لاشك أن العمل الاجتماعي التطوعي قديم قدم الانسان نفسه ولكنه أخذ العديد من الصور والكثير من الاشكال والطرق التي يؤديها وكان للعرب باع طويل في هذا المجال فرغم الصراعات والحروب الطاحنة ، التي كانت سائده بين القبائل الا ان الشهامة والشجاعة في انقاذ المصاب واغاثة الملهوف والاخذ بيد الضعيف كانت من الصفات النبيلة التي يتمتع بها العرب في ذاك الزمان حتى جاء الاسلام ليؤكد على هذه المعاني ويعلي من شأنها وغدا التعاون والتكافل سمة تتمتع بها الشعوب العربية والاسلامية في كل مكان. ولكن التطورات الحضارية والتغيرات الاقتصادية ألقت بظلالها على الصفات الاجتماعية التي نتمتع بها فبدأت تأخذ طريقها نحو الضياع والنسيان في الوقت الذي سعى فيه الغرب الى نقل العمل التطوعي اليهم وعملوا على تنظيمه وتطويره بدأنا نحن نفتقده حتى غدا من ذكريات الماضي الا ان الجهود التي تبذلها الدولة والاحداث الجارية حركت الدماء في الأجساد وأعادت لنا الشعور بقيمة وأهمية العمل التطوعي حول أهمية التطوع ودوره في دعم مسيرة الوطن التقت «البيان» عدداً من المتخصصين والمتطوعين للاطلاع على العقبات التي تواجه التطوع واسباب عزوف المواطنين عنه خلال الفترة الماضية. يقول عبدالله أبو شهاب الوكيل المساعد بوزارة العمل والشئون الاجتماعية ان العمل التطوعي بدولة الامارات ليس وليد اليوم أو الامس وانما بدأ مع البدايات الاولى لنشأة المجتمع ففي الماضي كان البحر هو مصدر الرزق الوحيد لجميع الناس حكاماً ومحكومين فكانت التجارة محدودة والنفط معدوماً وخلقت هذه الحياة نوعاً من التقارب والتعاون بين الناس فعندما تصاب احدى السفن بأي اضرار او تتعرض للغرق يهب الجميع لانقاذها ويقدموا يد العون والمساعدة لاصاحبها وبذلك كان العمل التطوعي بمثابة تأمين شامل لكافة الاضرار التي يتعرض لها أحدهم على أن العمل التطوعي بدأ يأخذ اشكالاً مغايرة في العصر الحديث فبدأ الغرب يوليه الاهتمام والرعاية ويضع له قواعد وقوانين من أجل تنظيمه والارتقاء به ولاشك ان اهتمام الغرب بتنظيم التطوع يرجع على فقدانهم للكثير من الصفات الفطرية والروابط الانسانية التي نتمتع بها نحن اهل الشرق بعامة والمسلمين بخاصة، فالتطوع جزء لا يتجزأ من السلوك الحضاري والاسلامي وقد جاء القرآن الكريم بالكثير من الآيات التي تؤكد وتحث المسلمين على مساعدة المحتاج والأخذ بيد الضعيف. ويواصل أبو شهاب حديثه بحرص صاحب السمو رئيس الدولة على الاهتمام بالتطوع منذ البداية الاولى لاقامة الاتحاد نعمل على وضع قانون جمعيات النفع العام لتنظيم هذا العمل، التي بدأت تأخذ من العلوم الحديثة وتطور من نفسها ولكن يظل لكل مجتمع خصوصياته لذلك يجب الا نسعى الى تقليد الآخرين وانما يجب علينا ان ننهل من ما يحتويه الانسان العربي من صفات نبيلة تحث على التطوع والقرآن الكريم الذي يؤكد ذلك، لذلك لابد ان نقوم بتعليم هذه الصفات الى اطفالنا منذ الصغر حتى يشب الطفل وتم غرس هذه الصفات بداخله. كما تقوم وزارة العمل والشئون الاجتماعية بدورها في مساعدة الجمعيات ذات النفع العام وتشجيع المواطنين على التطوع فأصبحت تحرص على المشاركة في كافة الانشطة والمؤتمرات والندوات الداعية إلى ذلك ايمانا منها بأهمية التطوع وضرورة انتشاره بين الناس ويؤكد وكيل الوزارة المساعد أن العمل التطوعي الفردي مازال ذا تأثير فعال أقوى من تأثير الكثير من الجمعيات فهناك الكثير من افراد المجتمع اصبحوا