أكد المحلل والمستشار الاعلامى البريطانى «نيكولاس غوثرى» الخبير فى شئون الاتحاد الاوربى خلال محاضرة له فى مركز زايد للتنسيق والمتابعة بعنوان «عولمة وسائل الاعلام» ان العالم يشهد تدهورا فى مستويات النقل الاعلامى خاصة فى نوعية الترددات وتوجهات صحافة التحقيقات وخاصة فى التليفزيون وتلك هى احدى نتائج العولمة. وقال انه من المثير ان يتزامن ذلك مع ارتفاع حاد فى الشعور العام بعدم الرضا بالصحافة والتليفزيون فمنذ خمسة وعشرين عاما فى بريطانيا كان عدد مشاهدى نشرة الاخبار يتراوح بين 18 و 19 مليون مشاهد وفى اغسطس الماضى وصل معدل مشاهدى نشرة اخبار العاشرة فى الاذاعة البريطانية الى 3ر6 مليون فرد.. وقد يكون الامر الاكثر ازعاجا ان الشباب هم الذين يبتعدون الان عن نشرات الاخبار باعداد تزيد كثيرا عن اعداد الكبار وهذا الامر يبدو ملحوظا بشكل خاص بين من هم دون الثلاثين. ومن الواضح انه لا مجال للرضا فالمشاهدون غير راضين عما يجدون هذه الايام لقد اختفى 33 بالمائة من الجمهور التقليدى لنشرة الاخبار فى المملكة المتحدة خلال السنوات العشر الاخيرة. واوضح غوثرى الاعلامى فى البى بى سى ان هناك الاف الاسباب لما حدث منها انقضاء زمن المشاهدة والمهارة فى اعداد البرامج ولقد اصدر احد مراكز البحوث فى واشنطن موخرا ورقة اوضحت انه فى الشبكات الاخبارية الاربع الكبرى فى الولايات المتحدة انخفض عدد الافراد الذين يسألون عما اذا كانوا يصدقون ما يقال لهم الى 7 بالمائة خلال ثلاث سنوات فقط.. ومع ذلك فان هذه المشاعر المعادية للاعلام تفرض تحديا امام تنامى المصادر الكبرى للاخبار وامام صميم بقائها. وهناك سبب اخر يأتى من الداخل الى حد كبير فالبرامج الاخبارية اصبحت نمطية ومتشابهة بشكل كبير فالمقدم ومجموعة العمل تفتقد الى الحماس وهناك الكثير من السياسيين الذين ينطقون كذبا والعديد من الحروب بين الشعوب وكلها امور مملة وبليدة وتفتقر الى روح المرح. وحذر نيكولاس غوثرى من الهبوط بمستوى جودة الاعمال الاعلامية ومن مواصلة العمل بنفس الطريقة التى يعمل بها الاذاعيون الدوليون حاليا من خلال الصمت وخفض التكاليف واداء الاعمال الوضيعة واستخدام الافراد الاقل خبرة ومنحهم اجورا اقل وبالطبع التظاهر دائما بان تلك هى افضل الطرق للمستقبل حسبما وصفها اذكى الاستشاريون الاداريون فى العالم.. «ما الذى ستحققه اذا برامج مملة وسخيفة وبلهاء وسرعان ما ستفاجا بان الجماهير قد بدأت تغلق اجهزتها زرافات ووحدانا».. وكذلك من الاخطاء الفادحة ان نتصور انه لا توجد علاقة بين التكنولوجيا والديمقراطية غير ان الخطأ قد يكون اكثر فداحة ان نتصور انه عندما يتاح لكل فرد القدرة على ان يقول ما يريد فان ذلك هو كل الديمقراطية فما يهم حقيقة ليس فى ان يتحدث كل انسان بل فى ان نسمع ما يستحق ان يقال. واوضح انه اذا كان علينا ان ننشيء نظاما للحكم يتلاءم مع العالم المعولم فانه ينبغى ان يشتمل هذا النظام على عملية دقيقة ماهرة يجرى تنفيذها على مجموعة مختلفة من المستويات. سنكون فى حاجة الى مؤسسات دولية جدية يمكن الاعتماد عليها لكن نحن لا نزال بحاجة الى حكومات وطنية.. نعم نحن بحاجة الى حكومات وطنية لان الناس قد بدات تفقد الاحساس بهويتها الوطنية لذلك فاننا نحتاج الى