أكد الوزير جيرالد كوفمن عضو البرلمان البريطاني المحافظ ورئيس اللجنة المنتخبة لمجلس العموم للثقافة والاعلام، ان الحل الممكن والوحيد للصراع العربي ـ الاسرائيلي، هو انشاء دولة فلسطينية وانسحاب اسرائيل من المستوطنات غير الشرعية في الاراضي الفلسطينية المحتلة، معتبرا ذلك الاهداف المنطقية والمعقولة اللائقة. جاء ذلك خلال المحاضرة التي ألقاها مطلع الاسبوع الجاري في مركز زايد للتنسيق والمتابعة بعنوان «الدين كعامل في الصراع الدولي»، والتي استنكر فيها الصمت الدولي ازاء ما يحدث في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وقال انه بكل القسوة ومع ان المذابح دائما ما تثير قدرا من الاهتمام، الا ان عدد الضحايا خلال الشهور الماضية لا يرقى الى الاعداد الكبيرة حسب المعايير الدولية. واعتبر كوفمن ان القدس هي المدينة التي يعتبرها المسيحيون اقدس مكان في العالم لدينهم.. وقال انه ومع ان بعض القادة الفلسطينيين ينتمون الى الدين المسيحي الا ان هذه المواجهة تعتبر مواجهة بين اليهود والمسلمين.. وان الصراع العربي الاسلامي مع اسرائيل يمثل القرح الكبير والمستمر على مستوى الصراعات الدولية التي تقوم على اساس الدين.. واضاف ان هذه الارض المقدسة قد أثارت بالطبع حروبا لم يسبق لها ان قامت في مثل هذه القطعة الصغيرة من الارض وكانت اكبر حرب دينية في التاريخ البشري هي الحروب الصليبية التي كانت سلسلة من المعارك القائمة على كلمة الصليب، وكانت مواجهة بين المسيحية والاسلام خسرها المسيحيون، وعاش العرب واليهود معا في وفاق تام في الارض المقدسة الى ان قامت الهجرة الصهيونية والتي يطلق عليها الصهيونيون كلمة «العودة» في اواخر القرن التاسع عشر، وشعر العرب بأن لهم الحق ـ والعدل في جانبهم ـ ان يرفضوا قرار الامم المتحدة باقامة دولة يهودية في فلسطين المقسمة عام 1947، ولم تكن سوى السياسات الامريكية الداخلية اضافة الى التفسيرات الذاتية من جانب الاتحاد السوفييتي بضرورة الاستفادة من ذلك الوقت هي التي كانت وراء قيام دولة اسرائيل. ونتيجة لوجود وقيام هذه الدولة اندلعت اعمال العنف المتواصلة «نتيجة اعمال ارهابية قامت بها جماعات يهودية متطرفة بقيادة اثنين من رؤساء الوزراء الاسرائيليين فيما بعد»، فقد ادى الامر الى اشتعال سلسلة من الحروب، وكانت حرب عام 1967 حاسمة حيث أدت الى احتلال اسرائيل للضفة الغربية وغزة، ثم تلا ذلك حرب اكتوبر 73، غير ان نتائج حرب 67 لاتزال قائمة حتى اليوم وتمثل مصدراً لقلق وتمزق دولي هائل. واشار كوفمن الى ان ما يجعل المواجهة الفلسطينية ـ الاسرائيلية مثاراً للاهتمام الدولي بين هؤلاء الخصوم الذين يبلغ عددهم مجتمعين اقل بكثير من 1% من عدد سكان الهند ـ ليس النفط فقط على الرغم من ان صدمة النفط التي واكبت حرب 73 كانت حادثاً صاعقاً لم يتمكن الاقتصاد العالمي التخلص من آثاره الا بعد عشرات السنين، ولكنه البعد الديني. وبالتأكيد فإن اية اهانة دينية تعكس اصداء هائلة الحجم في هذه المنطقة بالذات، فعندما فتحت اسرائيل نفقاً تحت المسجد الاقصى لتقوم بحفريات اثرية، كان خوف المسلمين من تدنيس المكان الذي تقع عليه قبة الصخرة المقدسة هائلاً وعظيماً لدرجة جعلت شخصاً معتداً بنفسه مثل بنيامين نتانياهو ينسحب، وفي نفس الاتجاه وعلى الرغم من ان الكثيرين قالوا ان انتفاضة ثانية قائمة لا محالة، فقد اعتبرت زيارة ارييل شارون الى المسجد الاقصى في سبتمبر 2000 بمثابة الاستفزاز الذي كان سبباً او وقوداً للعنف الذي اخذ معه العديد من الارواح في هذه الظروف الرهيبة، والتي صارت بالغة التعقيد لدرجة اثار فيها منع الاسرائيليين لياسر عرفات ـ وهو المسلم ـ من حضور قداس ديني مسيحي في بيت لحم خلال عيد الميلاد الماضي ـ مشاعر الغضب من انتهاك المقدسات. ان من الغريب ان تعجز حكومة مكونة من اليهود عن ادراك مشاعر الغضب التي تثور امام اعتداءاتهم على مشاعر من المفترض ان يكونوا اول من يدركوا معناها. وعن احداث 11 سبتمبر، قال المسئول البريطاني انها كانت من نوع خاص، فلم تكن تلك الاحداث حرباً بأي معنى من المعاني، الا انها كانت تهدف بكل وضوح الى تمزق الولايات المتحدة وتدمير مكانتها في العالم. علاوة على ذلك فإن تلك الهجمات لم تكن بالقطع عدواناً اسلامياً ضد الولايات المتحدة، ومع ذلك فإن اسامة بن لادن الذي اعطى لنفسه الحق في ان يتكلم باسم احد الاديان العالمية التي ينتمي اليها كفرد من اتباعها ـ زعم انه يعمل باسم الاسلام، وقد صدق بعض الامريكيين ذلك حيث حدثت بعد 11 سبتمبر بعض الاحداث اليائسة من مسلمين يقيمون في الولايات المتحدة يشعرون بأنهم يواجهون شكلاً من اشكال التمييز لمجرد انتسابهم للاسلام. وعندما قررت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخريف الماضي مهاجمة افغانستان من اجل اسقاط طالبان واقتلاع جذور القاعدة، تجشم عدد من رجال الدولة مثل جورج دبليو بوش وتوني بلير الكثير من المتاعب ليوضحوا احترامهم للاسلام ورفضهم لأية فكرة مفادها انهم يشنون حرباً ضد الاسلام، وقد بذلوا جهداً كبيراً من اجل ضم دول اسلامية الى تحالفهم الدولي ضد الارهاب. وقبل ان يهتم الامريكيون بهذا القدر بأفغانستان، كان هنالك الكثير من نشطاء حقوق الانسان يحذرون من الاعتداء على هذه الحقوق خاصة حقوق النساء في عهد طالبان، ان قهر النساء وانكار حقهن في التعليم والعمل ورجمهن في الشوارع قد فرضها تفسير للاسلام ترى الغالبية العظمى للمسلمين انه ليس فقط تفسيرا خاطئا، بل يمثل اساءة للمبادئ الاسلامية لما في الاسلام من تسامح وعطف. واوضح كوفمن ان الخلافات الدينية يمكن ان تكون مصدرا للصراع والاضطهاد المدني، ففي باكستان تواجه طائفة تسمى بالطائفة الاحمدية الحرمان من حق الاعتراف بها من قبل النظام ويرون انهم يلقون معاملة سيئة ويسعون الى اللجوء لمناطق اخرى كلاجئين، وهناك ايضا خلافات بين المسلمين السنة والشيعة، والحرب الاهلية في قبرص والتي ادت الى اعمال الارهاب والنهب وظهور مشكلة لاجئين. تستمد اصولها من الاحساس الذي تشعر به الاقليات التركية المسلمة بانهم قد حرموا من حقهم من قبل الغالبية المسيحية الارثوذكسية اليونانية، والحكومة الصينية وقد قامت بضم التبت بالقوة الى الصين تضطهد اهالي التبت باسلوب يكاد يماثل الابادة الجماعية لانهم وضعوا بوذيتهم في مقام اعلى من الشيوعية. وفي الهند فان مشاعر الغضب بين بعض السيخ بالغة الحدة لدرجة ان رئيسة وزراء الهند انديرا غاندي قد تم اغتيالها عن طريق احد السيخ بسبب ما اعتبره السيخ تدنيسا لمعبدهم في ارميستار عن طريق الهندوس، وقد تم ايضا اغتيال راجيف غاندي ابن انديرا ورئيس الوزراء بواسطة اتباع احدى الطوائف الاخرى وهي طائفة التاميل. كما ان اعداد قتلى حوادث الشغب الاخيرة في الهند واكثرهم من المسلمين بلغت حجما كبيرا لم يسبق ان بلغته من قبل، الا ان ذلك لم يستثر العناوين الرئيسية في الصحافة الغربية، ان الصراعات الداخلية القائمة على الدين يمكن ان تكون فتاكة ومدمرة، ففي جنوب افريقيا اعتنق البعض مبدأ الفصل العنصري مصرين على ان هذا الفصل بين العناصر يستمد جذوره من تفسيراتهم المتزمتة والمتشددة للمسيحية. كذلك فقد كانت لسلسلة الحروب التي تلت تفكك يوغوسلافيا اسس دينية مع قسوة من نوع خاص بين المسيحيين والمسلمين بعضها له آثار رجعية. واكد البرلماني البريطاني ان الحروب بين الدول هي بالطبع اخطر واكبر