بمثابة علامات مميزة من خلال جهودهم التطوعية ودعمهم المستمر لافعال الخير ومساعدة الآخرين وقد أظهرت الاحداث التي يتعرض لها اهلنا في فلسطين قيمة العمل التطوعي واهميته، وحركت لدى الناس الاحساس المجدي لهذا العمل وكان شعب الامارات من اكثر الشعوب الداعمة من خلال جهودهم التطوعية بالاشكال المختلفة ولكن يظل العمل التطوعي في حاجة الى مزيد من الاهتمام والرعاية والتطور والتفاعل على الاحداث والقضايا التي تهم المجتمع. الشعور بقيمة التطوع ويقول حميد القطامي رئيس مجلس ادارة جمعية المتطوعين ان العمل التطوعي يشهد تطوراً كبيراً خلال الفترة الحالية بعدما اصابه الفتور خلال السنوات الماضية حيث بدأ الناس يشعرون بأهمية العمل التطوعي ويدركون ابعاده واحتياج المجتمع إليه فبدأت الجمعيات ذات النفع العام تقدم مجموعة من البرامج والانشطة لجذب الناس اليها ورغم قلة عدد الاعضاء المنضمين إلى الجمعيات والاعضاء الفاعلين من بينهم الا ان الملاحظ ان هناك تطوراً يطرأ على هذا العمل. ويؤكد القطامي ان عزوف المواطنين عن العمل التطوعي يرجع الى قلة الوعي والادراك بقيمة التطوع كذلك عدم الشعور الكامل بالمسئولية تجاه مساعدة الاخرين كما ان العديد من الجمعيات لا تقوم على الدور المنوط بها تجاه قضايا واهتمامات المجتمع على العكس من ذلك نجد بعض الجمعيات ذات فاعلية وتأثير كبير وكان لهذه الجمعيات أكبر الأثر في جعل باقي الجمعيات تخطو خطوتها مما خلق نوعاً من التنافس بين الجمعيات وخاصة بعد مكرمة صاحب السمو الشيخ د. سلطان بن محمد القاسمي بتوفير مقرات للجمعيات قريبة من بعضها على قناة القصباء بالشارقة. ورغم هذا الاهتمام إلا أن الجهود الذاتية تجاه العمل التطوعي مازالت دون المستوى وخاصة ان التطوع يحتاج الى امكانيات مادية لتنفيذ الانشطة والمشاريع وتعتبر الناحية المادية احد العوائق التي تحول دون تطور الجمعيات ويواصل رئيس مجلس ادارة جمعية المتطوعين ان العمل التطوعي موجود لدى الناس بالفطرة ولكنه في حاجة الى رعاية واهتمام وتنسيق لتنطيم هذه الجهود وسوف يكون هذا الوعي أكثر وافضل تنظيماً واكثر اقبالاً إذا تم تكليف الوعي بين الناس وخاصة بين طلاب المدارس لخلق جيل قادر على القيام بهذا العمل ولديه الاستعداد النفسي والفطري للمشاركة بقضايا المجتمع كما يجب زيادة الندوات والمحاضرات التي تدعو الى زيادة الوعي والاهتمام بأهمية العمل التطوعي. التطوع فطري لدى المواطنين ومن جانبه يقول عبدالرحمن السوقي مدير ادارة جمعيات النفع العام ان العمل الاجتماعي التطوعي غريزة اساسية في وجدان الانسان العربي فالشهامة والرجولة ومساعده المحتاج واغاثة الملهوف صفات اساسية يتمتع بها الانسان العربي منذ قديم الزمن ولكن تطور الحياة والانتقال من الحياة البسيطة الى الحياة المركبة التي فرضتها المدنية الحديثة والتطور الاقتصادي السريع لم تترك للانسان فرصة لممارسة الاعمال التطوعية الفطرية التي كان يقوم بها في السابق وذلك نتيجة لزيادة المتطلبات الحياتية التي اصبحت تسرق من الانسان وقته وجهده فقد طغت التحولات الاقتصادية على حياتنا مما ادى الى عزوف الكثير من الناس عن القيام بالعمل التطوعي. ويضيف السوقى ان جمعيات النفع العام قامت على اساس المشاركة بفعالية في الحياة الاجتماعية لدعم مسيرة الوطن عن طريق مشاركة ابنائه من خلال جمعيات منظمة تعمل وفقا لقوانين الدولة لذلك سعى الكثير من مجالس ادارة الجمعيات من خلال