جاء في مقدمة دستور الادوية الذي صدر منذ عام 1721 في أدنبرة باسكتلندا «ان الدواء الجيد، والذي يعطى بعناية، يبشر بالصحة، أما الدواء الفاسد أو رديء التركيب اما ان يكون سببا لعديد من الاذى والآلام واما ان يكون عاجزا عن تخفيف معاناة المريض. ومع التطور الهائل الذي يشهده عالم اليوم في شتى مناحي الحياة، وتحول العالم إلى قرية عالمية كبيرة، وتحول الشركات الكبرى الى شركات عابرة للقارات، وأصبح بامكان شركة واحدة السيطرة على مجموعة من المنتجات واحتكارها ليس فقط في سوق الدولة التي تنتمي إليها، بل وفي بقية أسواق العالم. واذا كانت تلك السلع المنتجة عبارة عن أدوية وعلاجات ليس بمقدور الانسان في أي مكان من العالم الاستغناء عنها فهنا تكون الكارثة، حيث لا يستطيع الفقير الحصول على هذه الأدوية بسبب ارتفاع أسعارها، ولكن الكارثة تكون أكبر وأعظم عندما تحاول شركات أخرى من دولة ما وبطرق غير شرعية انتاج أدوية مزيفة أو رديئة الصنع بأسعار زهيدة وتسويقها على انها عقاقير حقيقية فتودي بحياة آلاف المرضى الأبرياء. ونبه علماء إلى ان الأدوية المزيفة والرديئة الجودة تنتشر بكثرة في البلدان النامية وتودي بحياة العديد من المرضى، وتبين من تحاليل أجراها باحثون على أدوية لعلاج الملاريا والسل وبعض المضادات الحيوية، ان العديد منها مزيف بينما تعرضت أدوية أخرى للتلف لانه جرى تخزينها في ظروف غير ملائمة، وأكد الباحثون ان عقاقير «الارتيسونات» المزيفة والتي استعملت في كامبوديا ولاوس ومياجار وتاتلاند وفيتنام أدت الى مقتل العديد من المصابين الذين كانت نجاتهم ممكنة لو تناولوا أدوية حقيقية. وفي هذا التحقيق نستعرض قضية الأدوية المزيفة والرديئة الجودة ودور وزارة الصحة في مكافحتها ومنع تداولها في أسواق الدولة. تقدر المنظمات الطبية الدولية حجم الأدوية المزيفة في أسواق العالم بنحو 5-10% من حجم سوق الدواء العالمي أي ما يساوي 16-48 مليار دولار من مجموع قيمته التي تبلغ أكثر من 300 مليار دولار سنويا، وتؤكد العديد من الدراسات ان تلك الأدوية تنتشر بصورة كبيرة في البلدان النامية وتأخذ مكانها جنبا الى جنب مع الأدوية الحقيقية فتودي بحياة العديد من المرضى الأبرياء. ويقف وراء هذه التجارة المربحة بارونات المخدرات في مختلف بلدان العالم، وهم يمتلكون عددا لا بأس به من المصانع الكبرى ولا سيما في دول شرق آسيا حيث تقليد العبوات والتركيبات والعلامات التجارية والتي يصعب على العامة، بل وعلى بعض الصيادلة التفريق بين الأدوية الحقيقية والأدوية المزيفة، ففي عام 1996 قتلت أدوية مغشوشة 89 طفلا من هاييتي، واكتشف المحققون ان الشركة التي صدرت الدواء صينية ولكنها باعت الشحنة لشركة ألمانية والتي باعتها بدورها لشركة هولندية ثم لشركة ألمانية أخرى ثم بيعت لشركة في روتردام وبعد شهرين من تخزينها كجزء من خطة التهريب تم شحنها إلى هاييتي، والغريب ان هيئة التحقيق لم تكتشف المصنع الحقيقي للدواء. وتعد الهند والصين من أكثر دول العالم التي تضم شركات أدوية كبرى وصغرى متخصصة في تزييف وغش الأدوية والعقاقير المعروفة، ويعتقد خبراء الأدوية بأنهما يمثلان بؤرة شبكة عالمية معقدة في تصنيع وتوزيع الأدوية المزيفة في أسواق عديدة في العالم، فالهند وحدها تضم أكثر من 20 ألف شركة أدوية مرخصة على أرضها، وبلغت نسبة الأدوية المزيفة التي تم بيعها في الصيدليات الهندية تراوحت ما بين 15-20% وان النسبة ترتفع مع بعض الأصناف العالمية من الأدوية في بعض المدن الهندية ما بين 35-40%، كما يوجد في الهند وباكستان وحدهما أكثر من 50 عقارا مقلدا لعقار الفياجرا ويتم تهريب انواع قليلة منه عن طريق العمالة الآسيوية داخل الدولة ويحمل أسماء مشابهة لاسم العقار الحقيقي «نياجرا، هياجرا، مياجرا» - كنوع من التحايل على