سجلت أجهزة المراقبة الجوفية بالمنطقة الزراعية الشمالية حالة انخفاض كبيرة في منسوب المياه الجوفية تقدر بحوالي 10 أمتار. ورغم شح الأمطار الذي تعاني منه المنطقة بأسرها طوال السنوات الخمس الأخيرة فإن ذلك ليس هو السبب الوحيد الذي أسفر عنه تدهور المياه المخزونة في جوف الأرض، إذ ان التعامل غير المسئول والحفر العشوائي للآبار لعب دورا مهما في تفاقم المشكلة. وفي اطار المساعي الحثيثة المبذولة هنا في رأس الخيمة للحد من تدهور المياه الجوفية أوقفت البلدية اصدار تراخيص لانشاء محطات جديدة لتحلية المياه بعدما اتضح جليا انها تساهم في استنزاف المياه، كما تم تشكيل لجنة للنظر في طلبات المواطنين الراغبين في حفر آبار المياه الجوفية لديها الصلاحية بالموافقة أو الرفض وكذلك معاقبة المخالفين. ويقول مبارك علي الشامسي مدير عام البلدية: لم يعد بمقدور أي جهة القيام بأعمال تتعلق بحفر الآبار قبل الحصول على موافقة اللجنة. واللجنة التي تضم في عضويتها ممثلين عن البلدية والزراعة والهيئة الاتحادية للمياه والأراضي تجتمع مرة كل اسبوع. ويضيف الشامسي: قبل اتخاذ القرار بالموافقة أو الرفض تقوم اللجنة بدراسة الأوضاع ميدانيا بقصد الوقوف على أمور مهمة في المحافظة على الثروات المائية الجوفية مثل مدى الحاجة الملحة للبئر الجديدة وموقع حفرها والعمق المطلوب للحفر وفي ضوء القناعة التي يتم الوصول اليها تتخذ اللجنة قرارها الحاسم بالموافقة على عملية الحفر من عدمه. وفي الحقيقة فإن اللجنة نجحت الى حد ما في تنظيم عملية حفر الآبار الجوفية، فمنذ تولي اللجنة لمهمة الاشراف الفعلي لتصاريح الآبار الجوفية لم يتمكن المزارعون وغيرهم من اللجوء الى الحفر العشوائي. ويقول الشامسي لقد أظهر الناس تعاونا كبيرا مع مساعي اللجنة الهادفة لتنظيم عملية حفر الآبار الجوفية، أضف الى ذلك فإن العقوبات الصارمة التي تتخذ بحق المخالفين أيضا كان لها دور رادع في تحقيق ذلك الانضباط. والعقوبات التي يتحدث عنها مدير عام البلدية تتضمن فرض غرامة مالية تصل الى 10 آلاف درهم لكل من يحفر بئرا قبل الحصول على موافقة اللجنة مع ردم البئر ومصادرة آلة الحفر لفترة محددة. وفي امارة رأس الخيمة تتعرض المياه الجوفية لعملية استنزاف كبيرة بسبب الكم الهائل من المزارع. وتقول مصادر مسئولة بوزارة الزراعة والثروة السمكية انه خلال السنوات الأخيرة قفز عدد المزارع برأس الخيمة الى 4301 مزرعة تبلغ مساحتها الكلية أكثر من 125 ألف دونم. ويقول عبدالله خلفان الشريقي مدير المنطقة الزراعية الشمالية: إلى جانب النقص في معدلات الأمطار فإن عمليات الضخ المتزايدة تسببت في اهدار المياه الجوفية بصورة مزعجة ونتيجة لانخفاض منسوب المياه الجوفية فقد لجأ المزارعون الى حفر آبار جديدة أو تعميق الآبار القديمة. ويذكر الشريقي انه بسبب تدهور المياه الجوفية فقد بات لزاما على المزارعين الهبوط بأعماق الآبار الى أعماق تصل الى ألف قدم. ويضيف قائلا: والأسوأ من ذلك الارتفاع في معدل ملوحة مياه الري وهو الأمر الذي كان له تأثيره السلبي على انتاج المحاصيل الزراعية. ويرى مدير المنطقة الزراعية الشمالية ان اهتمام الدولة بالتحلية يصب في خانة المساعي المبذولة للحد من المحاصيل والأعلاف المسببة لاستنزاف المياه الجوفية وهو يقول: الى جانب ذلك فقد عمدت الدولة مؤخرا لبناء العديد من السدود لحجز مياه الأمطار. وفي السنوات التي شهدت هطول أمطار غزيرة نجحت السدود المقامة في وادي البيح واذن والبريرات في السيطرة على كميات ضخمة من المياه التي ساهمت فعلا في تحسين منسوب المياه الجوفية. ويؤكد الشريقي على أهمية تكاتف الجهود من أجل الحفاظ على الثروة المائية، ويقول: من الخطأ الفهم ان مسئولية المحافظة على الثروة المائية تعتمد على جهة واحدة دون غيرها، بل المهم هو ان يعي كل فرد أو جهة في المجتمع دوره كاملا كالمحافظة على المياه في جوف الأرض أو خارجها. ويضيف الشريقي: ان ما نراه من سلبية في التعامل مع المياه سواء في المزارع أو المساكن أو غير ذلك يكشف بوضوح عن مدى جهل بعض قطاعات المجتمع بخطورة الأمر الذي نحن فيه جراء قلة سقوط الأمطار. وفي واقع الأمر فإن الدولة تبدو مهتمة جدا بمسألة الحفاظ على المخزون الجوفي من المياه ومع بروز ظاهرة شح الامطار وتدهور المياه الجوفية لجأت المنطقة الزراعية الشمالية لفرض رقابة على المياه الجوفية. ويقول المهندس محمد صالح رئيس قسم المياه بالمنطقة، كان من الضروري معرفة ما يجري للمياه في جوف الأرض وتحقيقا لهذا الغرض فقط أنشأت الوزارة 53 بئرا خاصة بأعمال المراقبة وهي موزعة على امتداد المنطقة الواقعة بين شعم وحتى الفيل. وآبار المراقبة هي أشبه بالآبار الجوفية الاعتيادية المستخدمة حاليا في ري المزارع ولكنها تختلف عنها في أمر واحد هو انها مجهزة بمعدات لقياس مناسيب المياه الجوفية ارتفاعا وانخفاضا. ويقول صالح: في الأول من كل شهر يزور عامل الآبار الجوفية ليأخذ قراءة مناسيب المياه الجوفية. وبالطبع فإن القراءة التي جرى تسجيلها في السنوات الأخيرة كلها كانت تشير الى شيء واحد هو تدهور المياه الجوفية نحو الأقل. وكما هو حال الكثير من المسئولين في قطاع المياه فإن رئيس قسم المياه بالمنطقة يشعر بعدم الارتياح لأوضاع المياه الجوفية ويشتكي من عدم وجود رغبة جادة من الناس في المحافظة عليها. ويضيف: لا يحتاج الأمر لكثير عناء كي نعرف حقيقة ما يقوم به البعض من أعمال غير مسئولة في هذا الشأن، إذ ان المياه المتدفقة تقابلك في كل مكان. ويطالب المهندس صالح بوقف اصدار تراخيص لمحطات تحلية المياه بعد ان تبين انها تمثل مصدرا لاهدار المياه الجوفية. ويضيف: باعتقادي ان الحل الأمثل لهذه المعضلة يتمثل في اللجوء لاستثمار مياه البحر والاستفادة منها في أعمال الري وتنفيذ المشاريع الأخرى مثل الشرب والبناء وغير ذلك. رأس الخيمة ـ سليمان الماحي: