اصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة بعنوان (التنافس الدولى على أفريقيا) وذلك ضمن الاصدارات التى يهدف المركز من خلالها الى نشر المعرفة ومواكبة ما يجرى فى الساحة الدولية من أحداث سياسية وفكرية لمعرفة أبعادها وانعكاساتها على الامة العربية التى يقع معظم سكانها ضمن القارة الافريقية مما يبرر ضرورة الاهتمام بما يجرى في هذه القارة. وفي التقديم الذى خصصه المركز لهذه الدراسة تم ابراز ما تشتمل عليه القارة من وجوه التباين بين كونها أحدى أغنى بقاع العالم من جهة فى الوقت الذى تمثل فيه أسوأ معدلات الفقر والحرمان وأدنى مستويات المعيشة فى العالم. بالاضافة الى أنها من أكثر نقاط العالم توترا وازدحاما بالصراعات والنزاعات لذلك فطرح أشكالية التنافس الدولى على أفريقيا يعنى أن هذه القارة يمكنها أن تقدم الكثير للمشهد السياسى العالمى وللتراكم الحضارى الانسانى أذا ما أتيح لها استقرار أكبر وسلام أوفر. وتبين الدراسة كيف اهتمت القوى الكبرى بأفريقيا مدفوعة على الدوام بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية حيث شكلت ثلاثة أسباب رئيسية الاهتمام الدولي بالقارة السمراء وكان أول تلك الاسباب أن القارة كانت ولا تزال مصدرا لكثير من المواد والموارد الاستراتيجية ويتمثل ثانى تلك الاسباب فى سعى الدول الكبرى أثناء الحرب الباردة الى ممارسة النفوذ واكتساب الحلفاء والاصدقاء أما ثالث تلك الاسباب فيظهر فى اصرار بعض القوى الدولية على مواصلة التدخل فى شئون القارة بعد مرحلة تصفية الاستعمار. ومضى المركز فى القول وفى هذا السياق جاء تنافس الدول الكبرى للاستئثار بمناطق النفوذ فى القارة الافريقية وكانت فرنسا الاكثر اهتماما بالقارة حتى التسعينيات عندما وقعت بعض التطورات الدولية من أبرزها سقوط القطبية الثنائية وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم وبزوغ ملامح نظام دولى جديد وانطلاق مسيرة العولمة. وفى غضون ذلك خرجت الولايات المتحدة من سياسة الابتعاد عن شئون أفريقيا وانتهجت سياسة (الشراكة) ونازلت السياسة الفرنسية فى واحدة من أهم مناطق نفوذها الامر الذى جعل الدراسة تركز على أبراز السياستين الامريكية والفرنسية فى القارة وكذا التنافس بينهما وتأثيره على مجريات وتطورات الاوضاع السياسية والاقتصادية والامنية فى أفريقيا كل ذلك مع أشارات مفيدة عن تدخل بعض القوى الدولية كأسرائيل التى سعت منذ تأسيسها الى ايجاد مناطق نفوذ لها فى القارة الافريقية مستفيدة من دعم بعض الدول الغربية وخاصة من السياسة الامريكية الجديدة والتكامل معها. وتبرز الدراسة أن التنافس بين الدول الغربية بلغ نقطة حاسمة وتجسد فى التنافس الانجلوفونى الفرانكفوني خلال شهر فبراير من عام 2002 حين سارعت باريس الى عقد قمة أفريقية ضمت عددا من قادة الدول الافريقية فى اطار ما أطلق عليه فى فرنسا (مبادرة جديدة من أجل تنمية أفريقيا) وفى نفس السياق والفترة قام رئيس الوزراء البريطانى(تونى بلير) بجولة افريقية شملت السنغال وسيراليون ونيجريا وغانا كمحاولة منه لمداواة الجراح الافريقية حسب تعبير الخارجية البريطانية لان القوى الغربية بدأت تستشعر بعد 11 سبتمبر خطورة أوضاع الفقر فى القارة واحتمالات بروز اتجاهات ارهابية على غرار ما حدث فى أفغانستان أذا لم يتم احتواء الفقر والحد من النزاعات فى أفريقيا. ولان الدراسة تركز على التنافس الامريكى الفرنسى فى القارة الافريقية فقد تناولت تاريخ الاهتمام بالقارة عند كل من الدولتين وتطور سياستهما تجاهها والعوامل التى حكمت تلك السياسة وأهدافها بصورة تجمع بين الاستقصاء التاريخى(والتحليل الاستراتيجى السياسى) فبينت مثلا أن النمط العام الذى كان يميز السياسة الامريكية تجاه أفريقيا قبل بداية الحرب الباردة اتسم بالعزلة وكف الايدى عن التدخل فى الشئون الداخلية لتلك القارة مستدلة بالمخاوف فى الموقف الامريكى الصامت تجاه مؤتمر برلين عامى 1985/1984 الذى تم بمقتضاه تقسيم أفريقيا بين القوى الاستعمارية الاوروبية. ويبدو أن عدم الرغبة أو حتى عدم الخبرة هى التى وقفت وراء هذه سياسة الولايات المتحدة تجاه أفريقيا وفى الستينيات وبعد رياح التحرير التى هبت على الدول الافريقية بدأت الولايات المتحدة اعادة النظر فى سياساتها السابقة تجاه أفريقيا فأرسل الرئيس أيزنهاور فى عام 1957 نائبه ريتشارد نيكسون الى أفريقيا حيث زار عددا من الدول من أجل تحليل الاوضاع المتغيرة والمتسارعة التى تشهدها القارة فى ذلك الوقت وظل التدخل الامريكى يتدرج الى أعلن وزير الخارجية الامريكية الاسبق وارن كريستوفر خلال زيارته لعدد من الدول الافريقية عام 1996 أن لا مناطق نفوذ بعد اليوم. ويمكن القول أن هذه الدراسة تناولت أبعاد وخلفيات التنافس الدولى فى أفريقيا بصورة عامة وبين فرنسا والولايات المتحدة الامريكية بصفة خاصة مبرزة أن العوامل الاستراتيجية والاقتصادية تكمن وراء اهتمام الدول الغربية بهذه القارة ثم يأتى العامل الامنى الذى بدأ يأخذ باهتمام الساسة الغربيين بعد أحداث 11 سبتمبر وقد استندت الدراسة فى كل معلوماتها على التوثيق العلمى وناقشت قضاياها بأسلوب علمى يعكس الحرص على الموضوعية والتشبث بالاعراف العلمية فى البحث بصورة تجعل هذه الدراسة منسجمة مع الخط الذى رسمته سلسلة الدراسات التى يصدرها مركز زايد للتنسيق والمتابعة ارساء لروح الحوار العلمى الجاد وسعيا الى بث العلم والمعرفة بين القراء والى أبراز الخلفيات والاستراتيجيات التى تحكم تحرك القوى الدولية بين الساسة وأصحاب القرار. وام