الحس الوطني الذي يتمتعون به وايمانهم بأهمية العمل التطوعي على تنوع الانشطة التي تقوم بها الجمعيات لجذب مزيد من الاعضاء للمشاركة بفعالية في قضايا الوطن واحتياجاته المختلفة. كما ان الجمعيات في حاجة ماسة الى جهود كل فرد في الوطن مهما زاد عدد اعضائها للارتقاء بالعمل التطوعي ودعم مسيرة البناء والتقدم والتعاون بين المواطنين في الوقت نفسه تسعى وزارة العمل والشئون الاجتماعية لدعم العمل التطوعي من خلال التنسيق مع الجمعيات وتقديم المساعدات المادية التي تعين الجمعيات على ممارسة دورها بفعالية وخاصة ان العمل التطوعي اصبح يتطلب المزيد من الاموال للانفاق عليه ويعتبر ذلك من اهم الاسباب التي ادت الى عزوف المواطنين عن العمل التطوعي. ويؤكد مدير ادارة الجمعيات ذات النفع العام ان الوزارة تحرص على تبني الجمعيات التي تقدم انشطة مفيدة للمجتمع مثل جمعية لتقنية المعلومات وغيرها من الجمعيات التي تتوافق اهدافها مع التطورات الحديثة التي اصبحت تفرض نفسها على الجميع بحيث تتولى هذه الجمعيات تعليم وتثقيف المواطنين وتشجيعهم على الالتحاق بالركب التكنولوجي وخاصة محدودي التعليم. تأهيل الطلبة للعمل التطوعي ويقول احمد عبدالله حارب مدير ادارة مراكز التنمية الاجتماعية بوزارة العمل والشئون الاجتماعية ان التنشئة الاجتماعية خلال الفترة الماضية لم تركز على اهمية العمل التطوعي منذ المراحل العمرية الاولى وخاصة الجيل الحالي من ابناء دولة الامارات الذين ترعرعوا وهم يتمتعون بتوفير كافة الاحتياجات دون عناء مما افقدهم الوعي بقيمة واهمية العمل التطوعي وقد بدأ الاعتماد على الغير من المنزل وثم الشارع مروراً بالمدرسة، فالانشطة الاجتماعية داخلها محدودة ان لم تكن معدومة مما افرز لنا جيلا من الطلاب لا يعرف الاعتماد على النفس وانما يعتمد على الغير في تلبية كل احتياجاته. كما ان التركيبة السكانية للمجتمع المتعدد الاجناس والمتباين الثقافات والمكتظ بوفرة كبيرة في العمالة الوافدة التي اقبل المواطنون على الاعتماد عليها بشكل كلي في القيام بكافة الاعمال أدت الى التجاهل والبعد عن ممارسة العمل التطوعي. ويضيف: رغم ايماننا بالصفات الحميدة التي يتمتع بها المواطن الا ان هذه الاجواء التي عاشها جعلت منه انسانا اتكاليا يعتمد على الدولة والغير في توفير كافة احتياجاته مما ادى الى عدم غرس العمل التطوعي بداخله منذ البداية وبالرغم من اهمية قيام الدولة بواجباتها لتوفير احتياجات المواطنين الا انه لم يكن هناك خط آخر من قبل المواطنين انفسهم يتوازى مع دور الدولة ويشجع على ممارسة العمل التطوعي وانما انحصرت جميع الاعمال التطوعية بحالات فردية قليلة يقوم بها المؤمنون بأهمية هذا العمل ودوره في بناء المجتمع وتقدمه. كما كان لسرعة التغيرات الاجتماعية والتطورات الحضارية ودخول ثقافات عديدة إلى ارض الوطن دور مهم في غض الطرف عن العمل التطوعي فالمرأة في منزلها اصبحت توكل تربية ابنائها الى الغير كذلك الامر بالنسبة لباقي الاعمال في المجتمع ويواصل مدير ادارة مراكز التنمية ان حاجة الوطن للعمل التطوعي ادت الى صدور عدد من القوانين التي تأخذ بفكرة احياء هذا العمل وعودة الروح فيه من جديد الا ان انتشاره وايمان الناس به يحتاجون الى الكثير من الوقت والجهد وفي هذا الاطار تقوم مراكز التنمية بدور حيوي وفعال فمن بين برامجها زيارة الاسر وتعريفهم بالعمل الاجتماعي ودعوتهم للمشاركة في تنمية وتطوير