المشاهد والصور والتصرفات التي تموج بها الآن كل ساحات الميدان تشي بالكثير بل وتشجع على المضي الى بعيد في استثمار رائع لسلوكيات ايجابية فرضت نفسها على الجميع ونعني هنا ـ تحديدا ـ اولئك الصغار من اجيالنا الصاعدة الى الغد. فالاطفال والفتيان ـ من ذكور واناث ـ في كل مراحل التعليم قدموا في الفترة الاخيرة ـ ولا يزالون ـ الكثير من المبادرات النابعة من شعورهم الانساني الذي تأكدنا جميعاً من عمقه ورسوخه في عصر تصورنا فيه نحن الكبار أنه لا عواطف ولا انسانية في زمن تتملكه النزعات المادية وفي مقدمتها تلك النزعات الاستهلاكية التي تفرض نفسها على الجميع بداعٍ او غير داعٍ. اما المشاهد والتصرفات التي ننطلق منها في هذا الحديث فهي ـ بصدق ـ مؤشر حقيقي على ان بامكاننا لو احسنا استثمارها ان نبقي النبض الانساني راسخا وعاليا في النفوس ليكون في ذلك تميزنا نحن العرب كشعب له تاريخه وعراقته في قيادة البشرية ـ قديما ـ الى اسمى غاياتها واعلى درجاتها. فلننظر الى هؤلاء الصبية وقد تجمعوا حول صندوق وضعته ادارات المدارس في الساحات كي يضع فيه الصغار بعض ما لديهم من مال ـ هو في العادة مصروفهم اليومي ـ من اجل دعم اطفال الانتفاضة. والجميل ان هذا الفعل البسيط في نظر الصغار والكبار معا كان متكرراً وبشكل يومي، بل وتميز بأن هؤلاء الذين تصورناهم ـ احيانا ـ غير قادرين على فعل شيء كانوا يتسابقون على التنازل عن بعض ـ واحياناً كل ـ ما يمتلكون في جيوبهم الصغيرة من مال كي يقدمونه من اجل اطفال لا يرونهم لكنهم يشعرون بمعاناتهم من خلال تلك المشاهد التي تنقلها لهم شاشات اجهزة التلفزيون وايضاً من خلال ما تلتقطه آذانهم من احاديث الاهل عن صنوف العذاب وانواع البطش والوان الحرمان التي يتعرض لها شعب بأكمله لمجرد ان امل الحرية والكرامة لا يزال يراود كل ابنائه. ولأن سلوك اطفالنا الرائع وما قاموا به تجاه اطفال فلسطين يشكل قاعدة يمكن للميدان التربوي ان ينطلق منها لبناء جيل جديد يواكب عصره لكنه لا ينغمس في بعض منزلقاته، وبذلك يبقى افراده على تقاليدهم الأصيلة رغم تمتعهم بالحداثة التي يفرضها عصرهم على الجميع. ان وزارة التربية يمكنها اليوم ان تطلق مشروعها الكبير بانشاء ما يمكن تسميته بالصندوق الدائم لدعم اطفال فلسطين بحيث تجمع فيه ما يقدمه الصغار يوميا وان يبقى هذا المشروع قائماً الى ان يتم تحرير كافة الاراضي الفلسطينية، بل ويمكن ان يمتد الى ما بعد ذلك للمشاركة في تنمية الارض التي دمر الاعداء معظم بنيتها الأساسية من المرافق والخدمات. ولتكن هناك خطة عمل لهذا الصندوق تتضمن انشاء مدارس ومعاهد تحمل اسم الامارات وتعبر عن دورها الكبير في دعم اخواتها وايضاً في نهضتهم ورقيهم. محمود علام