هيئات اقليمية وهيئات محلية يمكن الاعتماد عليها وبذلك يشعر الناس ويومنون بانهم ينتمون الى مكان ما وانهم ليسوا مجهولى الهوية تماما.. على ان العولمة فى جانب من معناها يمكن ان تعنى مزيدا من التوطين واذا حدث ذلك فانها تصبح قوة للخير اما اذا كانت تهدف الى ان يصبح الاثرياء اكثر ثراء وان تصبح القطط السمان اكثر سمنة فستصبح قوة للشر. وقال ان بامكان الاعلام العربى ان يشكل بعثا لنوع جديد من الهوية العربية خلال السنوات المقبلة فالتكنولوجيا الجديدة تتيح للعرب فى هذه المنطقة وفى العالم ان يقرءوا ويروا ويسمعوا نفس المعلومات فى نفس الوقت بدرجة غير مسبوقة.. وسوف يكون لذلك تاثير موحد للعرب داخل العالم العربى وقد يساعد ايضا على اعادة تجميع العرب الذين يقيمون فى امريكا الشمالية واوروبا حول الحياة الفكرية العربية. وان الامر الموكد حتما هو ان حجما هائلا من المعلومات يصل الى القراء والمشاهدين العرب من ذوى المستويات التعليمية العالية سوف يحفز اعداد كبيرة من العرب على تفسير المعلومات باسلوب جديد واكثر تقدما وعلى سبيل المثال صدر مؤخرا حكم بتغريم واحد من كبار صناع الافلام الوثائقية فى بريطانيا بمبلغ 2 مليون جنيه استرلينى لقيامه بتلفيق تقرير عن تهريب المخدرات فى كولومبيا فقد ثبت ان الكوكايين الذى صوره فى البرنامج ليس الا سكر ابيض وان الصفقة كلها تم تصويرها سرا فى غرفة باحد الفنادق.. وان مثل هذه الاحداث وهى كثيرة والتى يجرى كشفها فى المملكة المتحدة لا يمكن ان توحى بالثقة للمشاهد. واضاف غوثرى ان وجه الاعلام المتغير «بفضل العولمة» وعالم الاقمار الصناعية والانترنت والاعلام الجديد اصبح حاضرا بين ايدينا وحولنا فى كل مكان اينما اتجهت ببصرك فاذا تمكنت من استخدام هذه الادوات الثمينة بكل الحرص والفهم فاننى اعتقد ان بامكانك ان تحقق عالما اكثر نظافة واكثر وضوحا واكثر اشراقا للجميع.. اننى ارى ان العولمة الان تتحدى النظم السياسية القديمة وجوهر المجتمع الاساسى وان الامة تنشى ذاتها وتحقق ديمقراطيتها. وفى عالم الاتصالات الحديثة الاقمار الصناعية والانترنت هنا فى العالم العربى وغيره من المناطق بالطبع تعنى العولمة انه لم يعد هناك مكان للاختباء. لم يعد هناك مكان ليختبى فيه الفساد والصراع وعدم التسامح والتعصب او اى سلوك غير مقبول.. ولم يعد ممكنا ان تبقى هناك اى نماذج لاذلال الانسان لاخيه الانسان دون مبرر مقبول لان الاعلام سوف يفضح ذلك الامر ويضع اولئك المتورطين فى هذه الممارسات فى موضع السخرية. لم يعد هناك مكان للرقابة فشعلة الحرية التى يحملها القمر الصناعى والانترنت تشع ضوءا مبهرا لا مهرب منه. وبخصوص مدى قدرة وامكانات الدول العربية لتاسيس محطة تلفزيونية عربية عالمية ذكر ان قناة الجزيرة تودى المطلوب وان العالم العربى لن يقبل العالم الامريكى والعالم البريطانى لان العرب يريدون عالمهم وتحليلهم واراءهم ويريدون ان يتمحوروا حول مواضيع محددة.. مشيرا الى ان قناتى البى بى سى وسى ان ان وصل عدد مشاهديها اثناء احداث 11 سبتمبر الى 300 مليون مشاهد وتراجع بعد ست شهور الى 200 مليون وحول ما اذا كانت اسباب ضعف التغطية الاعلامية فى افغانستان ترجع الى تأثير الولايات المتحدة او الى الوضع الامنى لافغانستان