بيان المدارس: هذا الحوار الذي تستضيفه «حروفنا الساخنة» لم تسبقه تلك الخطوات المعتادة عند اجراء مقابلة بين صحفي ومسئول بل هو نتاج فرصة لقاء سانح ربما كانت الى الصدفة اقرب، لكن اكتماله بالشكل الوافي الذي تطالعونه هنا يعود الى ان المسئول الذي التقيناه لم يضن على محاوره بأية ردود حول تساؤلاته التي شملت في معظمها حاضر ومستقبل القطاع الذي يتولى ضيفنا مسئوليته. بعد هذه المقدمة الضرورية لهذا الحوار ـ الصدفة، لابد لنا ان نشير الى نقطة مهمة كانت وراء دوافعنا في اتمام الحوار بالشكل الذي يعبر عن اهمية ذلك القطاع المهم داخل وزارة التربية والتعليم التي تضطلع بمسئوليات جسام على رأسها وفي صلبها مهمة بناء الانسان. فالانشطة ومعها الرعاية الطلابية لم تعد ترفا تربويا تسعى إليه المجتمعات القادرة ماديا تعبيراً عن رخائها او تتمسح به البلدان النامية تظاهراً بالتقدم، لذا كان علينا ان نسعى عبر حوار مع مسئول الى ابراز الاهمية الحقيقية والقيمة التربوية لذلك النهج الذي استقرت عليه اوضاع كل المؤسسات التعليمية في مشارق الارض ومغاربها، مع الحرص على تأكيد واقعية التطبيق وبيان مراميه والكشف عن آثاره في تنشئة الفرد. وندخل الى اجواء الحوار مع الدكتور احمد سعد الشريف الوكيل المساعد لشئون الانشطة والرعاية الطلابية بوزارة التربية والتعليم والشباب بهذا السؤال الافتتاحي: رؤية 2020 والتطوير ـ منذ اصدار الوزارة لما عرف واشتهر بـ «رؤية 2020» نشطت في اروقتها وفي كل قطاعاتها حركة غير مسبوقة ـ في ايقاعها ومدى استمرارها ـ من اجل البحث عن التطوير الذي يعزز ما تضمنته الرؤية من محاور وبنود، وسؤالنا يقول: هل كان التفكير في ذلك سابقاً للرؤية ام كان نتاجاً لها؟! ـ استطيع ان أؤكد ـ في اجابتي عن هذا السؤال ـ ان صدور الرؤية بكل ما تضمنته من اهداف آنية ومستقبلية هو نتاج حقيقي ومباشر لقناعة مؤكدة لدى قيادة الوزارة بأن التطوير اولا واخيرا هو سمة العصر، ومن لا يرتضي به فلن يكون له في ركبه المسرع موقع، ومن لا يواكب ظروف ومناخات العصر فلن يكون قادرا ـ مهما فعل ومهما امتلك ـ على اللحاق بالنهضة او نيل التقدم. ولان التطوير ـ بطبيعته ـ يستند دائماً الى العقل اي الى نشر مناخ التفكير فان قيادات العمل التربوي والتعليمي بالدولة وفي ظل فلسفة التعليم الوطني وسياساته المستمدة من توجيهات ورؤى القيادة الوطنية الرشيدة قد سعت وبكل ما تملك من طاقات وقدرات في كل قطاعات العمل التربوي ومواقعه الى رفع شعار «التفكير من اجل التطوير» مما يعني ان حركة التفكير يجب ان تستمر بنفس الوتيرة ـ ان لم تزدد قوة ـ لان حركة التطوير هي الاخرى مستمرة وبقوة اكبر، ودون ان تحدها حدود لان المسارات كلها مفتوحة وكذلك الخيارات مادام الهدف واضحاً والآفاق متسعة. وهنا اعود الى النقطة الاساسية في السؤال لاقول: ان الرؤية 2020 كانت تفكيراً في التطوير الذي اصبح بدوره مجالا لاستمرار التفكير وهو ما تقوم به كل قطاعات الوزارة تعزيزاً لنجاحات تمت او استهدافا لنجاحات يجب ان تكون. وقد كان قطاع الانشطة سباقاً في ترجمته للرؤية عن طريق اعتماد اسلوب «ادارة الاداء» وفق حزمة من الاهداف الموضوعية التي تضطلع اداراته بالقيام بها ضمن معالم واضحة لقياس المردود والمخرجات. الانشطة.. تنمية للانسان ـ وفق ما تقولون، وفي ظل ما قمتم به من مساع لتطوير الانشطة الطلابية ـ تحديدا ـ سواء عبر تنظيم مؤتمرات او اقامة مهرجانات، او تغيير في القواعد والتوجهات الخاصة بما يدور في الساحة من فعاليات ـ ما هو الهدف المحدد لقطاعكم والذي تعملون حاليا للوصول اليه؟ ـ هدفنا لا يزال كما هو، فمنذ اخذت الانشطة الطلابية مكانها في مدارسنا ومناهجنا كان الهدف الدائم والثابت هو تنمية الانسان الذي اعتبرته قيادتنا الحكيمة ثروة الوطن وعماد النهضة ودعامة البناء الاتحادي المتنامي والمزدهر. لكننا ـ ونظراً لاختلاف المراحل واتساع الآفاق في مجتمعنا وفيما يحيط بنا من ظواهر عالمية تسود الكون كله فاننا مطالبون بأن ننتهج في عملنا اساليب اخرى ووسائل اكثر ملاءمة لروح العصر وطبيعة التنشئة فيه، وقد نجحنا في ذلك انطلاقاً من اهمية دور الطالب او الطالبة في تنمية المجتمع في سنوات مقبلة لا يخفى على احد ما تحمله من تحديات للاجيال يجب علينا ان نعدهم تربويا وتعليميا لمواجهتها بكل قدرة وبأعلى مستويات النجاح علمياً وانسانياً. تصورات متكاملة ـ ما هو الخط الذي التزمتم به لتحقيق هذه التوجهات وحصاد نتائجها؟ ـ لقد ارسينا قواعد مهمة في مجالات عمل قطاعنا واضعين في اعتبارنا ان علينا ان نحقق اعلى نسبة من الاهداف في زمن قياسي يعوض اي فجوة بيننا وبين العصر، ويجعلنا ايضاً اكثر اقترابا من واقعنا كمجتمع عربي مسلم له عاداته وتقاليده المستمدة من قيمه الدينية وموروثه التاريخي العريق. وقد حددنا مسارنا وبوضوح في اطار شامل ومتكامل نسعى من خلاله الى تأكيد الترابط بين العقل والبدن والروح والوجدان ليكون النتاج انسانا صالحاً وقادراً على خدمة وطنه والتفاعل مع بيئته والاعتزاز بهويته. ومن المهم ان اشير الى اننا وضعنا تصوراتنا في تكامل بحيث يكون كل عنصر من العناصر الاربعة التي ذكرتها في توازن مع بقية العناصر الاخرى، وهو ما يلمسه الميدان والمجتمع في كل انشطتنا وفعالياتنا خلال السنوات الاخيرة. التقويم.. خطوة للامام ـ لكن مشكلة القياس والتقويم بالنسبة لفعاليات الانشطة الطلابية تجعلها امرا غير واضح المعالم او الاثر او الفائدة، فكيف يمكن تجاوز ذلك مستقبلاً؟ ـ ان امر القياس والتقويم لم يغب عن بالنا، لاننا اعتبرناه عنصرا مهما من عناصر نجاحنا، ولذا فقد اوليناه الكثير من اهتمامنا. ولايضاح ما اقول فانني اشير الى ان قطاع الانشطة ـ وللمرة الاولى منذ نشأته ـ قد بادر الى اجراء دراسة ميدانية موسعة حول «كفايات الانشطة لدى الطلاب» ومن اهم اهدافها التعرف على المهارات والقيم والمعارف التي تبقى لدى الطلاب عقب انتهائهم من التعليم العام بكل مراحله. وقد انتهينا بالفعل من انجاز اكثر من 70% من هذه الدراسة وفق منهج علمي حديث، وسوف يتم تسجيل الدراسة ونتائجها وتوصياتها لدى «اليونيسكو» كوثيقة لاول دراسة عربية في هذا المجال. ـ ناديتم قبل فترة بضرورة الاستغلال الكامل للمبنى المدرسي واطلقتم شعاراً يدعو الى وجود مدرسة بلا اسوار هل هناك من جديد يستحق القاء الضوء عليه في هذه الامور؟ ـ من الضروري ان اتوقف قليلاً امام شعار «مدرسة بلا اسوار» لاوضح ان الهدف لا يرتبط بالالفاظ او الكلمات التي يشتمل عليها هذا الشعار، بل ان المعنى هو المقصود في هذه العبارة القصيرة، واعني اننا يجب ان نسعى الى الغاء اسوار المدرسة تلك الاسوار التي تقوم بينها وبين المجتمع، بحيث تتحول المدرسة الى مرفق اجتماعي يؤدي دوره في الاوساط المحيطة طوال الوقت، فاذا كان التعليم هو دور تقوم به المدرسة صباحاً، فان هناك ادواراً اخرى يمكنها القيام بها بعد الدوام المدرسي. ومن هنا فاننا بدعوتنا هذه نريد للمدرسة ـ كمبنى انفقت عليه الدولة الكثير ـ ان تتحول الى مكان لاهل المنطقة او الحي السكني يتجمعون فيه ـ خصوصاً الشباب ـ كي يمارسوا انشطة تتنوع بين الثقافي والعلمي والرياضي والفني بحكم ما تملكه المدارس من منشآت مؤهلة لمثل هذه الانشطة. وبهذا التصور فاننا بصدد اعادة هيكلة المدرسة كي نضع خطط الاستفادة من منشآتها في خدمة التنشئة الاجتماعية لافراد كافة المناطق، وسوف نستعين في هذا الصدد باصحاب المهارات القادرين على تحويل هذه المباني المدرسية ـ عقب الدوام ـ الى مراكز مجتمعية نشطة ونافعة. ولا اخفي سرا حين اقول ان مشروع الاندية المدرسية الذي اعددناه قبل شهور سوف يطرح على المستوى الاعلى في الوزارة لاقرار هيكله العام الذي سيتم على اساسه وضع خطط التنفيذ، وهذا المشروع بحد ذاته يعتبر نقلة نوعية بالنسبة للمدرسة الاماراتية. كما انني اشير هنا الى ان مشروعاً آخر لانشاء وافتتاح قاعات متعددة الاغراض في كافة مناطق الدولة وكل قاعة منها سوف تضم مسرحاً وساحات رياضية بحيث يجتمع طلابنا لممارسة الانشطة الفنية والثقافية والرياضية وهذا المشروع يعد خطوة جيدة لتنمية الاهتمامات والميول لدى طلابنا ايا كان نوعها ومجالها علما بأن جميع المباني المدرسية التي ستقام اعتباراً من الآن ستضم هذه القاعة. ـ اهتمامكم بالمجتمع وحرصكم على ربطه بالمواقع التعليمية وتحقيق اثر ممتد لما يقوم به الميدان من دور في التنشئة والتنمية هل يقتصر على مشروعي الاندية والقاعات والمدرسة التي لا تحجبها عن الوسط المحيط اية اسوار؟! ـ الدكتور احمد سعد الشريف «بعد ابتسامة عريضة ذات مدلول»: رغم ان السؤال يكاد يكون محاولة لاستكشاف ما في جعبتنا من خطط او افكار، الا انني سأجيب عنه تواصلا مع ما طرحناه عبر هذا الحوار، واجابتي ـ وهي ايضاً قناعتي ـ ان كل قطاعات العمل التعليمي والتربوي تسعى بكل طاقاتها من اجل تحقيق تنشئة راقية ومتكاملة لاجيال هذا الوطن، ومن هنا تأتي المبادرات او المشروعات او الخطط بكل ما تحمله من تجديد وتطوير. تأكيد الهوية والانتماء ـ لكنكم لم تضعوا امامنا دليلا جديداً يؤكد هذا التوجه وهذه القناعة؟ ـ هذه محاولة ثانية للوصول الى ما نعده من الاسرار، لكننا وكي نكون عمليين وواقعيين امام افراد المجتمع فانني اعلن ان الامارات ـ وفي سابقة هي الاولى من نوعها عربياً ـ سوف تطلق عما قريب دمية باسم «مبدع» الذي يمثل بشخصيته الاماراتية كل اطفال العرب ويواجه بسماته وهويته وحكاياته تلك الدمية الغربية «باربي». ونحن نعتبر اطلاق «مبدع» تأكيداً لحرصنا على هويتنا وعاداتنا وتقاليدنا وتعزيزاً للقيم السائدة في مجتمعنا الذي يعد نموذجاً للاصالة والحداثة بالنسبة لاقطارنا العربية والمسلمة. ونؤكد بأن ما نرمي اليه من هذا المشروع هو تأكيد الانتماء للوطن والولاء لما يسوده من قيم وتقاليد لان مجتمعنا المحلي خاصة والقومي عامة له خصوصيته التي تتطلب المحافظة عليها وسط ما يشهده الكون من طوفان «العولمة» ومحاولات الاذابة في ثقافة وتقاليد الغرب. ومن المهم ان نشير الى ان شخصية «مبدع» وكذلك الشخصية التي ستأتي بعده وهي شقيقته «مبدعة» سيكونان تعبيراً عن انسان هذا العصر بكل معارفه وقدراته وفي نفس الوقت عن الالتزام بالهوية والثقافة النابعتين من ارضنا وتراثنا. الذكرى الخمسون للمسرح المحلي ـ دعني هذه المرة اطرح عليكم سؤالا مباشراً حول جديد الافكار والبرامج في قطاع الانشطة والرعاية الطلابية؟ ـ لدينا الكثير بالفعل لكن ما يشغلنا الان هو الاعداد لاطلاق عام المسرح المدرسي الذي اخترنا له سنة 2003 التي تأتي في ختام خمسين عاما على نشأة المسرح في الامارات حيث كانت بداياته عام 1954. واؤكد هنا ان توجهنا لتخصيص عام كامل للمسرح المدرسي انما كان انطلاقا من ذلك الاهتمام الكبير والشامل الذي اولاه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة للمهرجان الخليجي الاول للمسرح المدرسي الذي استضافته الشارقة ونظمته الوزارة قبل شهور. واشير الى ان الحديث الذي ادلى به سمو حاكم الشارقة عقب حفل الافتتاح حول اول عرض مسرحي في الامارات وهو «جابر عثرات الكرام» والذي شارك فيه طلاب المدارس واخرجه الاساتذة المعلمون كان دافعاً قوياً للتخطيط لجعل عام 2003 عاماً للمسرح المدرسي، وفي الحديث كانت هناك اشارة ذات معنى الى تلك الاثار الايجابية التي اوجدها المسرح في نفوس المتلقين حيث اتجه سموه الى دراسة المسرح دراسة وافية عرف من خلالها مكوناته وابوابه قبل ان يصبح واحداً من اهم واكبر من كتبوا للمسرح في وطننا الامارات. المدارس.. مصادر للتنوير ـ هذا جيد لكن هل يعني ذلك انه لا جديد لديكم في العام الحالي؟! ـ لا بل لدينا فعالية اخرى جديدة هي الاولى من نوعها في منطقة الخليج، وموعدها شهر اكتوبر المقبل حيث تستضيف الامارات اول ملتقى خليجي للاعلام المدرسي نعول عليه الكثير في الارتقاء بالعمل الاعلامي داخل مدارسنا لتتحول بدورها الى مصادر للتنوير، ومعامل للتدريب على اساليب التواصل مع العصر، والاستفادة من معطياته، واستثمار كل مستحدثاته لتطوير الميدان في كافة فروعه ومجالاته. ـ والان ـ لدي سؤال قد يكون خارج المجال: أليس صعباً ان يكون الانسان مسئولا عن قطاع للانشطة في ميدان لا يتوقف عن الحركة والتطور وعليه ان يلاحق ظروف العصر ودورة الزمان؟! ـ بابتسامة نعلن ختام الحوار يقول د. احمد سعد الشريف: ليس تهربا من الاجابة ان اقول للجميع: من المهم ان نفكر لكن الاهم ان نجعل الآخرين يفكرون معنا، فهذا وحده يزيد مساحة التفكير فيقودنا الى ما نبتغيه دائماً من تطوير. محمود علام