بيان المدارس: عبر السنوات والمراحل يرتقي الانسان علما وفهما وادراكا في مجالات متعددة قد تتباين في نوعياتها أو أساليب ممارساتها لكنها تتفق في انها ـ جميعها وبلا استثناء ـ تستند إلى قاعدة من العطاء الذي قدمه اناس لا تزال بصماتهم الاولى، ذات أثر في حياة المرء مهما تقدم او ارتقى. وحين يتوقف الانسان لتقييم مسيرة حياته وما قطعه من مراحل او بلغه من مواقع فان بوصلة الذهن تتجه دائما نحو أولئك الذين غرسوا في النفس ما انتج اطيب الثمرات ووضعوا اللبنات الاولى على مدارج العمر لتكون للحياة قيمة وللعطاء معنى. وهنا نتوقف كل اسبوع لنقرأ معا رسالة الى هؤلاء فهم اساتذتنا في الحياة. يتوقف الشيخ سعيد بن سعيد الشرقي رئيس مكتب السياحة بحكومة الفجيرة وهو يسطر رسالته الى اساتذة في حياته لعبوا ادوارا بارزة في تأهيله عبر سنوات ومراحل اجتازها فيما مضى او يتمنى عبورها فيما هو آت. وفي وقفته الطويلة هذه يشير الشيخ سعيد الشرقي الى سنواته الاولى عندما كان طالبا في المرحلة الاعدادية التي بدأ فيها شغفه واهتمامه بارتياد مجالس الحكام التي يراها مدرسته الاولى والأهم في التعرف على مجريات الامور وطبيعة الحياة وحكمة الايام. يقول الشرقي: في تلك الايام وكنت فتى يتطلع الى المستقبل بأمل كبير بدأت ارتياد مجلس صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الاعلى حاكم الفجيرة وهو ككل مجالس حكامنا اطال الله أعمارهم مفتوح امام الجميع من كافة الفئات والمستويات ويتم فيه حوار طويل ومتشعب بين الحاكم ورعيته ويتطرق الحديث فيه الى كل الامور والاحداث والظواهر والقضايا. ويضيف: لقد كانت هذه المجالس هي مدرستي التي لاتعادلها مدرسة ففيها تعلمت حسن الاستماع، واحترام الرأي الآخر، وعدم التعجل في اصدار الرأي او الحكم على الاشياء، وتعلمت ايضا أساليب الاستفهام عن الامور بغية الاستيضاح والمعرفة، وادركت فيها ايضا كيف يكون تواضع الكبار اساسا في بث الثقة بنفوس الآخرين، كما تعلمت الصبر ومعه ايضا تلك المجموعة الاساسية للعناصر الانسانية الضرورية لاية شخصية تبحث عن التكامل في بنائها، وعن التواصل مع غيرها. التعامل مع البشر ويستطرد الشيخ سعيد الشرقي قائلا: لقد اهداني مجلس صاحب السمو حاكم الفجيرة ـ حفظه الله ـ اهم قواعد الحكمة في التعامل مع البشر مهما اختلفت ثقافاتهم ومداركهم واهتماماتهم وظروفهم، ومن خلال متابعتي ـ بحرص وشغف ـ لكل مايدور في المجلس ادركت معنى ان يكون الانسان راعيا مسئولا ينال ثقة وتقدير واحترام رعيته، ويبذل من جهده ووقته الكثير كي يقوم بمسئوليته، وقد نفعني هذا الدرس في بقية مراحل عمري ولايزال. ويمضي الشرقي في حديثه فيقول: في سنوات لاحقة من العمر اتيحت لي الفرصة لأتعلم كغيري من ابناء الوطن من المعلم الاكبر لشعب الامارات صاحب السمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان فقد كانت احاديث سموه تتسم دائما بأن كلماتها تخرج من القلب وتفيض بالحكمة ومنها تعلمت كيف اكون مثابرا على العطاء للوطن وللأهل بغير دعوة او نداء. اهل الفكر والثقافة