في نهاية كل عام دراسي وبالتحديد في الفترة التي تستعد الوزارة لتشكيل قرار مقدري الدرجات في الشهادات العامة ينتشر فيروس عرف بعد الاكتشاف باسم فيروس الامتحانات. هذا الفيروس الوبائي منتشر في مناطق الدولة كلها، ويتواجد في المدارس الثانوية، ويتخذ من مدرسي ومدرسات المرحلة الثانوية مقراً لانتشاره. حاولت الوزارة ان تقضي عليه، لكن يبدو انه متأصل في نفوس الهيئة التعليمية ومن ثم فإنهم يعالجون كل عام، وتعطى جرعات مهدئة لأصحابه في حينه، لكنه يظهر من جديد في العام الذي يليه، وفي الوقت نفسه. من خلال نتيجة العينات التي خضعت للدراسة والبحث في الاعوام السابقة اتضح انه وباء يشبه اي وباء، لكنه غير قاتل، وانما يضعف الهمة والرغبة في العمل لدى الشخص المصاب، ويجعل صاحبه يشعر بالجزع والهلع والصداع، والحاجة الى الخروج من مقر العمل كلما فكر فيه. الفيروس الامتحاني لا يصيب اولياء امور الطلاب ولا الطلاب، وانما يصيب المعلمين والمعلمات وبعض اعضاء الهيئة الادارية في المدارس. وبالمناسبة هو يصيب المواطنات والمواطنين اكثر، نظراً لعدم وجود المناعة عندهم. اذن نحن امام مشكلة مزمنة، والمشاكل المزمنة لا تحل الا بالاصرار والجد والحزم والعزم والتغلب على العواطف والمصالح الشخصية. اما المناعة فلا تكتسب الا بالقناعة، وانني ارى ان هذا الفيروس سببه نفسي اكثر من ان يكون عضوياً. لذلك فإنه من الضروري ان يقتنع المعلم مواطناً كان ام وافداً بالمسلمات التالية: 1ـ العام الدراسي يبدأ مع بداية سبتمبر، وينتهي مع الانتهاء من اعمال الشهادات العامة، وليس مع انتهاء شهر ابريل. 2 ـ المعلم ملك للوزارة ولها الانتفاع به في هذه الفترة، في اي موقع شاءت. 3 ـ تقدير درجات المادة جزء من تدريس المادة، ومن ثم لا ينتهي دور المعلم بانتهاء تدريس المنهج المقرر. 4 ـ مدرسو الصف الثالث الثانوي احرى بتقدير درجات المادة، واذا لم يكن العدد كافياً وجب على مدرسي الصف الثاني ثم الصف الاول الثانوي القيام بتقدير الدرجات اذ لا يعقل ان يستعان بمدرسي المرحلة الاعدادية، ولا بفريق من وزارة الاشغال او الداخلية مثلاً، لأننا لا سلطان لنا على غيرنا، وعملنا يحتاج الى الاختصاصيين. 5 ـ لا فرق في عمل تقدير الدرجات بين المواطن والوافد، اذ ان الكل موظفون لدى الوزارة. 6 ـ لا فرق بين المعلم والمعلمة ما داما يدرسان في هذه المرحلة، شريطة ألا يكون المعلم والمعلمة زوجين، اذ لو كانا زوجين أعفي احدهما من باب الانسانية ليتفرغ للأولاد. 7 ـ قد يعفى المعلم او المعلمة بناء على ظرف تقتنع به ادارة الخدمات التربوية مثل ان يكون المعلم منتدباً للدراسة خارج الدولة، ومعه ما يثبت ذلك. او يكون مريضاً لا يستطيع مغادرة الفراش، او يكون في اجازة سنوية او تكون المعلمة في اجازة وضع. او يكون عند المعلم مانع امتحاني كأن يكون ابنه او ابنته ضمن المتقدمين للثانوية العامة في الفرع الذي هو مكلف فيه بالتقدير كالأدبي او العلمي مثلاً. اقول لكن الملاحظ ان هناك فئة كبيرة من المعلمات والمعلمين لديهم حساسية وقابلية لتتقبل هذا الفيروس الامتحاني. لذلك نجدهم طول العام الدراسي يداومون في مدارسهم بانتظام، ويخافون من يوم انقطاع اذ ربما يترتب عليه قطع راتب او محاسبة قانونية. لكنهم يجلسون يفكرون ليلاً ونهاراً في تدابير مخرج للتخلص من عمل تقدير الدرجات في نهاية العام، وربما التخلص من المراقبة والملاحظة في لجان سير الامتحانات ايضاً. تكثر هذه الحساسية في مدارس الاناث اكثر، مما يجعلهن يتصنعن العجز بسبب الحمل او المرض، وقد يحصلن على تقارير طبية مفصلة على المكان والزمان لدرجة ان بعضهن او بعضهم يحددون موعداً لاجراء عملية جراحية مثلاً في اليوم الذي هو محدد لتقدير درجات مادته، مما يدل على ان هناك سبق اصرار على التخلص من العمل. وفي الاعوام الماضية وجدنا بعضهم وضع يده في الجبس ليبرر انه غير قادر، واكتشف فيما بعد انه كان تصنعاً. مثل هذه التصرفات لا شك انها تجعل الوزارة في حيرة، وربما تؤدي الى عدم تصديق اصحاب الاعذار الصادقين منهم، فيظلمون «بضم الياء» بسبب هؤلاء المتقاعسين عن العمل، وقد صدق الشاعر اذ يقول: كذبت ومن يكذب فإن جزاءه إذا ما أتى بالصدق أن لا يصدقا هذا وانني اقدم شكري وتقديري للمعلمين الأفاضل والمعلمات الفضليات الذين يتفانون في خدمة الوطن والعمل، ويؤدون عملهم بإخلاص ويبقون في خنادقهم حتى آخر دقيقة من عملهم. هؤلاء المخلصين ليس لهم جزاء الا الجنة، اما ما تقدمه لهم الوزارة من مكافأة رمزية لا توفر له بترول سيارته فإنها ليست الا جهد المقل. وانني اهمس في اذن كل مخلص فأقول: ولد المخلص قبل ان تولد المكافأة، وتموت المكافأة ولكن لا يموت الاخلاص، فلنتكاتف جميعاً في سبيل النهوض بهذا المجتمع الذي تكالبت عليه الاعداء من كل صوب. انه المجتمع العربي الذي يشكو من التفرق والتمزق، وما ساد التفرق والتمزق مجتمعا الا وكبده خسائر مادية وبشرية وقيمية، لأن الجهل يسوده، وقديما قالوا: العلم يرفع بيتاً لا عماد له والجهل يهدم بيت العز والشرف نعم..!! واليوم كثر المدعون للعلم، والمدعون للوطنية، «فتراهم يكثرون عند الطمع ويقلون عند الفزع» كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكم كنت اتمنى ان يسهر الجميع على العمل والعطاء على ربوع هذا الوطن، كما سهر الوطن على البذل والانفاق الى ان نبت الزرع، واشتد عوده، وطاب الثمر. اننا اليوم اذا لم نحم هذا الثمر وهذا الشجر او الزرع فإن آفة سماوية او ارضية تأكلنا قبل ان تأكل الزرع والثمر، وعندئذ نقف نقلب كفينا، ولات ساعة مندم، أليس كذلك؟؟