بيان المدارس: تتميز القدس الشريف بمكانة بارزة لدى المسلمين والعرب، باشارات النصوص القرآنية والنبوية مما يوجب علينا متابعة الجهود لاستعادة السيادة العربية عليها، وايقاظ المشاعر الاسلامية والعربية للعمل الدؤوب في المجالين العالمي والاقليمي بإبقاء القدس عربية، والتخلص من الاحتلال الصهيوني لها، وتبديد مزاعم ابقائها عاصمة اليهود الى الابد. يجب علينا ايضاح الرؤية حول موضوع القدس وتأكيد الحرص على عروبة القدس، وايقاظ المشاعر للتمسك بالحق الاسلامي العربي، سواء في مفاوضات السلام المتعثرة الآن أو بأساليب اخرى، ومهمتنا هي علمية وطنية ودينية قومية، لان تحرير القدس وسائر اجزاء فلسطين له اسلوب آخر متعين ومعروف. وبما ان بلاد الشام ومنها فلسطين كانت مهبط الوحي ومصلى الانبياء ومهد الرسالات السماوية، فقد تميزت مدينة القدس بتقديس الناس قاطبة وكان لها اهمية بالغة على المستوى الديني والسياسي، وظلت محور صراعات ونزاعات، من اجل السيطرة عليها، والمفاخرة بمركزها الديني العريق، وقد دفن في ترابها كثير من الانبياء والصلحاء والصحابة المسلمين، وعلماء الاسلام، وأولياء الله الكرام، وبرزت فيها اثار الاسلام. وكان في القدس حكومة سياسية وصناعة وتجارة فاقتبس منها العبرانيون تلك الحضارة وصاروا يلبسون ثيابا نسجت من الصوف بدلاً من الجلود التي كانوا يلبسونها. وتنامت مكانة القدس في التاريخ في ادواره المختلفة سواء في العهود القديمة أو في عهد المسيح والعهد الاسلامي، وفي فترة الحروب الصليبية وما قبلها لدى اهل الصليب من الفرنجة والعرب المسيحيين وبعض اليهود في فترات زمنية محدودة. وتضم المدينة المقدسة معظم الاماكن المقدسة الخاصة بالاديان الثلاثة ويزورها المسلمون للصلاة في المسجد الاقصى وقبة الصخرة، وكان اليهود يعتقدون ان جانبا من احد جدران المسجد الاقصى بنيت بأحجار اخذت من هيكل سليمان وهو الجدار المعروف بحائط المبكى، ويكرم المسيحيون كنيسة القبر المقدس «كنيسة القيامة الآن» التي تقوم في المكان التقليدي لجيل الجلجلة الذي يعتقد المسيحيون ان المسيح صلب عليه. ولم تنعم بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي إلا في العهد الاسلامي بعد ان افتتحها المسلمون وتسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه مفتاحها من البطريرك صفرنيوس سنة 17 هـ 638م وهو راكب بعيراً احمر، وخلفه جفنة «قصعة» مملوءة بالتمر، وقربة ماء فمنح اهلها الامان وصلى هناك ركعتين على الصخرة المقدسة وخط المسجد الذي عرف بإسمه «مسجد عمر» واستمرت في طابعها الاسلامي على مدى اربعة عشر قرنا في العهود الاموية والعباسية والعثمانية. وتمتع ابناء الديانات الثلاث في مدينة القدس القديمة في هذه القرون السابقة بالحرية في ممارسة شعائرهم وطقوسم الدينية، دون مضايقات ولا تعصب ولا مساس بحرمة الاماكن المقدسة لكل ديانة ابتداء من الفتح الاسلامي، وحتى حرب 5 يونيو 1967م ما عدا فترة تسعين سنة من الحملات الصليبية اواخر القرن الخامس للهجرة، واواخر القرن السادس وفي عهد الاحتلال الاسرائيلي المعاصر ساد التوتر والغليان والاقتتال والاضطرابات، واوضاع المصادرة والاعتداء على الممتلكات، والاماكن المقدسة والاوقاف الاسلامية، وانتهاك حرمة المسجد الاقصى واحراقه عام 1969م، والاعتداءات الصارخة بالحفريات المستمرة تحت اساساته ما بين 1968م ـ 1979م وعلى المصلين بالاسلحة النارية الحية فيه عام 1982م وفي مسجد الصخرة وسقوط عشرات الشهداء