وينتقل الى اساتذته الآخرين في الحياة فيقول: لن أنسى صديقا ـ هو من اهل العلم والادب والصحافة ـ تعلمت منه خلال رفقتنا الطويلة والتي لاتزال مستمرة كيف يصنع الانسان ذاته، وكيف يحقق غاياته حتى وان ظل طوال العمر ينحت في الصخر. ويضيف: هناك ايضا صفوة المفكرين الذين اختلطت بهم وتعاملت معهم بحكم رئاستي لجمعية الفجيرة الثقافية فقد اسفر هذا الاختلاط والتعامل المباشرين عن اكتساب الكثير من المفاهيم الانسانية الراسخة التي تصب جميعها في مسارات الحياة الايجابية لكل من اراد ان يخدم بلاده ويصنع بصمة عميقة باعمال تثري مجتمعه وتنفع اهله. ولعلي هنا ـ والكلام لايزال للشيخ سعيد الشرقي ـ اتذكر تلك القامات السياسية والفكرية والثقافية العالية ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الدكتور اسامة الباز مستشار الشئون السياسية للرئيس المصري، والدكتور سعيد سلمان، رئيس جامعة عجمان للتكنولوجيا والمفكر الاسلامي المعروف فهمي هويدي، والأمين السابق لمجلس التعاون الخليجي عبدالله بشارة فقد اسهموا بشكل خاص في اتساع الآفاق والرؤى حول الكثير من القضايا العربية والاسلامية والدولية. ويختتم قائلا: اما اساتذتي في مراحل التعليم فإن الذاكرة لا تنسى منهم اثنين اولهما هو مدرس التربية الاسلامية في المرحلة الثانوية الاستاذ ابراهيم الرفاعي والثاني مدرس الجغرافيا الاستاذ عبدالرحمن علوش فقد كانا خير مثال في بدايات الوعي والادراك لمعنى ان يكون الانسان استاذاً ينقل للآخرين معارف الحياة وتجارب السنين بأساليب راقية وفي ابوة حانية، وهاأنذا اسجل لهما هنا كل تقدير وامتنان. أمي وشهادة خبرة متميزة وفي رسالة اخرى تصر كاتبتها فاطمة راشد العقروقة الملحق الثقافي بالقنصلية العامة لدولة الكويت بدبي على ان الحياة ومنذ بدايتها وحتى نهايتها، هي المدرسة الكبرى لكل البشر ومن هنا فإن الاساتذة يتوزعون على كل المراحل وينتشرون في كل المواقع التي يمر بها الانسان حيث تكتسب «الاستاذية» في كل مرحلة او موقع طابعا خاصا بها يميزها عن غيرها. وتحرص العقروقة على ان ترسل سطورها الاولى الى الجذور التي نبتت منها، ونشأت من عمقها، واستطالت قامتها في ظل تجاربها وخبراتها، وهنا تقول: الى محطتي الاولى.. حيث الجذور الرواسخ اعود كي اسطر الى امي اعظم واغلى الكلمات فأقول: نعم الأم أنت، فقد تفوقت ـ وانت الأمية ـ على بناتك خريجات الجامعة ممن تسلحن بأرقى المعارف والعلوم، فلقد فاق اسلوبك التربوي في تنشئتنا جميعا كل ما ادركناه فيما بعد من قواعد ونظريات، واذا كنا ندين اليوم بنجاحاتنا الى ما قدمناه من جهود فإن جهدك في تربيتنا ودعم نجاحنا هو الابرز، وهو وحده الذي يستحق ثناءنا وامتناننا وعظيم وفائنا. وتضيف: اما والدي ـ رحمه الله ـ فقد كان استاذاً كريما حمل كل صفات الأب والصديق والمعلم، ولا اجد الآن من الكلمات ما يفي بالتعبير عن فضله غير الدعاء له بالرحمة والمغفرة وان يعينني الله عز وجل على ان اكون دائما ابنة بارة وانسانة متعقلة في عالم متغير كي اكون جديرة دائما بأن احمل اسمه واصون ما علمني إياه. وتعود فاطمة الى فترات زمنية متعددة فتقول: الى معلمتي مدرسة الصف في المرحلة الابتدائي اقف احتراماً وتقديراً للسيدة الفاضلة «نازك جلون» التي تنتمي لسوريا الشقيقة فقد غرست في نفسي ومنذ بداية مشوار التعلم ذلك الشغف بالقراءة المتجددة والاطلاع المتروي وهو شغف لا يفارقني حتى اليوم. وتواصل العقروقة قائلة: ان المعنى الجميل لاي نص لغوي والآثار الرائعة لأي درس ديني تعود في ذاكرتي الى معلمتي انشراح مرمش مدرسة اللغة العربية والتربية الاسلامية التي عمقت في نفوس كل تلميذاتها ذلك الانتماء الراسخ للاسلام وذلك الحب الكبير للغة القرآن الكريم. مطبخ التجارب وتسطر كلمات الى مدرسة الاقتصاد المنزلي تقول فيها: انها معلمتي فايزة ابو شوشة التي وفدت الينا من مصر الشقيقة كي تغرس في ثنايا النفس حب التدبير وترشدنا الى ان تجارب العمر لابد لها من مطبخ كي تتفاعل فيه وتنضج ومن ثم تصبح عظيمة الأثر والتأثير، وحين اراجع اليوم ما زرعته معلمتنا فينا اجد ان نجاحاتنا اسريا وعمليا تستند الى ما تعلمناه في تلك الايام وان علينا ان ننقله بأمانة لمن نرعاهم من ابناء. وبحنين بالغ تستعيد العقروقة صداقات العمر، وتقول: الى رفيقة الدرب في مراحل التعليم الصديقة الدائمة بدوام الحياة الاخت «حياة الرميحي» اسطر بالفخر وبالزهو أسمى معاني التقدير لصديقة أضفت ـ في كل مراحل عمري ـ على الحزن فرحا أطل به على حياتي الأمل والأمان وحولت المشقة حين تواجهنا إلى يسر يذوب به اليأس والاحباط، وبدلت ضيق النفس في بعض الأحيان إلى أفق واسع المدى. التاريخ ودرس العمر وحين تصل العقروقة إلى رحاب الجامعة تتوقف أمام أسماء أساتذتها لتقدم عبارات الاجلال لمن علموها وصاغوا الكثير من أفكارها، فتقول: من حسن حظي أني كنت من تلاميذ الدكتور مصطفى شاكر أستاذ التاريخ الذي يستحق مني تحية الوفاء والتقدير على دوره الكبير في تعزيز موقع القومية العربية في نفوس تلاميذه وهو درس لا يزال أثره باقيا فينا جميعا مهما تلاعبت بقوميتنا الأيام ومهما تآمرت عليها دهاليز السياسة، أما الدرس الأكبر الذي تعلمته من أستاذي فتوجزه عبارة لن تنمحي مهما طال الزمن وفيها يقول: «إن في الماضي عِبرا تشكل جسر عبور للمستقبل»، وأجدني الآن عندما أقرأ تاريخنا القديم أكتشف ان عبورنا نحن العرب للمستقبل هين ويسير إذا استطعنا أن نستخلص مما مضى كل عبرة فيه، وما أكثر هذه العبر أمام من يريد أن يعبر إلى غده، ولقد استفدت كثيرا من هذه العبارة الموجزة لأستاذي الكريم. وتجمع فاطمة راشد العقروقة أساتذتها في تخصصها الجامعي وهم الدكاترة نجم طه أستاذ الجغرافيا الاقتصادية، ورشيد الفيل أستاذ الجغرافيا البشرية، وعبدالوهاب أستاذ الجغرافيا السياسية وليلى عثمان أستاذة الجيمورفولوجيا (علم طبقات الأرض) لتقول لهم جميعا: شكرا لما قدمتم فقد أخلصتم للعلم وأنتم تحضون تلاميذكم على البحث العلمي، وأكدتم حرصكم على المستقبل وأنتم تحثون أبناء الجيل على التفرد والتميز من أجل نهضة أشمل لأقطار عروبتكم في انتماء قل أن يوجد نظيره. محمود علام