، لتطوير التعليم الأساسي والثانوي ، وجمع غفير من ممثلي جامعات الدولة والمناطق التعليمية ورجال الصحافة، ليقول أين نحن الآن من العملية التعليمية؟ ـ وقف وقفة من ينتقل من خطة خمسية الى خمسية أخرى، ومن مرحلة الى مرحلة اخرى ليعلن عما انجزه عبر السنوات الخمس، ما ينبغي ان ينجز فيما بعد الخمس. ـ أعلن عن انجاز وثيقة تطوير التعليم الأساسي والثانوي في دولة الامارات التي ظهرت بعد اجتماعات ولقاءات مضنية. ـ بيّن في هذا اللقاء ان النقلة يجب ان تكون نوعية وجادة وجديرة بالاهتمام، ولاسيما انها تأتي بعد ثلاثين سنة من عمر الوزارة، وعمر هذا النمط من التعليم. ـ إن المرحلة الجديدة يجب ان تعرف بمرحلة نقل التعليم من المعلم الى المتعلم، إذ لن يبقى المتعلم متلقياً بعد اليوم، ولن يبقى المعلم ملقناً بعد اليوم. فالطالب يجب ان يدرب على أسلوب التعلم الذاتي، والمعلم يجب ان يلعب دور الموجه والمرشد فقط. ـ ثم تحدث عن الوسائل التي يجب ان توفرها الوزارة للطالب والمناشط التي يجب ان تحل محل الكتاب فقال: ان العصر لم يعد يحتمل هذا الكم من الطلاب الذين يحفظون الكتاب ولكنهم لا يفهمونه، والسبب انهم يدرسون ما لا يطبقونه في حياتهم العملية، ويحفظون ما لا يفهمونه. والدولة لن تستفيد من الانفاق على التعليم إذا لم يكن للتعليم مردود ايجابي، وهو يتمثل في هؤلاء الخريجين الذين يسمون بمخرجات التعليم. ـ إذ لابد ان تتغير وسائل التعليم حتى تتناسب مع المستجدات والمتغيرات في الساحة، فالسبورة والطبشورة والكتب المصفوفة في المكتبات المدرسية ما هي إلا وسائل بالية بمقارنتها بالوسائل الحديثة. والمطلوب اليوم من الطالب ان يدخل عالم الانترنت من أوسع أبوابه ويدرس ويذاكر ويمتحن من خلال الحواسيب والدسكات لا من خلال الكراسات. والمكتبات يجب ان تحل محلها غرف المصادر الحديثة التي تشمل على أقراص مرنة لا مجلدات كتب من عهود سحيقة. ـ إذا أردنا ان نطور أساليب التعليم والتدريس فلابد ان نغادر جدران الفصول الى رحاب الحدائق والمصانع والحقول، حيث يمارس الطالب نشاطه الذهني في الهواء الطلق وبين الطبيعة الغناء. ـ ثم بعد ذلك إذا أردنا ان نطور أساليب القياس والتقويم فلابد ان نختبر ذكاء الطالب وميوله وقدراته من خلال متابعته وهو يكتشف نفسه ومواهبه، لا ان نعطيه الكتاب ليحفظه عن ظهر قلب ثم يسمعنا اياه فكأننا جئنا لنختبر مدى قدرته على الحفظ. ـ نعم.. في يوم من الأيام كان ذلك الاسلوب مطلوبا، لكن اليوم تغير الكون من حولنا وأصبح الحديد يتكلم والقمر يناجينا وأغصان الشجر تدغدغ أحاسيسنا وأفكارنا لتخبرنا هل نفهم لغتها أم لا؟ ـ إذن لابد ان ننتقل من مرحلة جمع الشهادات الى مرحلة رصد الكفايات. فالطالب في السادس الابتدائي لا يكفي ان ينهي منهج السادس، بل لابد ان يتقن القراءة والكتابة ومباديء الرياضيات، وفي نهاية المرحلة الثانوية لابد ان يكون الطالب قادراً على التعبير عما له وعما عليه بكل وضوح، لأنه سيصبح مطالباً بالاسهام في العملية التعليمية، لم يبق متلقناً فحسب. ـ ولكي لا نحبط طلابنا أكثر من هذا لابد ان نلغي مصطلح راسب، فالراسل رديف الفاشل وكيف نحكم عليه بالفشل؟ هل لأننا قدمنا له بضعة أسئلة تعجيزية فحكمنا عليه بالفشل؟ ثم سميناه راسباً، وكأن الامتحان كان وسيلة تأديب ومعاقبة لا وسيلة تقييم ومتابعة. ـ ثم تحدث معالي الوزير عن دور المعلم فقال انه بامكانه ان يحبب العلم الى الطالب، وبامكانه أن يكرهه اليه أيضا. ولعل الاسلوب الذي يتبعه المعلم اليوم هو أسلوب منفر يجب التخلص منه والتوجيه يتحمل جزءا من مسئولية تطوير أداء المعلم، لأنه هو الربان الموجه. ـ ولكي نفعّل دور المعلم لابد ان نوفر له الامكانات المطلوبة من المناهج المرنة والوسائل الحديثة، ثم نطلق يده لكي يبدع ويبتكر لا أن نفرض عليه كماً وكيفاً معينين في حين ان الأجدى غير ذلك. ـ أما ما نطلبه نحن اليوم من المعلم ان يرصد الدرجات ويسمي هذا ناجحاً، وذاك راسباً، فذلك غير صحيح، لأن المطلوب ان يصل بطلابه الى درجة الفهم والاتقان وإلا ما فائدة النجاح في على الورق إذا كان فاشلاً في حياته العملية؟ ـ ولكي نخفف على المعلم والمتعلم يجب ألا نكثر من الامتحانات، بل التقويم المستمر،وقد اتصف السلم التعليمي الجديد بهذه المرونة فعلاً، حيث انه تغير من المراحل الى المستويات، والطالب ينتقل من صف الى صف بالتقويم لا بالامتحان بمفهومه القديم، وبالمناسبة فإن الامتحان وسيلة من وسائل القياس، لذلك فإننا لم نلغه، بل نستخدمه في اثناء التقويم وفي نهاية كل مستوى لكن بمفهومه الجديد. ـ كما ان المرحلة الثانية عبارة عن سنوات تكمل بعضها بعضا بشكل تراكمي، ولن يكون هناك تشعيب واختيار إلا في الصف الثاني عشر، والهدف من ذلك تزويد الطالب بأساسيات العلم والمعرفة، وتأهيله للمستقبل المعتمد على التكنولوجيا والمعارف العامة والخبرات المعملية والمخبرية. ـ إذن يجب ان نضع في حسباننا ان لكل طالب مرحلة ما يميزها، وللطالب جوانب متعددة: بيئية، وطنية، أخلاقية، اثرائية، دينية، اجتماعية، فلا نلغي هذه الفوارق ولا نتخذها عوائق في طريق التعليم. ونؤكد بأن الطالب إذا لم يتفاعل مع الحياة الميدانية فإنه لن يكسب الخبرات والمعارف اللازمة. ثم أشار الى أهمية دور التربية قبل التعليم، والتربية لن تكون بالعصا لأننا نحتاج الى شخصيات تمتهن الفضائل لا تحفظها حفظا نابعاً من الخوف. ـ وقال معاليه بأن من المهم ان نعزز في الطالب صفة الولاء والانتماء وحب الخير والولاء يعني الاخلاص والعمل والاتقان. وإن المدرسة والبيت بامكانهما ان يشجعا الطالب على العمل النافع من خلال القدوة الحسنة، والمجالس الطلابية واحترام الآراء وتبادل الأفكار. وذكر بأن في الميدان مدارس تصلح ان تكون نماذج حية للبيئة الصالحة والتربية الراقية. ـ وأقول انه أعطى صورة نظرية صادقة عن وثيقة التعليم التي تضمنت بين ثناياها أهداف التعليم ومراحل تطويره، واللجان المشكلة للأغراض المختلفة والغايات المرجوة منها. ـ إن الوثيقة اليوم تستجدي الوزارة زمناً ليس بالطويل لكي تنفذ بنودها، وهذه المرحلة هي من أشد مراحل الرؤية 2020 حيث تتراكم المشاريع والبرامج على رأس الوزارة والصيف يدق طبول الاجازات على الأبواب. يا ترى كيف يتحقق هذا الحلم التربوي الجميل الذي ننتظر ترجمته الى حقيقة ملموسة، إننا أمام تحد كبير.. أليس كذلك؟!