ان مايحدث حاليا يكشف عن اقصى درجات العجز العربي، ذلك العجز الذي كان يتبدى في مواقف كثيرة، لكنها متفرقة ومتباعدة، ولم تكن تشكل بقعة شديدة الظلمة والقتامة، كالتي تتجلى امامنا في هذه اللحظات العصيبة، والدم المراق على ارض فلسطين، لم يعد في مقدور احد ان يتجاهل لونه ورائحته، فالتاريخ يصنع في مسرى الرسول بأجساد تذكرنا بطائر النار الذي يتوالد في قلب اللهب والجحيم، ليعصف بأوكار التبلد العربي، والوجود التعس لاصحاب الشعارات المتهافتة، وسماسرة الكراسي. لقد حطم احفاد كنعان غرابة المعادلة الصعبة، التي وصلت الى حد القدر تلك المعادلة التي عششت في عقول اعدائنا، حتى كادت ان تتحول الى وشم يصم قدرات المواطن العربي، ويعنونه باللامبالاة مفاد هذه المعادلة المضحكة: ان هذه المنطقة من العالم «الوطن العربي» بها حكام بلا رأي عام وألم بلا متألمين، واغتصاب ارض بلا عار .. حتى جاء الفلسطينيون بروحهم الاسطورية ليمنحوا الشارع العربي فرصة تاريخية لاستعادة هويته وهيبته، ودوره المحذوف من طاولات المفاوضات .. فتزلزلت الشوارع العربية، واستل انسانها البسيط جلال ملامحه من قبضة الصمت المهين، والخنوع الرسمي كشف المواطن العربي عن عظامه قبل لحمه، حول نفسه الى رقم صعب يتوعد سادة البيت الابيض، وجحافل بني صهيون، وموظفي الانظمة العربية حتى قيض لفلسطين ان تكون كلمة السر لكرامتنا ووجودنا الحقيقي . يقول عماد علي مررزبان (موظف) نحن امة حبر على ورق، ولقد ضحك الواقع السياسي على ذقوننا، وأوهمنا بأن الصمت فضيلة المتحضرين، وانه الطريق الحريري لاستعادة حقوقنا في ارض فلسطين الحبيبة .. لقد تعبنا من الفرجة ونحن نذبح بدم بارد ان مايحدث للفلسطينيين اهانة كبيرة لقدرات هذه الامة، وانا شخصيا اشعر بخجل كبير مما يحدث .. وللاسف ليس بأيدنا شيء نفعله من اجل هذا الشعب الاعزل الذي يواجه قوة غاشمة لاتقيم وزنا لاية اخلاق، او اعراف دولية .. لذلك اسأل ماذا ينتظر العرب من شارون وطغمته، انه عدو بغيض، ويمارس عداءه بكل وضوح؟ للاسف نحن لانتجزأ على بعضنا البعض، ولست ادري لماذا انفاق كل هذه المليارات على الاسلحة دمنا لن نستخدمها ضد اعدائنا؟ فلا توجد تنمية حقيقة، ولاتوجد طريقة نحفظ بها هيبتنا امام العالم .. اسرائيل تمارس عربدتها بلا كابح، لانها رأت اننا خضعنا لمفهوم امريكيا عن الارهاب عقب احداث سبتمر، كدنا ان نصدق ونبصم بالعشرة على ان حزب الله، وحركة حماس، والجهاد الاسلامي، وكتائب الاقصى منظمات ارهابية، فاستغلت اسرائيل هذا الاستسلام العربي لكلام بوش، وقامت بذبح الفلسطينيين بحجة مكافحة الارهاب .. انا شخصيا اؤمن بمبدأ ما اخذ بالقوة لايسترد الا بالقوة، ولن تقوم لنا قائمة ان لم نثبت لشارون وامثاله اننا لسنا لقمة سائغة، وانه لايوجد شعب على وجه الارض يعيش في استكانة دائمة، وانكسار طول الوقت .. انا اطالب بالحرب، واي كلام عن الحكمة واصول السياسة ضرب من العجز وضعف الارادة. اما عاطف ابراهيم الدسوقي (محاسب) فقد تناول الموضوع من وجهة نظر اخرى حيث قال: العرب مسئولون عن مايحدث للفلسطينيين، لانهم لايستمعون لنبض الشارع