بالنسبة للصحافيين.. قال ان تغطية احداث افغانستان كانت كبيرة موكدا على ضرورة القاء المزيد من الضوء على افغانستان والشرق الاوسط وان تكون هناك مؤسسات مثل الجزيرة وتحقيق الدعم لارسال مراسلين وهو ما يمثل حسب رايه امرا مكلفا «لكن ينبغى ان نكون جزءا من هذه القارة الاعلامية» مضيفا ان ما حدث فى افغانستان قد حدث لان المعلومات لم تكن كافية. وعن موقف الاعلام الغربى من الصراع العربى الاسرائيلى.. اجاب نيكولاس غوثرى قائلا ان بعضه جيد والبعض الاخر سيى وفقير حيث لدينا مثلا صحيفة الانديبندنت التى لها مراسلون يعيشون فى القدس واذا نظرتم الى الصحف ذات الصفحات العريضة فى المملكة المتحدة فستجدون ان هناك تقارير جيدة لم تكن بالضرورة متحيزة.. واضاف ان قنوات سى ان ان وبى بى سى وغيرها تمتاز بتغطية متوازنة الى حد ما فى برامجها معتقدا ان هذه القنوات تقوم بعمل جيد ولكن عندما يتعلق الامر ببرامج المناقشات يرى المحاضر ان هذه البرامج لم تقترب من تناول الازمة بشكل كاف اضافة الى عدم وجود تمويل بهذا الخصوص. وحول تاثير اللوبى اليهودى على وسائل الاعلام البريطانية والامريكية وانعكاس ذلك على الراى العام فى الدولتين.. قال المحاضر ان هناك لوبيات فى كل شيء فاللوبى اليهودى قوى وكل اللوبيات الاخرى قوية ولست ادرى ايها اقوى.. وذكر بحادثة قصف بيروت والتى تدخل رونالد ريغان فى وقفها بعدما شاهد ما حصل فى بيروت عبر التلفزيون وهو نتيجة مباشرة للاعلام مضيفا ان اللوبى الفلسطينى جيد. وعن امكانية دخول العالم فى حرب كونية ثالثة بسبب التقرير السرى الامريكى الذى يشير الى احتمال استخدام امريكا للسلاح الذرى ضد سبع دول.. اعرب عن اعتقاده بان العالم لا يتجه نحو حرب عالمية ثالثة فمراسل الوشنطن بوست توم ريد اكد ان جورج بوش لن يستخدم الاسلحة النووية ولا يمكن استخدامها ضد العراق كما لا يتجه العالم الى حرب عالمية ثالثة.. اما عن مقولة «محور الشر» فاعتبر المحاضر ذلك نوعا من التقدير غير الصحيح للامور وان ما صدر عن البنتاغون هو جزء من التطورات التى حدثت فى اعقاب الحادى عشر من سبتمبر وانها احد الخيارات المطروحة على المائدة وليس هناك قصف للعراق. وعما اذا كانت قناة الجزيرة محقة فى بث كلمة ابن لادن.. قال السيد غوثرى ان تقديم الجزيرة لفيديو ابن لادن كان عملا صحافيا كبيرا ولهم الحق ان يبثوه لان كل شخص فى الاعلام كان يحتاج لذلك معتقدا انه ليس للامريكيين الحق فى الاعتراض على ذلك واعتبر احقية بث الشريط جزءا هاما من الحوار «نعم لديهم كل الحق فى ذلك والحق فى الحصول وادافع عن حقوقهم لابعد الحدود لان هذا شيء هام». وعن كيفية المزاوجة بين حدود المسئولية الاخلاقية والمسئولية المالية فى الممارسة الاعلامية.. قال اننا فى قناة البى بى سى لا نتحدث عن قصة او قضية من دون ما يوكد صدقها بشكل واضح ولكن نحاول ان نتاكد من صدق التقارير وان الدقة هى اهم كلمة فى قاعة الاخبار.. الدقة هى اهم كلمة فى قائمة الاخبار وخاصة فيما يتصل بالبى بى سى «والدقة والصدق امر نرفعه دائما ويكلفنا الكثير». ودعا لاشراك الجماهير بالاذاعات الوطنية وليس فقط التجار واصحاب الاموال واوضح ان تمويل البى بى سى يتم عن طريق رسوم التراخيص وهى تلك التى تحمى الحرية والصدق.