مثال للصراع القائم على اساس الدين، فمن بين الحروب الثلاثة بين الهند وباكستان اشتعلت اثنتان منها بسبب الخلافات حول جامو وكشمير، والهند اشارت الى انها دولة علمانية وان المسلمين الموجودين بالهند اكثر من اولئك الموجودين في الباكستان، ولم تؤد هذه السياية الى منع الباكستانيين من تأكيد مطالبتهم بكشمير ذات الغالبية المسلمة كي تصبح جزءا من باكستان، بل انها ادت الى قيام تمرد اشبه بالحرب بين الجماعات الكشميرية للتخلص من الهندوس في ولايتهم ولو كانت كشمير في امريكا الجنوبية، لكان العالم قد تنحى جانبا ناهيك عن عبارات اللوم المتبادلة وكلمات التعاطف الروتينية ولما فعل شيئا. ولو لم يهاجم اسامة بن لادن البنتاجون ويدمر البرجين التوأمين لما اثارت سحب الحرب بين الهند وباكستان حول كشمير اهتمام الغرب بهذا القدر لقد حفزت المزاعم بانتهاكات حقوق الانسان مجموعة فاعلي الخير فقط، اذ انه حتى خطر المواجهة النووية بين الدولتين لم يحدث ان اثارت في الماضي كل هذا الانزعاج العالمي، بل كان الخوف فقط من ابتعاد باكستان عن مساعدة التحالف ضد الارهاب هو الذي نتج عنه ذلك الاهتمام الجدي من جانب الولايات المتحدة، والزيارات التي قام بها وزراء بريطانيون من بينهم رئيس الوزراء الى باكستان. واعتبر كوفمن ان الحل المعقول بالنسبة للقضية القبرصية هو الحل الفيدرالي، حيث على القوات التركية ان تنسحب وان تعد ترتيبات كريمة وانسانية للمقيمين الاناضوليين الذين احضرهم الاتراك الى قبرص خلال الربع الاخير من القرن الماضي والذين يحتلون بيوتا انتزعوها من اصحابها القبارصة اليونانيين. وفي كشمير لابديل عن المفاوضات بين الهند والباكستان من اجل تهيئة الاوضاع لاجراء الاستفتاء المذكور في قرارات مجلس الامن، ويقتضي تنفيذ هذه القرارات تنازلات انتزعوها من اصحابها القبارصة اليونانيين. وفي كشيمر لابديل عن المفاوضات بين الهند وباكستان من اجل تهيئة الاوضاع لاجراء الاستفتاء المذكور في قرارات مجلس الامن، ويقتضي تنفيذ هذه القرارات تنازلات جوهرية ليس فقط من الهند بل من باكستان ايضا. وفي سياق محاضرته «الدين كعامل في الصراع الدولي»، قال كوفمن انني استطيع ان افهم ان الحروب تقوم لتحقيق اهداف اقتصادية، استطيع ان افهم ان اولئك البشر الذين يعبدون الله على طريقتهم بالقتال لمنع اية قوة خارجية من منعهم من عبادة الله وفقا لمعتقداتهم .. ولكنني اجد ان من المستحيل ان افهم ان يقاتل اتباع ديانة ضد اتباع ديانة اخرى فقط لانهم على يقين من ان معتقداتهم هي الاعلى وهي التي يجب ان تسود .. ومع ذلك فانه على الرغم من ان الملايين قد لقوا حتفهم في حروب غير دينية فان ملايين آخرين قد ماتوا ويموتون وسوف يموتون في حروب دينية. لو كان النوع البشري لديه القدرة على الامتناع عن هذا السلوك لتوقف عنه منذ زمن طويل. ان هذا السلوك ليس فقط سلوكا وحشيا وقاتلا ولكنه ايضا غير منطقي ولكن لو كان بامكان البشر ان يتصرفوا بشكل منطقي، لما كانت هناك مشكلة يعجزون عن ان يجدوا لها حلا. كما اعتبر ان من اسباب الحروب تعزيز مفهوم بشري فريد هو مفهوم الايديولوجية، وهي ظاهرة بشرية فريدة تعتمد على قدرة الانسان على التفكير العقلاني على الرغم مما قد يقال من ان التفكير العقلاني يمكن ان يولد مفاهيم غير عقلانية وغير منطقية .. واذا كانت الايديولوجية حديثة فالدين قديم، وليس من قبيل المصادفة ان ينظر الى الدين على انه عقيدة، فالبشر لايبحثون عن العقيدة التي تحمل تفسيرات عقلانية ولكنهم يبحثون عن العقيدة التي تمنحهم السلوان وتعطيهم الالهام، وهنا تأتي قيمة الصلاة، وبعض الناس يؤمنون تماما بأن العقيدة يمكن ان تصنع المعجزات وتجلب الشفاء للمرض