احتفل مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في الرابع عشر من شهر مارس الحالي بالذكرى الثامنة لانشائه، في الوقت الذي يستمر خلاله في تحقيق رسالته التي تقوم على مبدأين مهمين هما خدمة البحث العلمي والثقافة في المجتمع، ودعم القرار. وضع المركز نصب عينيه ضرورة مواكبة تطورات العصر فيما يخص عملية دعم القرار، وذلك لعرض القضايا التي تهم دولة الامارات العربية المتحدة، واهم الخيارات المتاحة حيالها امام متخذي القرار. ولم يغفل المركز منذ انشائه حقيقة مهمة واستراتيحية الا وهي ضرورة اعداد الكوادر البحثية المواطنة وتدريبها، وذلك لخلق جيل بحثي من شباب الدولة يعي قضايا بلاده واهم التحديات التي تواجهها، ويتسلح بمناهج البحث العلمي الحديثة لاعداد الدراسات الاستراتيجية الهادفة لدعم اتخاذ القرار في الدولة. استطاع المركز طيلة السنوات الماضية أن يرسخ مكانته العلمية والبحثية، وأن يثبت وجوده على جميع المستويات، المحلية والعربية والعالمية، من خلال الاصدارات العلمية الهادفة، وتنظيم المؤتمرات والمحاضرات والندوات والحلقات الدراسية المتخصصة، وتحقيق ذلك بناء على خطة علمية مدروسة عكست بوضوح مدى التطور العلمي والثقافي الذي حققته دولة الامارات في ظل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله». وتتضح انجازات المركز من خلال بعض الحقائق والارقام التي توضح مسيرته خلال السنوات الثماني الماضية. ففي مجال خدمة المجتمع ركز المركز على اربعة محاور رئيسية هي تنظيم الانشطة الثقافية العلمية، اصدار الكتب والدراسات المتخصصة، اصدار نشرات تحليلية يومية، والمشاركة المستمرة في جميع المحافل والمعارض المحلية والاقليمية والدولية. فمن خلال المحور الاول استطاع المركز أن ينظم 21 مؤتمرا و 10 ندوات و 28 حلقة دراسية «ورشة عمل» و 130 محاضرة. وركزت جميع الانشطة على عرض اهم القضايا والتحديات التي تواجه دولة الامارات ومنطقة الخليج العربية بشكل خاص، والعالم العربي وبقية دول العالم بشكل عام. وقد تعددت موضوعات تلك الانشطة لتشمل: امن الخليج، وثورة المعلومات والاتصالات، وتحديات القرن الحادي والعشرين فيما يتعلق بالتعليم وتنمية الموارد البشرية، وقضايا الطاقة ومصادرها والعديد من القضايا الاقتصادية والسياسية الاخرى، ونشير هنا الى 5 مؤتمرات شكلت علامة فارقة في مسيرة المركز في مجال خدمة المجتمع. المؤتمران الاول والثاني كانا بعنوان «أمن الخليج: المنظور الوطني 1 و 2»، وقد عقدا في ابريل من عامي 1997 و 1998، ويعد هذان المؤتمران اول ملتقيين علميين يعقدان على مستوى دول المنطقة لبحث ابعاد موضوع امن منطقة الخليج العربي وتحليلها في اطار المنظور الوطني، تم عقد المؤتمران تحت رعاية وحضور الفريق الركن طيار سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس اركان القوات المسلحة ورئيس المركز، وشارك فيهما نخبة متميزة من صانعي القرار والباحثين والاكاديميين المتخصصين من ابناء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. والمؤتمر الثالث جاء بعنوان «2000 هكذا يصنع المستقبل» في اكتوبر 1999، وهدف هذا المؤتمر الى استشراف المستقبل في القرن الحالي من خلال دراسة الموضوعات المهمة المتعلقة بالشئون الدولية، والاقتصاد، والبيئة، والتعليم، والصحة، والاعلام، والتقنية، وحضرته مجموعة من كبار الخبراء ورجال السياسة وبعض الحائزين على جائزة نوبل. اما المؤتمر الرابع فكان بعنوان «القيادة والادارة في عصر المعلومات» في نوفمبر 2000، وعقد هذا المؤتمر تحت رعاية وحضور الفريق الركن طيار سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وقام بافتتاح فعالياته الملك عبد الله الثاني، ملك المملكة الاردنية الهاشمية. وبحث المؤتمر التقدم الملموس في شتى حقول العلم والمعرفة، والتي تتطلب نسقا جديدا ومميزا في اسلوب القيادة والادارة ونمطيهما في عصر اصبحت فيه المعلومات حجر الاساس للنمو والتقدم. وجاء المؤتمر الخامس بعنوان «تنمية الموارد البشرية في اقتصاد مبني على المعرفة» في فبراير 2002. وعقد هذا المؤتمر تحت رعاية وحضور الفريق الركن طيار سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وقام بالقاء الكلمة الرئيسية فيه حامد قرضاي، رئيس حكومة افغانستان المؤقتة. وبحث المؤتمر في مناقشاته بين قضايا تنمية الموارد البشرية والاقتصاد المبني على المعرفة، حيث أن التغيرات التي شهدها العالم على خطط وبرامج تنمية الموارد البشرية وطبيعة قوة العمل في المستقبل، تعد من ابرز القضايا التي لم تحظ بالدراسة الكافية، اذ شهدت المؤسسات الدولية والعابرة للحدود تغيرات تؤهلها للتوافق مع ثورة المعلومات والاستفادة منها واستغلالها، بينما بقيت قضية تنمية الموارد البشرية في المؤخرة. اما المحور الثاني من محاور خدمة المجتمع فيركز على تنفيذ خطة علمية مدروسة لاصدار كتب وسلاسل علمية محكمة ترتكز على مبدأ النوعية والكيف وليس على مبدأ الكم. وفي هذا الاطار اصدر المركز 290 اصدارا يشمل كتبا اصلية ومترجمة «باللغتين العربية والانجليزية» وسلاسل دراسات استراتيجية ودراسات عالمية ومحاضرات الامارات «باللغتين العربية والانجليزية». ولاقت تلك الاصدارات قبولا واسع النطاق عربيا وعالميا لما تتضمنه من جهد علمي وبحثي متميز، كما فاز كتاب «ايران والخليج، البحث عن الاستقرار» بجائزة افضل ناشر وافضل كتاب عربي في العلوم الانسانية والاجتماعية وافضل تأليف وذلك في معرض الشارقة الدولي للكتاب عام 1997، وحصل ايضا كتاب «امن الخليج في القرن الحادي والعشرين» على جائزة بن تركي للبحوث والتخطيط المستقبلي في سبتمبر 1998، كما فاز كتاب «الاوضاع الاقتصادية في امارات الساحل (1862- 1965) بجائزة الشارقة للكتاب الاماراتي للعام 2001م لافضل كتاب محلي، وذلك في معرض الشارقة الدولي للكتاب عام 2001م. ومن خلال المحور الثالث من محاور خدمة المجتمع استطاع مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية أن يصدر ما يناهز 2113 عددا من نشرة اخبار الساعة اليومية، التي تصل الى متخذي القرار في الدولة وسفاراتها في الخارج، وتقوم برصد وتحليل كافة الاحداث والقضايا السياسية والاقتصادية والامنية والاجتماعية ذات الصلة بالدولة ومنطقة الخليج العربي خاصة، والعالم العربي وبقية العالم عامة، ونظرا لما تتمتع به هذه النشرة من مصداقية فقد اصبحت مصدرا تستقي منه وسائل الاعلام المحلية والاقليمية الاخبار والتقارير. ويأتي المحور الرابع من محاور مجال خدمة المجتمع ليؤكد الحضور والمشاركة المكثفة والمتميزة لباحثي المركز من المواطنين في كافة المؤتمرات والندوات المحلية والاقليمية والدولية وشارك حتى الان العشرات من الباحثين المواطنين في العديد من الانشطة العلمية والثقافية داخل الدولة وخارجها. كما شارك المركز في 43 معرضا محليا و 76 معرضا دوليا للكتاب، اي ما مجموعه 119 معرضا للكتاب. وفيما يتعلق بمجال البحث العلمي لخدمة اتخاذ القرار، فقد اهتم المركز منذ انشائه باعداد البحوث والدراسات الاستراتيجية والتقارير المتخصصة لمتخذي القرار، والتي تستند في معظمها الى دراسات ميدانية دقيقة بالاضافة الى تنفيذ مشروعات بحثية مستمرة حول العديد من القضايا الاستراتيجية التي تهم دولة الامارات. وبلغ مجموع ما انجزه المركز في هذا المجال ما يقارب 1000 دراسة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية والمعلوماتية، ساهمت الى حد كبير في تكوين صورة واضحة امام متخذي القرار في الدولة. ومن اهم تلك الدراسات، المشروع البحثي المتواصل حول اوضاع العمالة الوافدة بالدولة، حيث يقوم المركز بدراسة السياسات والاتفاقيات الدولية وانعكاساتها على السياسة العمالية في الامارات، وذلك في اطار دراسات السكان وسوق العمل، وقام المركز باجراء العديد من المسوحات الميدانية في هذا السياق. ومن الضروري التنويه هنا الى أن المركز، وبفضل تعاونه مع بقية المؤسسات ذات الصلة بالدولة، هو الجهة الوحيدة في دولة الامارات التي تمتلك اكبر قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة عن اوضاع القوى العاملة وسوق العمل في الدولة، واستطاع المركز من خلال تلك القاعدة انجاز العيد من الدراسات والتقارير وعرضها على متخذي القرار في الدولة التي ساهمت الى حد كبير في بلورة اهم السياسات الخاصة بسوق العمل في البلاد في الاونة الاخيرة. كما انجز المركز دراسة استراتيجية حول تنويع القاعدة الاقتصادية لدولة الامارات، تهدف الى تقديم خيارات ودراسات جدوى لمشروعات اقتصادية استراتيجية لمتخذي القرار بالدولة، بهدف تنويع مصادر الدخل خلال المرحلة المقبلة، ومن الاهمية بمكان التأكيد هنا على أن تنفيذ المركز لذلك المشروع قد اتاح له امتلاك اكبر قاعدة معلومات اقتصادية حول دولة الامارات منذ عام 1975، لا تتوافر لدى اي جهة اخرى، بالاضافة الى امتلاك المركز لثلاثة نماذج رياضية احصائية هي الوحيدة من نوعها ليس على مستوى الدولة فقط وانما على مستوى الشرق الاوسط ايضا، وتسمح تلك النماذج بالقيام بالعديد من العمليات الاحصائية الضرورية لاجراء التوقعات الاقتصادية. ويفخر المركز أن من يقوم على تشغيل تلك النماذج وصيانتها وتحديثها هو احد الباحثين المواطنين العاملين في المركز، وقد قام المركز من خلال ذلك المشروع بانجاز 25 دراسة وتقريرا لمتخذي القرار. وقام المركز ايضا، ومن منطلق متابعته المستمرة للقضايا التي تهم دولة الامارات واستشرافه للتحديات المستقبلية التي تواجهها، باعداد المئات من الدراسات البحثية المتعلقة بالامن القومي لدولة الامارات، ومن اهم تلك الدراسات التي انجزها المركز مؤخرا دراسة «الشباب في دولة الامارات العربية المتحدة، دراسة اجتماعية في قضايا الشباب ومشكلاتهم» ودراسة «واقع المناطق الحرة في دولة الامارات العربية المتحدة». اما في مجال اعداد الكوادر البحثية المواطنة وتأهيلها، فقد اخذ المركز على عاتقه مهمة تدريب المواطنين العاملين في قطاع البحث العلمي بالمركز في شتى التخصصات العلمية والادارية، وذلك من خلال قسم التدريب الذي يطرح البرامج التي تحقق تنمية القدرات العلمية، وتأهيل الباحثين والموظفين المواطنين وتدريبهم للقيام بمهامهم واعمالهم بكفاءة عالية. ومن اهم تلك البرامج دبلوم البحث العلمي وهو يهدف الى التدريب على خطوات اعداد البحث العلمي في الموضوعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، ويستمر الدبلوم لمدة عام اكاديمي «9 اشهر» وبدأ المركز الخطوات الفعلية للحصول على الاعتراف العلمي والاكاديمي بهذا البرنامج من الجهات المعنية بالدولة. ويشارك في البرنامج الى جانب موظفي المركز موظفون مواطنون عاملون في مجالات مشابهة في بعض الجهات الحكومية بالدولة، وقد تم تخريج دفعتين من الباحثين المواطنين الملتحقين بدبلوم البحث العلمي، وهناك دفعة ثالثة سيحتفل المركز بتخريجها منتصف العام الحالي باذن الله.