ـ للفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع لفتات ذكية، ومواقف حكيمة، وكلمات بطلة، وقرارات جريئة، وطموحات وثابة، وتطلعات مشرقة. ـ لذلك فانه لا يتخذ قرارا الا بعد تأن، ولا يقدم عليه الا بعد قناعة، ولا يطمح الا الى العلياء، ولا يتطلع الا الى الافضل والاحسن. ـ من اجل ذلك فانه يتعب فكره وجسمه، ولا يشعر بنشوة الانتصار الا اذا حقق ما أراد، ونفذ ما كان قد خطط له من رؤى مستقبلية، ومشاريع ذات نفع عام يعود على الوطن والمواطن. ـ ولا يستغرب منه ذلك، فهو نجل المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، باني دبي الاول، ومؤسس هذه الافكار النيرة. ـ وسمو الشيخ محمد بن راشد منذ ان فكر في تحفيز العاملين والمؤسسات على الجودة انشأ أكثر من جائزة ومسابقة وكأس وشهادة، ووضع لها ميزانية وقدم لها دعما معنويا متمثلا في متابعته الشخصية لها او متمثلا في قراراته البناءة. ـ فعندما انشأ جائزة القرآن الكريم والمسابقة الدولية كان في نفسه ان يكون للجنسين نصيب فيها، وتكون المسابقة للمواطنين والمقيمين على ارض الدولة. فما كان الا ان امر سموه باضافة فرع جديد للجائزة الا وهو فرع المسابقة المحلية للقرآن الكريم. ـ ثم بعد ذلك رأى أن فئة هناك محرومة من هذه المسابقة، وهي فئة المساجين القابعين في دهاليز السجون. فما كان الا ان امر باضافة فرع جديد الى جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم وهي فرع تحفيظ القرآن الكريم. ـ ربما يقول بعضهم ما لهؤلاء ولحفظ القرآن، انهم قد ارتكبوا جرائم، واعتدوا على حقوق الناس، وفعلوا كيت وكيت من اعمال غير اخلاقية. لذا فانهم لا يستحقون ان يرحموا. ـ نعم.. هذه نظرة الناس، اما نظرة سمو الشيخ محمد لهؤلاء فانها غير تلك تماما لانه يقول في نفسه: من هم هؤلاء؟ اليسوا بشرا مثلنا؟ لكنهم تعرضوا لاغواءات الشيطان، فسولت لهم انفسهم الامارة بالسوء أن يرتكبوا تلك الجرائم وهم نادمون عليها يقينا. ـ اذن هم بشر، وما حصل منهم اخطاء يمكن ان يتعرض لها أي منا، والقاعدة تقول: كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. انهم لا شك يقضون عقوبة الجريمة في غياهب السجن لاكثر من اعتبار، فلله فيما ارتكبوا جانب، وللعباد جانب، وللحكومة جانب، ومدد هذه العقوبات تختلف من قصيرة الى طويلة. ثم بعد ذلك لا بد ان يخرجوا ويعودوا الى المجتمع فيا ترى هل نهملهم ونهمل هذه الفترة العمرية من حياتهم، ام اننا نستثمرها لصالحهم وصالح الوطن؟ ثم يا ترى لماذا ارتكبوا تلك الجرائم؟ أليس السبب هو ما يعانونه من خواء ايماني. اذن لماذا لا نستغل فترة وجودهم في السجن، وفراغم في غرس الوازع الديني في نفوسهم حتى يصلحوا ما افسدت عليهم النفس الأمارة بالسوء. وهل هناك مقوم لاعوجاجهم افضل وأنجع من القرآن الكريم؟ من هنا فانه قرر تحفيظهم القرآن الكريم، ولم يكتف بذلك بل كافأهم عليه بأن قال سموه: من حفظ تخفف عنه العقوبة، ثم حدد لهم الاجزاء ومدد العقوبات المخففة. فالذي يحفظ القرآن كاملا تخفف عنه 15 سنة، وعشرون جزءا تقابلها 10 سنوات، وعشرة اجزاء تقابلها 5 سنوات وخمسة اجزاء تقابلها سنة واحدة. ـ هذا التخفيف مكرمة من سموه ملؤها الرحمة والعطف والشفقة والبر، كيف لا والكثيرون منهم وراءهم الاباء والامهات، او وراءهم الزوجات والاطفال. ـ وهذه المكرمة يترتب عليها ايضا تكريم كتاب الله عز وجل، وتكريم كتاب الله يؤدي الى شفاعة القرآن لاهله غدا ان شاء الله. ـ اذن قرار تحفيظ نزلاء السجن القرآن الكريم فيه فلسفة عميقة تؤدي الى ان الذي لا يوجد علاجه في صيدليات العالم يوجد علاجه في صيدلية القرآن. ـ فما على المحفظين الا أن يوجهوا المشتركين في دورة التحفيظ الى الحفظ مع اتقان التلاوة، مع العلم بأن الفرصة اتيحت للجنسين معا. وفي اعتقادي انهم سوف يقبلون على حفظ كتاب الله بفهم شديد، لانه يؤدي الى خلاصهم من غياهب السجون. ـ يقول بعضهم: ربما حفظ بعضهم من اجل الخلاص من مدة العقوبة، ثم بعد ذلك اهمل حفظه وعاد الى ما كان عليه قبل ذلك. ـ اقول ان على سموه ان يهديهم الى الصراط المستقيم بهداية الله عز وجل، واذا ارتد بعد ذلك من ارتد مثل ما حصل لبعض عرب الجزيرة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فما على الرسول الا البلاغ. ان سموه سوف يأخذ اجره، ونحن كلنا شهداء على انه دعاهم الى الخير، وكافأهم على الخير. ـ لكنني على يقين بأن الذي يهديه الله الى حفظ كتابه لا يعود الى الضلال بعد ذلك. ان القرآن له حلاوته، فيلتذ تاليه وحافظه به، ثم لا يريد غير القرآن بعد ان يذوق حلاوة القرآن. لقد سمعه النجاشي فبكى حتى خضلت لحيته بالدموع، وما كان له الا ان يسلم خفية. وسمعه عمر فارتعدت فرائصه، وما كان له الا ان يقول دلوني على محمد حتى أعلن اسلامي. وقرأه ديدات قبل ان يسلم فما كان له الا ان يسلم ويدافع عن الاسلام ويحاجج بالقرآن اصحاب الديانات الاخرى. ـ وقرأته الممثلات والراقصات فما كان لهن الا ان يعلن توبتهن، ويهجرن الرقص والتمثيل، ويتفرغن للعبادة وسهر الليل، كما فعلت قبلهن رابعة العدوية. ـ اذن نهنئ سمو الشيخ محمد بن راشد على هذا القرار، ونهنئ المسجونين الذين سيفرج عنهم القرآن الكريم. ونهنئ المجتمع الاماراتي الذي ينجب مثل هذه الافكار التي ان دلت على شيء فانما تدل على أن أهلها يدركون ان الحياة ساعة وساعة، وان اللبيب من يجمع بين دنياه وآخرته. وقد قلت في احدى قصائدي: فدبي بداوة قصيد ودبي تجارة وثراء فاض بالخير جانباها وبالحب لقد فاح صيتها والذكاء وهي طورا عراقة وجديد وهي طورا تلاوة ودعاء ـ ويروى ان حنظلة رضي الله عنه قال للرسول صلى الله عليه وسلم نافق حنظلة، قال الرسول كيف ذلك، قال حنظلة اذا كنا عندك جلسنا نتحادث عن الآخرة، واذا خرجنا من عندك ألهتنا أموالنا وأولادنا، وجلسنا نشتغل بالدنيا. قال الرسول صلى الله عليه وسلم يا حنظلة: الدنيا ساعة وساعة. ـ اقول هذه هي حال المؤمن، يستثمرا دنياه، لآخرته، ويعمر حياته بصالح الأعمال، والله مطلع على خفايا القلوب، أليس كذلك؟