قوانين التسجيل والترخيص وحقوق الملكية، ويبدو واضحا على هذه الانواع ـ رخيصة السعر ـ التصنيع الرديء وخلوها من التركيبة الكيماوية الحقيقية للعقار، وهذا أيضا بخلاف التقليد الشكلي لحبوب الفياجرا حيث اكتشفت جهود مشتركة لادارتي الجمارك في الولايات المتحدة الامريكية وتايلاند شركة لبيع الادوية في بانكوك يديرها بريطاني مريض بداء الكبد الوبائي بمساعدة صديقته حيث يقوما معا بانتاج حبوب مزيفة للفياجرا في شقة معزولة وتسويقها عبر شبكة الانترنت. اتلاف الأدوية الفاسدة وفي عام 2000 قامت ادارة الرقابة الدوائية بوزارة الصحة باتلاف نحو 1.8 مليون صنف من الادوية الفاسدة والمزيفة والرديئة الصنع والمنتهية الصلاحية بعد جمعها من الصيدليات والمستودعات الطبية والمستشفيات الخاصة على مستوى الدولة خلال الحملات التفتيشية التي تقوم بها ادارة الرقابة الدوائية بصورة دورية، كما بلغ اجمالي الطرود البريدية التي تم اتلافها نحو 1171 طردا من أصل 5820 طردا بريديا دخل الدولة عن طريق البعثات البريدية. الأدوية الآمنة ويؤكد الدكتور عيسى بن جكة المنصوري مدير ادارة الرقابة الدوائية بوزارة الصحة انه نتيجة لكثافة الحملات التفتيشية في جميع المناطق الطبية بالدولة أدى الى انخفاض معدل الادوية التي تم اعدامها في المنشآت الصيدلانية بنسبة 46% عام 2000، حيث بلغ اجمالي الأدوية التي تم اعدامها عام 1999 نحو 3.9 ملايين من الاقراص والامبولات والاشربة والمتنوعة. ويقول ان المبدأ الأساسي الذي تعتمد عليه الرقابة على الأدوية هو عدم التصريح بتداول أو بيع أو تصنيع أية أدوية دون الحصول على ترخيص مسبق أو تسجيل من وزارة الصحة، كما ان القانون الاساسي الاتحادي لدولة الامارات رقم (4) لسنة 1983 في شأن الصيدلة والمؤسسات الصيدلانية حرص على وضع الأسس والتشريعات الأساسية للرقابة الحكومية على الأدوية. ويضيف بأن ادارة الرقابة الدوائية من أجل الوصول الى توفير أقصى درجات الأمن والسلامة للجمهور في استخدام العقاقير شكلت منذ فترة طويلة لجانا عديدة لهذا الغرض فهناك سبع لجان في الادارة وثماني لجان وزارية اخرى مشتركة ومنها لجنة سلامة الادوية ولجنة دراسات الثباتية والتكافؤ الحيوي ولجان التفتيش والتسجيل والتراخيص والتي تعمل جميعها على ضمان صحة وسلامة الأدوية من حيث استخدامها وجرعاتها والآثار الجانبية لها وكل ما يتعلق بها، مع مراجعة التقارير الصادرة من المنظمات العالمية المعنية ومناقشة المواضيع المتعلقة بسلامة الدواء وجودته ومراجعة الاجراءات التنظيمية بالوزارة فيما يتعلق بسلامة الأدوية من حيث تسجيلها واستيرادها واستعمالها، كذلك النظر في التقارير الواردة الى الوزارة من المستشفيات والقطاع الطبي الخاص حول سلامة الدواء وآثاره الجانبية. ويقول الدكتور المنصوري ان ادارة الرقابة الدوائية تعتبر مراقبة الادوية بشكل شامل أمرا مهما وجوهريا من اجل وصول أي منتج دوائي بنوعية عالية الى المستهلك بالاضافة الى عدم السماح بالعمليات العشوائية في التصنيع الدوائي التي هي ضرورية لانقاذ حياة الإنسان وشفائه والحفاظ على صحته. استيراد الأدوية وتقول الدكتورة فاطمة علي عبدالله نائب مدير ادارة الرقابة الدوائية في أبوظبي ان الملامح الاساسية لمهام ادارة الرقابة الدوائية ترتكز الى جانب منح التراخيص الصيدلانية ومراقبتها ومراقبة تداول الادوية على اصدار اذون الاستيراد لكل دفعة دواء يستوردها الوكيل الى الدولة على ان تكون تلك الادوية مسجلة وواردة من بلد المنشأ المسجلة به، مع الكشف على الادوية الواردة عبر المطارات والموانئ والكشف على الادوية الواردة بصحبة الركاب في المطارات أو عن طريق البريد للتأكد من صحتها وسلامتها بالاضافة الى حصر واتلاف الادوية غير الصالحة للاستعمال والمنتهية الصلاحية والتفتيش