العربي، ولا يستشعروا آلامه واوجاعه .. لقد اثبتت الاحداث الاخيرة ان رغيف الخبز لم يعد الهم الاول للانسان العربي، كما قد يظن البعض، لقد اكتشف العالم ان كرامة الشعب الفلسطيني وحقه في اقامة دولته هو الخبز الحقيقي للشارع العربي، وكرامته التي لايتنازل عنها ابدا، والحقيقة اني اعتقد ان انفصال الحاكم عن شعبه هو احد اهم الاسباب التي تجعل اعداءنا يستهترون بنا ويذبح منا المئات والآلاف، دون ان نفعل شيئا سوى الشكوى والشجب والتنديد ومطالبة المنظمات الدولية بالتدخل .. المثل يقول لايحك جسم مثل ظفرك . لست ادري كيف لاثنين وعشرين جيشا عربيا يطالبون العالم بوقف المجازر ضد الفلسطينيين على يد دولة لا يساوي عدد سكانها حي شعبي في بلد عربي ... ستسمع من يقول لك ان اسرائيل دولة قوية عسكريا، وهنا نسأل وأين هذه القوة امام فلسطينيين لايملكون الا رشاشات متواضعة، اذن المسألة ليس لها علاقة بالقوة، قدر علاقتها بالارادة القوية، والاحساس بحتمية استرجاع ارضنا، السبب الآخر لهذه المهزلة الحاصلة، امام اعيننا هو سوء العلاقات بين العرب، فكل دولة عربية تحاول ان تثبت نفسها امام غيرها من الدول العربية، وكأنهم في صراع ديكة .. انا مع المظاهرات لكن بشرط الا تكون ضد اسرائيل فقط، بل ضد اشياء اخرى نعرفها جميعا. من جانبه يقول الطفل محمد الغرباوي: لقد نسيت مشاهدة افلام الكرتون التي احبها، واصبحت اشاهد اطفال فلسطين وهم يناضلون بكل شجاعة الدبابات اليهودية .. وكثيرا ما كنت اسأل والدي: لماذا العرب صامتون؟ فكان يقول لاننا غير محترمين . ولعلمك انا وزملائي في المدرسة نغني مع بعضنا اغنية «الشعب العربي وين» وبكل براءة يقول محمد: لماذا انا عربي؟ فأنا كعراقي اعرف ان امريكا مسئولة عن موت اطفال العراق، والآن مسئولة عن قتل الفلسطينيين فماذا نفعل؟ انا شخصيا قلت لابي لن اشتري كنتاكي، او مكدونالدز، او اي حلويات امريكية .. هذا كل ما استطيعه .. لكن صدقني العرب لايساووا شيئا انهم يتركونا لكل من هب ودب .. وانا لا ارى فائدة الا في المظاهرات ومقاطعة «الحاجات» الامريكية .. الظاهر اننا لن نحارب اسرائيل ابدا، ونخاف من امريكا، رغم اننا نملك بترولا كثيرا، واموالا كثيرة، واسلحة كثيرا لا ادري لماذا العرب يخافون؟ اما ضحى جميل طالبة بالاعدادية فقد بدت غاضبة وعصبية حيث قالت: ليست هذه المرة الاولى التي ارى فيها العرب وهم عازجون، وغير قادرين على فعل اي شيء. فالعراق محاصر واطفاله يموتون من قلة الغذاء والدواء، وكذلك ليبيا، والسودان، كل شيء في حياتنا يهان ونحن مكتوفو الايدي، فقط لدينا دول وأعلام وحكام مامعنى ان يضرب متظاهر، او يجرح، او يقتل لمجرد انه يكره اسرائيل ويشتم حكامها الاوغاد؟ لماذا يرفض حكامنا ما يطالب به المتظاهرون، ويعاملونهم وكأنهم اعداء لهم؟ ان الذي يحدث حاليا في الشوارع العربية لهو شرف كبير للامة العربية واحراج كبير لمسئولي هذه الشعوب . .انا طالب بمقاطعة كل المنتجات الامريكية تلك الدولة التي تعاملنا وكأننا من الهنود الحمر، لاقيمة لهم، وينسون ان الفلسطينيين لن ينقرضوا ابدا، اننا امة ذات حضارة وتاريخ