وممارسة ألوان الاعتداءات المتكررة على حرمة المقدسات الاسلامية والمسيحية، كسرقة مقتنيات الكنائس واحراقها وارتكاب المجازر الدموية مثل مجزرة دير ياسين 1948 ومجزرة كفر قاسم 1956 ومجزرة 1953 ومجزرة خان يونس ورفح 1956 ومجزرة الاقصى ومجزرة الحرم الابراهيمي. ودأب اليهود على تنفيذ مخططاتهم الرهيبة بعد حرب 1948 والى يومنا هذا بضم القسم الغربي من القدس متحدين كل القيم والاعراف والقوانين والمواثيق الدولية ومعتمدين بلا شك على تأييد الدولة الاستعمارية بزعامة امريكا وبريطانيا، ومن اجراءاتهم وضع حدود بلدية القدس في 28 يونيو 1967 تحت شعار «توحيد القدس» والاستيلاء على ممتلكات المواطنين العرب من اراض ومبان واقامة حزام من المستوطنات واخرها اليوم مستوطنة جبل ابو غنيم وتغيير البنية السكانية للقدس، بزيادة عدد السكان اليهود وطرد السكان العرب واجراء حفريات وتغييرات على وضع الاماكن المقدسة، لتهديد سلامتها، والغاء الادارة المحلية العربية للقدس، والمتمثلة في «مجلس امانة القدس» وربط الخدمات الادارية للمدينة بالخدمات الاسرائيلية. وفي عام 1973 وضعت اسرائيل ما اسمته «مخطط القدس الكبرى» الذي يضم مدن رام الله والبيرة وبيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور والمناطق المحيطة بها. دعاوى يهودية على الرغم من دعوة موسى عليه السلام قومه بني اسرائيل بدخول الارض المقدسة، ومجاهدة الاعداء، كما حكى القرآن الكريم في آية «يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا ترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين» المائدة 12 فإنهم رفضوا ذلك جبنا وخوفاً من الكنعانيين العرب، وقال النقباء الذين ارسلهم موسى عليه السلام للتجسس في الاراضى المقدسة: «قالوا يا موسى ان فيها قوماً جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون».المائدة. والمراد بقوله تعالى «التي كتب الله لكم» دخول السكنى لا التملك لان بيت المقدس مقر الانبياء ومسكن المؤمنين وقد قسمها الله لاهل طاعته وسماها حيث وعد الله ابراهيم الخليل عليه السلام بحث السكنى في تلك الاراضي المقدسة «الطاهرة» لا انها ملك لهم، لان هذا مخالف للواقع فاستنباط اليهود من ذلك الوعد انه لابد من ان يعود لهم ذلك الملك، ليس بحق ولا بصحيح لان الله تعالى قال بعدئذ: «فإنها محرمة عليهم اربعين سنة يتيهون في الارض، فلا تأس على القوم الفاسقين» المائدة 26 قال ابن عباس: كانت هبة، ثم حرمها الله عليهم بشؤمهم وعصيانهم ولان قوله تعالى «كتب الله لك» مشروط بقيد الطاعة لله تعالى، فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. ان توالي حكم العرب اليبوسيين، ثم الحكم الاسلامي اربعة عشر قرناً وتخلل فترة زمنية محددة لحكم اليهود في فلسطين لا يمنحهم الحق في القدس او فلسطين وحجتهم في ذلك واهية لسببين: 1 ـ ان هذا السبب في منطق الاعراف الدولية والشرائع لا يعتبر ولا يترتب على ذلك تغيير خريطة العالم وإلا كان للهنود الحمر ان يطالبوا ايضا بالولايات الامريكية. 2 ـ على فرض صحة هذا المنطق غير السليم فإن وجود العرب في القدس على مدى ازمان كثيرة في القديم وفي التاريخ الاسلامي اقدم من الوجود اليهودي. اما الاحتلال الصهيوني الجديد للقدس، فهو كما يعلم غير مشروع، لان ميثاق الامم المتحدة ينص على عدم جواز ضم اراضي دولة اخرى بالقوة الحربية، واكثر القرارات الصادرة عن مجلس الامن والجمعية العمومية التي تشجب العدوان الصهيوني وتجاوزاته. ولابد بإذن الله من تحرير الاراضي المحتلة، والقرآن الكريم يشير الى محاولتين سابقتين لليهود يسلط الله في كل محاولة منهما عباداً له اولي بأس شديد، ويتكرر الانذار الالهي لهم بالثأر والانتقام على الوان مفاسدهم وخرائبهم وتحدياتهم بقوله تعالى «وإن عدتم عدنا» الاسراء 8 وقوله سبحانه «واذ تأذن ربك ليبعثن عليهم الى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب» الاعراف 167. وان تمرد الصهاينة على القوانين الدولية والحقوق العربية الاسلامية في ظل ما يعرف بالقضية الصهيونية لابد من ان يتحطم او يتداعى هذا التمرد والعجرفة والاستكبار، ولابد لنا بمشيئة الله تعالى من تحرير الاراضي المقدسة في سائر فلسطين لان العتو الصهيوني، والاحلام الاسرائيلية، واستمرار العدوان اليهودي والتطرف الشديد مؤقت غير دائم وليس له مقومات البقاء والاستقرار لان اعمالهم العدوانية ووحشيتهم البالغة فاقت كل تصور. ولا امل كما يبدو في الوقت الحالي بعد ايقاف عملية السلام من الجانب الاسرائيلي في وجود ما يسمى بالتعايش الاجتماعي او الديني بين العرب والاسرائيليين فيكون الاصرار على تحرير جميع التراب الفلسطيني، واعادة فلسطين بكاملها الى اصحابها العرب هو الذي ينبغي ان يظل شعارنا، ويلزم التحرك في جميع المستويات الحالية والمستقبلية لتحقيق مدلول هذا الشعار. والواقع ان جدار المبكى هو حائط البراق الاسلامي، وهو قسم من الجدار الغربي لجدار الحرم الشريف ويبلغ طوله 50 م تقريبا وارتفاعه 20م، ويعد من الاوقاف الاسلامية، لانه جزء من الحرم الشريف وله علاقة وطيدة بإسراء النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد البراق ملاصق لهذا المكان فيسمى هذا الجدار بالبراق. ان ملكية هذا الجدار الاسلامية قد ايدها تقرير هيئة عالمية شكلت في زمن الانتداب البريطاني على فلسطين، وقدمت تقريراً بذلك سنة 1930م واعيد نشر هذا التقرير بتاريخ 23 فبراير 1968 بعد الاحتلال الاسرائيلي للقدس تحت رقم 18427س. وعلى الرغم من ان اليهود لا يملكون اي حق قانوني بهذا الحائط، إلا ان سماحة المسلمين اذنت لليهود بزيارة هذا الحائط والبكاء خلفه ومن هنا اطلقوا عليه «حائط المبكى» بينما اسمه الحقيقي هو حائط البراق. بعد ظهور الاسلام تعلق المسلمون تعلقا شديدا بالقدس وانزلوها في قلوبهم منزلة عزيزة كريمة اذ جعلوها حرما «مقدسا» يأتي في المرتبة الثانية بعد مكة المكرمة، فهي اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. واستعاد المسلمون القدس على يد صلاح الدين الايوبي سنة 1187 م بعد ان سقطت في ايدي الصليبيين سنة 1099م وبقيت في ايدي المسلمين حتى استولى عليها البريطانيون سنة 1917م في الحرب العالمية الاولى، ثم اتخذوا القدس عاصمة في اثناء الانتداب البريطاني على فلسطين، وحينما انتهى الانتداب سنة 1947م، حارب العرب اليهود سنة 1948م لانتزاعها من ايديهم، وبقيت المدينة القديمة بيد العرب، والمدينة الجديدة بيد اليهود، الى ان اعلن اليهود في 26/6/1967م توحيد المدينة بعد حرب 1967م. وعلى الرغم من هذا الوضع المأساوي الحالي، فان العرب والمسلمين قاطبة متمسكون بحقهم في القدس القديمة وسائر فلسطين للاسباب التالية: 1ـ الفتح الاسلامي واستمرار القدس بيد المسلمين على مدى اربعة عشر قرنا. 2ـ حادث الاسراء والمعراج: يقول الله تعالى عن الاسراء: «سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا، انه هو السميع البصير» الاسراء:1. 