بيان المدارس: عبر السنوات والمراحل يرتقي الانسان علما وفهما وادراكا في مجالات متعددة قد تتباين في نوعياتها أو أساليب ممارساتها لكنها تتفق في انها ـ جميعها وبلا استثناء ـ تستند إلى قاعدة من العطاء الذي قدمه اناس لا تزال بصماتهم الاولى ذات أثر في حياة المرء مهما تقدم او ارتقى. وحين يتوقف الانسان لتقييم مسيرة حياته وما قطعه من مراحل او بلغه من مواقع فان بوصلة الذهن تتجه دائما نحو أولئك الذين غرسوا في النفس ما انتج اطيب الثمرات ووضعوا اللبنات الاولى على مدارج العمر لتكون للحياة قيمة وللعطاء معنى. وهنا نتوقف كل اسبوع لنقرأ معا رسالة الى هؤلاء فهم اساتذتنا في الحياة. لم أكن أشعر أنني بحاجة الى كل نبضة وفاء تسكنني وكل خلجة صدق تتحرك في ذاتي مثلما أشعر الآن، اني لأشعر ان تكاتف هذه المشاعر وحشدها يضمحل أمام القدر الذي أطمح اليه من الوفاء المستحق والواجب على نحو أستاذ فاضل ومعلم جليل.. بهذه الكلمات جميلة الصياغة والمعبرة عن مشاعره الجياشة نحو استاذه صدقي البيك بدأ معلم اللغة العربية مبارك محمد العصيمي بمدرسة ابن الهيثم الاعدادية للبنين بعجمان رسالته، مضيفا عرفت هذا المعلم الجليل منذ خمس وعشرين سنة حين اخترت التعليم مهنة ومستقبلا فالتحقت بمعهد اعداد المعلمين بمحافظة الدوادمي بالمملكة العربية السعودية ثم رافقته ما يزيد على ثماني حجج في ضيافة الكتاب وحديث اللغة والشعر والتربية، انه واحد من المربين الافذاذ والمعلمين الموسوعيين ومن ذلك الرعيل الذي تمتزج أفئدتهم بهموم الامة وتحترق من أجلها. ويقول العصيمي لأستاذه: لقد كنت لي بمقام البصر والبصيرة، توحي اليّ من حيث لا أشعر بملامح المستقبل وتدفع بطموحي نحو تحقيق الآمال وادراك الاحلام، كنت الحدس النبيل الذي يقرأ الحركة والسكون، والوعي الذي يدرك ما ينتظرني على عتبات الحياة، كنت نبعا عذبا متدفقا، نهلته علما واخلاقا واخلاصا ورؤى تربوية عظيمة، كنت متواضعا حليما دمثا تكره الحديث عن الذات، أذكر اننا ذات يوم ألححنا عليك بسماع شيء من قريضك في آخر احدى الحصص فرفضت بعد ان كدت، معتذرا بأنك لا تكتب الشعر، وهذا ما ثبت عكسه في أماس شعرية لاحقة، ولكنك كرهت الاطراء والمديح. أستاذي الفاضل: مازلت أذكرك تهفو نفسك لحوار تلاميذك ومناقشاتهم ومداخلاتهم حتى الصغيرة منها وكنت تبتهج بالنابهين والنابغين وتأخذ بهم الى التألق والمتابعة والفهم والتدوين والحفظ والاستذكار وتحتفي بهم احتفاء المربي الجليل والاب الحنون الذي يلتزم بالقدوة قبل التعليم حتى اني لأجد نفسي قد استقيت منك الكثير من تلك المؤثرات السلوكية التربوية الفاعلة فأصبحت لحمة وسدى في نسيجي التربوي بل تكاد تتكرر بكل ملامحها وتفاصيلها في المواقف التربوية اليومية في حياتي العملية. أستاذي: وأنت قد ترجلت عن جوادك محمود الصنيع وسلمت السهام لحامل الكنانة وحمل السنان والعنان فرسان هذا الزمان فإني لأسأل الله تعالى ان يجعل اسهاماتك في موازين حسناتك وان يمن عليك بالصحة والعافية أينما وحيثما كنت، أما نحن والتربية فان حالنا يصدق عليها قول الشاعر مع شيء من التصرف: كأنّ مثار النقع فوق رؤسنا (وأسيافنا) ليل تهاوى كواكبه لقد ركب الناس سفن الهوى واللهو والرغبات العابرة واداروا