أصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة قيمة تحت عنوان «الأسلحة الكيميائية والبيولوجية». وتتمثل قيمة هذه الدراسة في تتبعها لأكثر هذه الأسلحة انتشارا منذ نشأتها، وهي مراحل تطورها المختلفة، واستخداماتها، وكيفية الوقاية منها، وما يطرحه كل ذلك من تحديات على المجتمع العربي بصورة عامة، ومنطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة، وذلك لما تحمله تلك الأسلحة من تأثير على حياة الإنسان ومستقبل وجوده في هذا الكون، وهو تأثير لا يقل عن تأثير الأسلحة النووية، الأمر الذي دفع بكثير من المفكرين والساسة إلى وضع قيود لانتاج واستخدام هذه الأسلحة ـ التي أطلق عليها أسلحة التدمير الشامل، أو الأسلحة فوق التقليدية ـ والحد من انتشارها، وخضوع معاملها للرقابة الدولية، غير ان بعض الدول ـ كالكيان الاسرائيلي ـ لا تزال ترفض الدخول في كل الاتفاقيات الدولية الخاصة بالحد من انتشار الأسلحة الفتاكة أو خضوعها للرقابة. وقد بينت الدراسة ان معرفة الإنسان بـ «الاسلحة الكيميائية والبيولوجية» معرفة قديمة، إلا انها لم تدخل حيز الاستخدام والانتاج، بصورة توحي بالكارثة قبل الحرب العالمية الثانية حين استخدمت منها كمية كبيرة بلغت حوالي 125000 طن، وأدت الى اصابة نحو 1300000 من أفراد الجيوش المتحاربة، مما جعل المجتمع الدولي يقبل بمعاهدة جنيف بتاريخ 17 يوليو 1925 القاضية بحظر استخدام الاسلحة الكيميائية باعتبارها أسلحة فتاكة يتنافى استخدامها والأخلاق الإنسانية. وتظهر الدراسة انه وعلى الرغم من تسابق الدول الكبرى في تطوير هذه الأسلحة، والتفنن في اكتشاف مختلف أنواعها، ووسائل استخدامها، فقد كان «الرادع المتبادل» عاملا كبيرا في عدم استخدامها في الحرب العالمية الثانية، لان كل دولة كانت تعرف ان خصمها يمتلك القدرة على الرد بالمثل. وبعد الحرب العالمية الثانية ظل استخدام هذه الأسلحة محدودا، بل اقتصر على بعض الأمثلة التي شكلت اهانة للضمير الانساني، وتحديا للقوانين والاتفاقيات الدولية، مثل استخدام الولايات المتحدة لها ضد الفيتناميين في الغابات وأثناء مكافحة الشغب، واستخدامها كذلك من طرف الاتحاد السوفييتي السابق ضد جيش تحرير لاوس عام 1975، وضد المجاهدين الأفغان، وغير ذلك من الاستخدامات التي حثت المجتمع البشري على البحث عن صيغ لبحث وقف سباق التسلح في هذا المجال الخطير على حياة الإنسان وبيئته، وإلى تدمير المخزون الهائل من هذه الغازات التي انتشرت بصورة مذهلة خلال الحرب الباردة، وقد تسنى للإنسانية أن يتم توقيع أكثر الدول على «اتفاقية حظر الاسلحة الكيميائية ط» التي دخلت حيز التنفيذ على المستوى العالمي في 29 ابريل 1997. وكما وقفت الدراسة عند أنواع الأسلحة الكيميائية فإنها تناولت الأسلحة البيولوجية المختلفة، وتاريخ استعمالها، ومراحل تطورها، وآفاق انتشارها، مبرزة بصورة خاصة ان قلة ثمنها، وبساطة تقنيتها عوامل ساعدت في سرعة انتشارها، مما جعل البعض يطلق عليها «قنبلة الفقراء الذرية»، وهو ما يعني امكانية انتقال هذا النوع من الأسلحة إلى أيدي الارهابيين. وتستعرض الدراسة أمثلة من استخدام هذه الأسلحة استخداما ارهابيا، سواء أكان ذلك الاستخدام من قبل بعض الدول كما فعل الكيان الاسرائيلي عام 1997 لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الاردن خالد مشعل، الامر الذي أثار أزمة في العلاقات بين البلدين، حتى تدخلت الولايات المتحدة، وضغطت على اسرائيل لعلاج الضحية، وسواء كان الاستخدام الارهابي من قبل أشخاص مجهولين، مثل قضية الجمرة الخبيثة في الولايات المتحدة عقب أحداث 11 سبتمبر، والتي خلفت بعض الضحايا وموجة من الذعر عن طريق الرسائل الموبوءة. ونظرا لما تحمله أسلحة الدمار الشامل ـ ومنها الأسلحة الكيميائية والبيولوجية ـ من خطر على حياة البشر، ولعدم التزام بعض الدول بمعاهدات حظر انتاج وانتشار هذه الأسلحة، مما جعل عامل التوازن الاستراتيجي يختل في منطقة حيوية كالشرق الأوسط، تصر فيها اسرائيل على امتلاك كل أسلحة التدمير الشامل، وعدم التقيد في هذا المجال بأي عرف أو اتفاق دولي، فإن الدراسة تضع أمام العرب المسارات اللازمة لتجنب أخطار هذه الأسلحة، وتحقيق الأمن القومي. ولا شك ان هذه الدراسة بسبرها لمختلف جوانب الموضوع، وباعتمادها على مراجع شاملة، ومنهج علمي واضح في عرض القضايا وتحليلها ستضيف رصيدا معرفيا للقارئ العربي، ينضاف الى الرصيد الذي يسعى مركز زايد للتنسيق والمتابعة من خلال مختلف دراساته الى اشاعته بين القراءة، وأصحاب القرار السياسي والثقافي.