3ـ التمكين من العبادة الخالصة لله عز وجل: اخرج الجماعة احمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا، والمسجد الاقصى» ولا يتحقق هذا المدلول الا في ظل السيادة الاسلامية، لأن اليهودية العنصرية ملأت فلسطين بألوان التخريب والتدمير والاذى والافساد واحراق المسجد الاقصى وبعض الكنائس. اما المسلمون فهم محافظون على المقدسات، جاء الطبراني باسناد صحيح: «الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمئة صلاة». 4ـ صلاة المسلمين الأوائل الى بيت المقدس: اخرج الامام احمد والطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، وهو بمكة، نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه». وبعدها هاجر الى المدينة، ستة عشر شهرا، ثم صرف الى الكعبة» واخرج ابن جرير الطبري مثله عن قتادة. وفي حديث البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر او سبعة عشر شهرا، وكان الرسول يحب ان يوجه الى الكعبة، فأنزل الله عز وجل: «قد نرى تقلب وجهك في السماء...» الآية، فتوجه نحو الكعبة. وصارت القدس بناء عليه اولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك يؤكد وجود الحق الاسلامي في القدس وفلسطين، وعدم الاعتراف باغتصاب الصهاينة وعدوانهم الاثيم. 5ـ الاماكن المقدسة في القدس، ومنها المبكى تخضع لنظام قديم يسمى «الساتيكو» اي بقاء القديم على قدمه، وعدم احداث تغيير فيه. ويعتمد هذا النظام على احتفاظ كل طائفة او جماعة بحقوقها الموروثة، استنادا الى براءات سلطانية، او اعراف قديمة، او تسامح معهود. وتمسكت حكومة الانتداب البريطاني حين حكمها لفلسطين بهذا النظام. كل هذه الادلة الناصعة تدل دلالة قاطعة على احقية المسلمين والعرب بحق الاشراف على القدس، وابقاء السيادة العربية عليها بنحو دائم. المعالم الاثرية الاسلامية والمسيحية كل ما في القدس القديمة له طابع اسلامي محض، ويصاحبه بعض المعالم المسيحية، فالمجموع الاجمالي للآثار المسيحية (37)، ومنها (19) كنيسة، و(18) طريقا، والمجموع الاجمالي للآثار الاسلامية (219)، ومجموع الآمرين (256)، تشمل (460) مدرسة، و(40) زاوية ومقبرة وضريحا، و25) مسجدا ومئذنة، و(22) سبيلا وحماما، و(35) أثرا داخل الحرم الشريف، و(34) طريقا، (9) أسواق، (8) اسوار وأبواب القدس القديمة. وكل ذلك ينطبق بأن المسلمين هم احق بالقدس الشريف. طرد الصهاينة المغتصبين من كامل التراب الفلسطيني، فلن نسكت على الضيم، مهما بذلنا من تضحيات غالية في الانفس والاموال وكل ما نملكه في هذا السبيل. القدس مدينة السلام ان ممارسة الشعائر والطقوس الدينية لاتباع اي دين يحتاج في الدرجة الاولى الى وجود بيئة سلام واستقرار وأمان، وبعد عن الارهاب والاعتداء وتخل عن سياسة بناء المستوطنات حول القدس العربية، وتجنب كل محاولة لطرد وتشريد الشعب العربي من فلسطين. فلابد حينئذ من بقاء شعار السلام مرفوعا في سماء القدس، لان هذه المدينة هي مدينة السلام والحب والوئام، وهي معظمة لدى اتباع الديانات الثلاث كما تقدم، وهذا ينبغي الحرص عليه، والمبادرة في كل مناسبة الى تنبيه الضمير العالمي، والشعور الدولي، للعمل على احياء واستمرار رفع هذا الشعار، والتاريخ اصدق شاهد على ان العرب والمسلمين كانوا ولا يزالون في اتم الحرص على تحقيق مصداقية وعودهم وممارساتهم واعمالهم في هذا المضمار. من دراسة أعدها: أ. د. وهبة الزحيلي رئيس قسم الفقه الاسلامي ومذاهبه بكلية الشريعة ـ جامعة دمشق