نسمع من الناس بعض المصطلحات احيانا، فنحسبها استخدمت في موضعها ولكن لا نعلم معناها حقيقة. وفي بعض الاحايين نسمعها تطلق على اشخاص، او على مواقف او على تصرفات فنستنكرها لا لأننا عرفنا معناها حقيقة، بل لقناعتنا بأن هذه المصطلحات لم تستخدم في مواطنها الحقيقية، لذلك فإن الصورة اهتزت، والمعنى صار على عكس ما أريد. وكثير منا عندئذ يستشهد بقول ابن رشيق القيرواني: مما يزهدني في أرض أندلس ألقاب معتمد فيها ومعتضد ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد فمن ذلك ان الناس اليوم لا يفرقون بين كلمتي الفرد والشخص، فيقولون: هذا الامر يمكن ان يسند الى اي فرد منا او اي شخص منا. وكأنهم يريدون بذلك اي واحد منا، لكن في الحقيقة ان هناك فروقا لغوية وفلسفية دقيقة بين مصطلح ومصطلح. فالفرد في اللغة بمعنى المنفرد المتوحد، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز (رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين) والفرد من الناس المنقطع النظير الممتاز. والفرد عند الفلاسفة ما لا يمكن تسمية اجزائه باسم الكل، فالرجل فرد لان قطعة منه لا تسمى رجلا. والشخص في اللغة كل جسم له ارتفاع وظهور، وغلب في الانسان. والشخص عند الفلاسفة هو الذات الواعية لكيانها، المستقلة في ارادتها الحرة في تصرفاتها واذا اطلق على الله قيل الذات. والشخص الاخلاقي عندهم هو من توافرت فيه صفات تؤهله للمشاركة العقلية والاخلاقية في مجتمع انساني بحيث تجعله يميز بين الحق والباطل والخير والشر. اذن هناك فرق بين الفرد والشخص، لان الفرد هو مجرد الوجود، اي ان المجنون يمكن ان يطلق عليه كلمة الفرد، بخلاف كلمة الشخص فإنها لا تطلق الا على العاقل اذ يفترض فيه ان يكون انسانا اجتماعيا، بمعنى ان يكون قادرا على التمييز بين الحق والباطل والخير والشر. ومن هنا فإنهم يقولون فلان فاقد الشخصية، وفقدان الشخصية حالة مرضية لا يشعر فيها المرء بأقواله وأفعاله وقد يصحبها الشعور بالذات، او يتوهم ان شخصية تتسلط عليه فيقول ويعمل باسمها. انظر الى كلمة الفضيلة مثلا فإنها في اللغة تعني الدرجة الرفيعة في حسن الخلق. وعند الفلاسفة هي استعداد دائم لفعل الخير، وقد عرفها ابن رشد بأنها ملكة مقدرة لكل فعل هو خير من جهة ذلك التقدير او يظن به ان خير، وهي تقابل الرذيلة. والفضيلة عند الرواقين هي العقل المستقيم والخير الوحيد، ولا درجات فيها لانه لا يعد فاضلا عندهم من لم يبلغ الفضيلة بتمامها وكمالها. والفضيلة عند علماء التصوف هي النفس الانسانية، ويقسمونها الى قوى عالمة وقوى عاملة، وهي تارة تحصل بالطبع، وتارة بالاعتياد والتعلم. اما الفضائل فهي عند الفلاسفة نوعان: عملية تتعلق بالسلوك ونظرية تتعلق بالنظر والتأمل. وقد ذكر افلاطون بأن ام الفضائل اربعة هي: الحكمة والعفة والشجاعة والعدل. والفضائل عند علماء التصوف اربع ايضا وهي: الحكمة وقوامها الفكرة، والعفة وقوامها في الشهوة، والقوة وقوامها في الغضب، والعدل وقوامه في اعتدال قوى النفس. اذن عرفنا ان الفضيلة ليست لقبا يلقي على فلان كالعباءة، بل فضائل يجب ان يتصف بها من تسمى وتلقب بها، ومتى اتصف بها لن تنتزع منه اذا غير منصبه، بل تنتزع منه اذا غير طبعه، على حد قول الشاعر: قالوا فلان عالم فاضل فأكرموه مثل ما يرتضي فقلت لمّا لم يكن عاملا تضارب المانع والمقتضي اقول من تلك المصطلحات ايضا حكم من يخلط بين الخطيب والعالم، فإذا رأى خطيبا منوها يهز المنابر، ويحفظ كثيرا، ويرتجل الكلام، ظن ان ذلك من كثرة علمه وفقهه وتضلعه في علم التفسير والحديث واللغة. مع العلم بأنه لو استمع اليه عالم عارف بالكتاب والسنة، ملم بقواعد اللغة والنحو والصرف لوجده من الذين ينطبق عليهم المثل القائل: اصوات عالية وأجواف خالية. وهذا الموقف يذكرني بأحد الولاة في عصر من العصور اذ جاءه رجل يشكو اليه جفاء ولده، وأنه لا يصلي ولا يحفظ شيئا من القرآن، فاستدعاه الوالي، وبما ان الولد كان ذكيا وعلم بالموضوع اعد نفسه قبل ان يدخل على الوالي وكان هو على علم بمستوى الوالي العلمي الضعيف، فحفظ قصيدة من أروع القصائد، وعندما دخل عليه استجوبه الوالي ووجه اليه تهمة انه لا يحفظ شيئا من القرآن. عندئذ قال الولد: والله يا حضرة الوالي انا احفظ القرآن وبامكانك ان تمتحنني لتراني صادقا أم كاذبا. فقال الوالي اسمعني سورة، فرفع الولد صوته وقرأ عليه القصيدة بلحن جميل وصوت جهوري، مما جعل الوالي وأباه ينبهران. فقال الوالي معجبا به كيف تقول يا فلان بأن ولدك لا يحفظ شيئا من القرآن، فأجاب والده هو الآخر: والله يا حضرة الوالي انه لم يكن يحفظ القرآن حتى هذه الساعة ولا أدري متى حفظ ثم انصرف وهو مندهش وفي غاية الخجل. اقول ان هذه هي حال الكثيرين اليوم، حيث يعجبهم من الخطيب صوته وارتجاله ولا يهمهم اذا كان يروي لهم من صحيح البخاري او من كتاب بدائع الزهور. ويعجبهم من المذيعة رقة صوتها ايضا وليس بمهم بعد ذلك اذا كانت تقرأ الآية صحيحة أم خطأ، وتقرأ الشعر صحيحا وموزونا أم خطأ ومكسورا. والعجيب انها تقرأ الشعر مليئا بالاخطاء من غير تردد ولا تأسف، ضامنة ان الذي يسمعها ليس بأكثر منها علما ولا غيرة. ويروى ان صعيديا كان يرسم شخابيط في ورقة، فقيل له ماذا تفعل؟ قال أكتب رسالة لعمي، قيل له: ومن متى أنت تعرف كتابة الرسائل؟ فأجاب ومن متى عمي يعرف يقرأ؟ أقول هكذا يعم الاستهتار مجتمعاتنا ولا حرج فرحم الله الذي يقول: مررت على المروءة وهي تبكي فقلت علام تنتحب الفتاة؟ فقالت كيف لا أبكي وأهلي جميعا دون خلق الله ماتوا؟ نعم.. سوف يطول رثاؤنا، وتطول المأساة اذا لم نغير أحوالنا ولم نميز بين الجيد والرديء.. أليس كذلك؟