على مصانع الادوية والمستلزمات الطبية بالدولة. وتقول.. ان الادارة لا يمكن ان تقوم بتسجيل أي دواء إلا بعد المرور بعدة اجراءات معقدة ومنها ضرورة ان تكون الشركة المصنعة للدواء مسجلة بالوزارة ولا بد من حصولها على شهادة التصنيع الجيد ومعتمدة من الهيئات الصحية في بلد المنشأ وكذلك لابد من ان يكون المنتج المراد تسجيله بالدولة مسجلا في بلد المنشأ منذ عامين وكذلك مرور الدواء بعدة اختبارات وتقييم من اللجان المختلفة وحتى بعد تسجيله يتم متابعة الدواء من حيث آثاره الجانبية وفعاليته وأيضا متابعة التقارير التي تصدر عن الهيئات الصحية الدولية. وفيما يتعلق بالادوية الواردة الى الدولة وكيفية مراقبتها تؤكد الدكتور فاطمة علي عبدالله ان الادارة تقوم بمتابعة كل الشحنات الدوائية التي يتم استيرادها عبر وكلاء الادوية والتأكد من مطابقتها لاذون الاستيراد الصادرة بشأنها مؤكدة ان شحنات عديدة تمت مصادرتها لانها لم تستوف بعض الشروط الموضوعة. ويؤكد الدكتور عدنان الواعظ رئيس قسم الرقابة على القطاع الصيدلاني الخاص بادارة الرقابة الدوائية ان حملات التفتيش التي تنفذها الادارة على الصيدليات الخاصة والمستودعات الطبية بصورة مكثفة ودورية على مستوى الدولة لها دور كبير في المحافظة على ضمان وسلامة الادوية المتداولة بالاسواق، حيث ان من المعروف ان هدف الصيدليات الخاصة والمسئولين عنها الربح بالدرجة الاولى، إذ ان بعضهم يتعامل على ضوء ذلك مع الدواء كسلعة تجارية بحيث يتغاضى البعض عن تنفيذ القوانين والقرارات المنظمة لصرف الدواء للمرضى. ومن أجل ذلك نقوم بمتابعة مستمرة وحملات دورية مكثفة وشاملة على كافة الصيدليات الخاصة والمستودعات ومصادرة أية أدوية مشكوك فيها واغلاق الصيدليات التي لا تلتزم بالقوانين المتعارف عليها. ويقول ان عدد الزيارات التفتيشية التي نفذتها الادارة على الصيدليات والمستشفيات الخاصة والمستودعات الطبية والمصانع على مستوردي الدولة بلغت عام 2000 نحو 2721 زيارة و1148 زيارة للرقابة على الطرود البريدية والموانئ البرية والجوية وغيرها. مؤكدا ان تكثيف زيارات المفتشين التابعين لادارة الرقابة الدوائية أدت الى انخفاض نسبة المخالفات الواردة في الطرود البريدية الى 12.4% في عام 2000 مقارنة بعام 1999. نصائح للجمهور ويحذر الدكتور حنفي محمود صيدلي ومفتش بادارة الرقابة الدوائية بوزارة الصحة من خطورة الاصناف الدوائية غير المسجلة إذ انها لا تحمل شهادة تحليل من الشركة المصنعة وعدم معرفة عملية التخزين السليمة للدواء فضلا عن امكانية ان يكون الدواء مزيفا أو رديء الصنع. ويضيف.. وفي حالة اكتشاف أدوية غير مسجلة بوزارة الصحة في صيدلية ما في الدولة يتم سحب عينة من الدواء وتقديمه لقسم التسجيل الدوائي لتحليله وامكانية تسجيله من عدمه واخطار الصيدليات باعادة الاصناف الى الوكيل وعلى الوكيل ان يتقدم بطلب لتسجيل الدواء ومنحه فترة ما بين 15-30 يوما وفي حالة عدم تقدمه بالطلب تقوم الادارة بمصادرة الدواء حتى لو كان صالحا للاستعمال. وينصح الدكتور حنفي الجمهور والمرضى بضرورة التزام قاعدة الحذر في التعامل مع أي أدوية وعدم الشراء إلا من الصيدليات المرخصة والاطباء المعروفين الموثوق فيهم، وكذلك الامتناع عن شراء الادوية (إلا في الحالات النادرة) التي تباع عبر شبكة الانترنت، وضرورة فحص العبوة الداخلية والخارجية، وقراءة بلد المنشأ والشركة وتاريخ الصلاحية، وعدم التردد في الشك في صلاحية الدواء في حالة وجود خلل أو نقص في المعلومات أو ظهور علامات أو أخطاء في التغليف. كما ينصح بضرورة متابعة الطبيب والصيدلاني المختص عن الشعور بالقلق من دواء معين أو حدوث بعض الأعراض الجانبية الغير عادية عند استعمال الدواء وضرورة رفع تقرير أو شكوى للجهات المختصة في وزارة الصحة.