أحيائهم السكانية كذلك تقوم المراكز بنشر فكرة الاسر المنتجة كذلك تعمل على تفعيل برنامج (تنمية ومشاركة) الذي بدأ يشارك فيه المتطوعون بنسبة تزيد على 70%. ويؤكد ان العمل الاجتماعي التطوعي يختلف من مكان لآخر فالمجتمعات الريفية مازالت تقوم بالكثير من الاعمال التطوعية بالمقارنة بمجتمع المدنية ذابت فيه تلك الاعمال امام التيارات الاقتصادية الطاحنة كما ان دعوة الطلاب والخريجين الجدد بالتوجه نحو العمل التطوعي فترة من الوقت لاكسابهم الخبرة ينمي لديهم الشعور الوطني والاهتمام بقضايا الوطن ومن ثم المشاركة بفعالية من خلال العمل التطوعي ولكن يبقى هذا العمل في حاجة الى مزيد من التوعية والتوجيه منذ الصغر بل يجب ان يكون التطوع احدى المواد الدراسية التي يتلقاها الطلاب في المدارس حتى يعرفوا قيمته وكيفية المشاركة به. يحتاج مزيداً من التوعية ويقول ابراهيم العوضي مسئول العلاقات العامة بجمعية الامارات للفنون التشكيلية ان العمل التطوعي قديم قدم الانسان على هذه الارض فالحياة القاسية في دولة الامارات قبل ظهور البترول وما كان يتعرض له الانسان في هذه البيئة القاحلة من متاعب وألم فرضت عليه حالة من السعي نحو التعاون والتكافل وتقديم المساعدة للمحتاج لما يحمله الانسان العربي من صفات حميدة رغم قسوة الحياة وبذلك كان هذا التعاون لمساعدة الآخرين احد اهم الاعمال التطوعية التي عرفها الانسان الاماراتي منذ زمن بعيد ثم تطور العمل التطوعي مع قيام دولة الاتحاد ليأخذ شكلا منظما يتناسب مع بناء دولة عصرية تقوم على المؤسسات والقوانين فكان صدور قانون الجمعيات ذات النفع العام سنة 1974 الذي ينظم العمل التطوعي في اطار القوانين والاعراف التي تقوم عليها الدولة حتى وصل عدد الجمعيات الى مايزيد على 114 جمعية ذات اغراض واهداف اجتماعية سامية. ويضيف العوضي ان هذا العدد الكبير من الجمعيات ذات النفع العام يشير الى حيوية هذا المجتمع والايثار وحب المساعدة الذي يتم به العمل التطوعي الذي يصهر الالاف من ابناء الامارات في بوتقة هذه الجمعيات للمشاركة بفعالية اكثر من تنمية ونهضة المجتمع، لذلك لايمكن ان نتحدث عن عزوف المواطنين عن العمل التطوعي نتيجة لما نشاهده من انشطة اجتماعية متعددة تقوم بها الجمعيات الثقافية والتراثية التي اصبح لها دور بارز وملحوظ في الاهتمام بالانشطة الثقافية والتراثية كذلك الجمعيات النسائية والخيرية التي اصبحت تؤدى دورها بفعالية.ولكن يمكن القول ان مجتمع الامارات محدود العدد لذا فان المشاركة في الانشطة تكون باعداد قليلة ولكن هذه الانشطة خير تعبير عن حرص المواطنين على التضحية باوقاتهم وجهودهم في سبيل القيام بالعمل التطوعي الذي يعود بالمنفعة على الوطن والمواطن في آن واحد فعلى سبيل المثال نحن في جمعية الامارات للفنون التشكيلية حرصنا على اقامة العديد من المعارض داخل الدولة وخارجها لتقديم فنون الامارات الى العالم دون انتظار لعملية الربح كما ساهمت في تدريس الفن التشكيلي للمسجونين لتعليمهم حرفة الرسم وساهمنا في كثير من الانشطة والفعاليات مع الجمعيات الآخرى كان آخرها مع جمعية الصحفيين برسومات معبرة عن الآلم والاحداث الهمجية التي تقوم بها قوات الاحتلال الصهيوني ضد اخواننا في فلسطين لذلك فانت اعتقد ان العمل التطوعي الاجتماعي في دولة الامارات يسير في خط نحو الطريق الصحيح وان كان لايزال يحتاج الى مزيد من التوعية بأهميته وخاصة بالنسبة للأجيال الجديدة