بيان المدارس: بلغت رعاية الاسلام للمعوقين حدا بالغا من السمو والرفعة، فقد حرص الاسلام على دفع اسباب التعويق وسد الذرائع المؤدية اليها، وسوف نبين فيما يلي ما قام به الاسلام وحث عليه في نظمه الهادفة الى رفع تلك الاسباب والأمراض بعد وقوعها. كلنا نتذكر قصة الصحابي الجليل ابن أم مكتوم الذي نزلت من اجله الآيات الكريماتة: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى فأنت له تصدى) ففي هذه الآيات عاتب الله سبحانه وتعالى فيها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وهو افضل خلقه والنموذج الفريد في الرحمة والتعاطف والانسانية وهي السمات التي اكدها القرآن الكريم بقوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم). ومنذ ذلك التاريخ وتقدير واحترام المعوقين توجه اسلامي وقيمة دينية كبرى حظي في ظلالها المعوقون بكل مساندة ودعم حتى وصل الامر ببعض المعوقين الى درجات كبيرة من العلم والمجد والنبوغ. ان الانسانية لم تعرف الاهتمام بالمعوقين كما عرفته حضارتنا العربية الاسلامية فإننا نجد ذلك في تراثنا واضح المعالم وأخبار المعوقين النابغين لا تحصى في كتب التاريخ والتراجم. حكم العناية بالمعوقين في الاسلام العناية بالمعوقين والقيام بأمرهم من فروض الكفايات على الأمة اذا قام به بعضهم سقط الاثم عن الباقين واذا لم يقم به أحد كان الجميع آثمين. اما الناحية الاولى فإن ما امر به الاسلام من انزال الناس منازلهم تبعا لما يتصفون من تقوى واتقان هو مفاد قوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان الله لا ينظر الى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر الى قلوبكم وأعمالكم» ولقد حرم الاسلام كل ما يخل بتكريم الانسان الذي جعله مكرما في آدميته وكان مما جعله من المحرمات والكبائر السخرية والاستهزاء والهمز بأي وسيلة كان ذلك: (لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب) فقد نهى القرآن نهيا عاما ان نتخذ العيوب الخلقية سببا للتندر او العيب او الانتقاص او التقليل من شأن اصحابها كما خص هذه الفئات من المعوقين بتحريم اظهار الشماتة كما جاء في الحديث الشريف: «لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك». كما يجب أن يعطى المعاق حقه كاملا في المساواة بغيره ليحيا حياة كريمة فلا يفضل عليه احد مهما كان مركزه الاجتماعي، كما نبه به سبحانه وتعالى نبيه: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى). الرعاية العقلية والتعليمية ان في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وفي تاريخنا العربي الاسلامي نماذج و أمثلة بارزة ومضيئة تعبر عن روح التضامن والتكافل وتوفير الرعاية العقلية والتعليمية لهذه الفئة من ابناء المجتمع. ولم تكن رعاية المعوقين وسيلة للتقرب الى الله عز وجل فحسب بل كانت واجبا اجتماعيا والتزاما دينيا ومسئولية من جانب الدولة نحو رعاياها سواء في ذلك المسلمين ام غيرهم. والمعاق ـومهما كانت درجة اعاقته ـ يمكن تعليمه والرفع من قدراته العقلية، وليعلم اولياء المعوقين ان باستطاعة اطفالهم المعوقين ان يتعلموا وان يتوقعوا منهم ان يتطوروا بفعل التعليم والتدريب المناسبين، ولا يجوز بأي حال من الاحوال ان تكون الاعاقة سببا يحول دون تمكن المعوق من الحصول على التعليم المناسب له. التخفيف عن المعوقين في الالتزامات الشرعية بقدر طاقتهم من ادلة رعاية الاسلام للمعوقين ان خفف عنهم بعض الالتزامات الشرعية بقدر طاقتهم يقول تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) يقول الامام القرطبي: ان الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج كذلك بالنسبة لما يشترط فيه المشي وما يتعذر من الافعال مع وجود العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في اسقاطه اي في تلك الحال لأيام آخر او لبديل آخر، او الاعفاء من بعض شروط العبادة وأركانها كما في صلاة المريض ونحوهم، فالحرج عنهم مرفوع في كل ما يضرهم اليه العذر فيحملهم على الانقص مع نيتهم بالأكمل. ان حكمة الله ورحمته بعباده اقتضت اختلاف النظرة الى بعض الفئات: فإما ان يكون الموقف منها هو الاعفاء المطلق من المسئولية والتكاليف كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يقوم، والصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق» وأما بالتخفيف من المسئولية وايجاد الرخصة المبيحة او المسقطة، في بعض الامور التي تجب على الآخرين بأصل التكليف وهو ما نجده في بقية المعوقين كل بحسب صورة العائق ومداه. الكفاية المعيشية للمعوقين وحفظ أموالهم النفقة وتحصيل الكفاية المعيشية للمعاق واجبة على وليه، ولا يجوز له الهروب من هذه المسئولية، وقد يكون للمعاق مال فيجب حفظ ماله وتنميته واستثماره له ان امكن ولا يجوز تبديده او انفاقه دون وجه حق: قال تعالى (ولاتؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا). فعلى كل ما له ولاية او قوامة على احد المحتاجين للرعاية فليس له ايقاع اي تصرف في نفس او مال من تحت ولايته الا اذا كان في هذا التصرف مصلحة ظاهرة لان التصرف بحكم الولاية منوط بالمصلحة. دور رعاية المعوقين تحض النصوص الشرعية العامة على مساعدة المحتاجين لبذل العون، ويتأكد ذلك فيمن كانت حاجتهم ماسة ليس لهم بعد الله إلا من يأخذ بأيديهم. وهذا العون فرض كفاية وواجب جماعي لابد وان يقدمه ذوو الكفاية ليسقط الاثم الشامل للجميع لو قصروا في اداء هذا الفرض وفي الحض على المبادرة الى تقديم يد العون للمحتاج آيات وأحاديث كثيرة منها قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) وقوله تعالى: (وأحسنوا ان الله يحب المحسنين) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» وهناك احاديث اخرى كثيرة فيمن قاد اعمى اربعين خطوة ومن كفى المصاب في يد أو رجل مؤونته وحاجته هذا على النطاق الفردي، اما على النطاق الجماعي فقد اسس المسلمون منذ القدم البيمارستانات وهي دور الرعاية للمعاقين، والبيمارستان: كلمة معربة بمعنى مكان المرضى وهي في الأصل تطلق على أي مستشفى عام، ولكن لما كان المرضى يغادرون المستشفيات حين لا يجدون الحاجة لها باستثناء أولئك المحتاجين لدوام الاقامة فيها كذوي الأمراض العقلية والمزمنة، أصبحت الكلمة تنصرف إلى المأوى المعد لأولئك المعوقين قبل غيرهم ممن كان الغالب معالجتهم وهو في بيوتهم. وأول من أنشأ البيمارستانات في الاسلام هو الوليد بن عبدالملك الخليفة الأموي في سنة 88هـ (706م) وجعل فيه الأطباء وأجرى عليهم وعلى العميان الأرزاق، ويروى ان الوليد أعطى الناس المجذومين وقال: لا تسألوا الناس، كما أعطى كل مقعد خادما وكل ضرير قائد. وتشير بعض المصادر الى ان المسلمين كانوا يعطفون على المرضى العقليين لان اصابتهم من الله وقدره. ولقد جاء في صك الأوقاف التي حبس ريعها لصالح المستشفى النووي أو العتيق بحلب: ان كل مجنون كان يحظى بخادمين فينزعان عنه ثيابه كل صباح ويحميانه بالماء البارد ثم يلبسانه ثيابا نظيفة ويحملانه على أداء الصلاة ويسمعانه قراءة القرآن يقرؤه قارئ حسن الصوت ثم يفسحانه في الهواء الطلق. من دراسة للدكتور: عبدالحق حميش ضمن أوراق عمل الملتقى الثاني للجمعية الخليجية للاعاقة ـ فبراير