ظهورهم الى أولئك الذين ينزفون حياتهم غارقين بين الكتب والدفاتر متلونين بألوان المحابر، عاكفين على الاسفار خائضين عباب الحياة القاسي وحدهم، انهم يقبعون خلف الطوابير تجلدهم نظرات الاحباط والنكران صباح مساء، لا يجدون معينا على تقويم عابث مسرف، أو مشاكس مترف، أو احمق جاف، يعلن كل صباح عقوقه وجفوته لمعلميه، ويمزقهم بأسواط لسانه في ابشع صور النكران. عزاؤنا انكم قد وضعتمونا على منهج الانبياء وحملتمونا رسالتهم، نسأل الله لنا ولكم العون والرشاد. بذور المسئولية حسين صالح الشواب مدير مركز رعاية وتأهيل المعاقين بدبي استهل رسائله لأساتذته في الحياة بتوجيه رسالة الى والديه الكريمين قائلا: هما المدرسة الأولى التي بدأت تغرس في نفسه بذور المسئولية وحب العمل وعدم الاعتماد عليهما في تدبير شئونهم، حتى في المصروف الذي يقدم لنا والذي نأخذه بشكل عملي للاحساس أكثر بالمسئولية وقيمة ما نأخذه وحتى نستطيع المحافظة عليه، مضيفا الى انهما يعتبران ايضا اهم دافع له نحو استكماله لمسيرة التعليم هو واخوانه التسعة بالرغم من انهما غير متعلمين. ويشير الشواب الى انه بعد دخوله الى الحياة الجامعية وتحقيق رغبته في دخول تخصص انساني وهو علم الاجتماع، فانه ايضا لا تزال ذاكرته تحمل اسما آخر في هذه المرحلة يعتبره ايضا استاذا له في هذه الحياة تعلم منه الكثير وهو عاطف وصفي رئيس شعبة قسم الاجتماع آنذاك، مشيرا الى انه من ضمن الامور التي تعلمها منه هو عدم الاكتفاء بالدراسة فقط وانما يجب استكماله بالبحث والتحري وكذلك الجدية في الدراسة وهذه كلها امور زرعت في نفسي رغبة استكمال دراساتي العليا، ولكن نظرا لوجود بعض الظروف آنذاك والتي مثلت عائقا لي نحو الاستكمال، فانني لم أستطع تحقيق هذا الحلم. ويوجه مدير مركز رعاية وتأهيل المعاقين بدبي سطورا من رسالته الى زوجته ورفيقة دربه في هذه الحياة فيقول: باعتبارها ايضا اخصائية اجتماعية فاننا بالتالي اصبحنا نكمل بعضنا بعضا واصبح الدافع بيننا متبادلا، ويحملنا نحو طريق النجاح فنجاحنا في هذه الحياة بلا شك انه سينعكس على ابنائنا. علمتني الرجولة والصبر أما سعيد بن حسين رئيس قسم مصادر التعلم بوزارة التربية والتعليم والشباب فيوجه رسالته الى والده داعيا المولى عز وجل ان يطيل في عمره قائلا: اليك يا من كنت سببا لوجودي في الحياة وصرت معلمي ومرشدي الاول ورمزا للعطف والحنان والقوة والتضحية والشهامة اوجه رسالة عرفان وتقدير بفضلكم عليّ بعد الله عز وجل تقف بجانبي وتأخذ بيدي، وتوجهني في روية وصبر وبتحليل منطقي الى حل مشكلاتي في الحياة فكنت ومازلت لي العقل الكبير والتعقل المنير والقلب النابض وصاحب التجربة والحنكة والصبر منك تعلمت الرجولة والصبر على الشدائد وعدم القنوط لان الصبر الذي ربيتني عليه صار زادا لي في مواجهة ما يعتري حياتي الاجتماعية والعملية. ويوضح سعيد بن حسين انه يلوذ بوالده مهما كبر او ازدادت خبراته في الحياة والعمل لان الوالد صاحب تجربة كبيرة وكفاح طويل تعلمنا منه عدم اليأس واهمية الاستفادة من التجربة بروح الاخ والصديق قبل ان يكون بتوجيه الابوة وعلم الاستاذ والمربي، فهو ـ اطال الله في عمره وأبقاه لنا عزا وذخرا ـ اب واخ وصديق واستاذ. فتحي عبدالكريم