خلق الله الخلق يوم خلقهم من امشاج مختلفة، فكان منها الابيض والاسود والاحمر والاشقر وكان منها الطيب والخبيث، والصالح والطالح، والضار والنافع، والكريم والبخيل، والمحب والحاقد والحاسد. هذا الخلق المختلف بعضه عن بعض لم يكن من الله تعالى عبثاً بل لحكمة وهي انه يريد ان يمتحن عباده. فكما اننا عندما ندخل الامتحان منا الناجح ومنا الراسب، فإن الحياة ايضا ناجح وراسب. الناجحون هم الذين يتغلبون على شهواتهم وينتصرون على نزعاتهم الشيطانية من كره وبغض وحقد وحسد. والراسبون هم الذين يستجيبون للهوى والشيطان فصاروا كلما رأوا نوراً اطفأوه ظنا منهم بأنهم بهذه الطريقة سوف يقضون على الخير تماماً، ولا يدرون انهم يقضون على انفسهم وفي الامثال «من حفر حفرة لاخيه وقع فيها». اذن لا نقول ان الكون كله خير بل خير وشر في آن واحد، والانسان في هذا الكون ليست مهمته ان يقطع جذور الشر من اصله لان ذلك خلاف سنة الله في كونه. لكن المطلوب منا ان نحذر الناس من الانقياد للشر، لكي نخفف من حدته ذلك ان الشر وان كان مخلوقا لكنه غير مطلوب، لانه وجد لنميز به الحق من الباطل، والجميل من القبيح، والنافع من الضار. وهاهم الانبياء رغم انهم كانوا معززين بالوحي فإنهم ما استطاعوا ان يقضوا على الاشرار، بل كانوا يدارونهم تارة، ويهاجمونهم تارة اخرى من اجل اضعافهم كي لا يتمكنوا من ضرب الجذور في الارض، لعلمهم بأن الاشرار اذا تمكنوا يضرون انفسهم قبل الآخرين، لماذا؟ لان الشر لا ينبعث من النفس إلا من حقد دفين، والحاقد مملوء غيظاً، وهذا الحقد المستمر يؤدي الى حسد، والحسد عرفه العلماء بأنه تمني زوال مال الغير. اذن لا تهدأ نفسه حتى يزول ذلك المحسود، وبما انه يتمنى زوال الآخرين فإن مهمة الحاسد لا تنتهي عند زوال محسود واحد، لذا فإن الحسد مستمر مادام الناس احياء. ومثل هذا قد يحسد نفسه ويحسد اولاده والاقربين اليه اذا نافسوه او شاركوه في قصعة او مهنة او منصب أو موهبة من مواهب الله. وقد قيل: لا تأمنن مشاركاً في رتبة ولو انه الولد الذي لك يولد فلكل شيء آفة من جنسه حتى الحديد سطا عليه المبرد ويروى ان ثلاثة من الحساد اجتمعوا في مكان وقالوا ليصف كل واحد منا مقدار حسده. فقال الاول: انني بلغ حسدي لدرجة اني لا احب ان افعل خيراً لاحد. وقال الثاني: انني بلغ حسدي لدرجة اني لا احب ان ارى احدا يفعل خيراً لاحد. وقال الثالث: انني بلغ حسدي لدرجة اني لا احب ان يفعل لي احد خيراً. اقول هكذا يفعل الحسد بالانسان، لان نفسه تظلم اذا اطبق عليه الحسد، ومتى اظلمت نفسه لا تسمح لنور الخير ان يدخل عليها فيعيش صاحبها في ظلمات بعضها فوق بعض. وفي المجتمعات منذ القدم الى يومنا هذا صور ومشاهد كثيرة للانتقام، وكلها نابعة من الحقد والحسد. وهذا الحقد قد يأخذ شكل الغيرة أولاً لكن في النهاية يتحول الى حسد. والحسد يقول عنه السيد قطب رحمه الله في ظلال القرآن انفعال نفسي ازاء نعمة الله على بعض عباده مع تمني زوالها، سواء اتبع الحاسد هذا الانفعال بسعي منه لازالة النعمة تحت تأثير الحقد والغيط، او وقف عند حد الانفعال النفسي، فإن شراً يمكن ان يعقب هذا الانفعال. ثم يقول: ونحن مضطرون ان نطامن من حدة النفي لما لا نعرف من اسرار هذا الوجود واسرار النفس البشرية، واسرار هذا الجهاز الانساني، فهنالك وقائع كثيرة تصدر عن هذه الاسرار، ولا نملك لها حتى اليوم تعليلاً. هنالك مثلا ذلك التخاطر على البعد وفيه تتم اتصالات بين اشخاص متباعدين، اتصالات لا سبل الى الشك في وقوعها بعد تواتر الاخبار بها وقيام التجارب الكثيرة المثبتة لها ولا سبيل كذلك لتعليلها بما بين ايدينا من معلومات، وكذلك التنويم المغناطيسي، وقد اصبح الآن موضعاً للتجربة المتكررة المثبتة وهو مجهول السر والكيفية، وغير التخاطر والتنويم كثير من اسرار الوجود واسرار النفس واسرار هذا الجهاز الانساني. فاذا حسد الحاسد ووجه انفعالا نفسياً معينا الى المحسود فلا سبيل لنفي اثر هذا التوجه، لكننا على يقين بأنه شر يستعاذ منه بالله ويستجار منه بحماه. اقول ان الحسد شر كامن في النفس، وصاحبه ليس بنائم ولا غافل بل يبحث عن الفرصة المناسبة لينقض على المحسود ويكسره ويزيله عن الوجود. هذا الانفعال العنيف الذي يزلزل كيان الحاسد سماه الدين مرضاً من أمراض القلوب، وامراض القلوب لا تعالج من خلال المستشفيات ولا بوساطة الكبسولات وانما علاجها جرعات ايمانية. لذلك فإن الله تبارك وتعالى علم رسوله بأن يتعوذ من الحسد قائلا: «ومن شر حاسد اذا حسد» ان النبي صلى الله عليه وسلم كان اذا أوى الى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما: قل هو الله احد، وقل اعوذ برب الفلق، وقل اعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما اقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات، رواه البخاري. وبما انه يعلم ان هذا المرض القلبي سوف يتحول الى مرض اجتماعي فإنه حذر امته من نتائج الحسد قائلا: «اياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» رواه ابو داوود والبيهقي. يا ترى لماذا شبه الرسول الحسد بالنار؟ أهو نار فعلاً. نعم.. ولذلك فإن قلب صاحبه يغلي بالحقد ولا يخمد إلا اذا زال المحسود والشاعر عبر عن هذه النار ايضا قائلا: دع الحسود وما يلقاه من كمده يكفيك منه لهيب النار في كبده ان لمت ذا حسد نفست كربته وان سكت فقد عذبته بيده ثم ان الرسول لفت انظارنا الى أمر آخر وهو ان الحسد ليس وليد اليوم بل مرض الامم من قبلنا، لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم «دب فيكم داء الامم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، اما اني لا اقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين» رواه البزار والبيهقي وغيرهما. وبالمناسبة فإن الحاسد قد يحسد المحسود على امر تافه، وقد روي ان احدهم حكم عليه بالصلب فقيل كيف يصلب هذا الحقير مع فلان الشريف، وكان هو احد ثلاثة حكم عليهم بالصلب. انظروا كيف حسدوه على الصلب مع فلان وعلان، في حين انهم كلهم يلاقون حتفهم. اذن لا مفر من الحسد وكل ذي نعمة محسود كما ورد في الاثر وربما حسد الانسان نفسه كما فهمنا من القصة التي رويناها. ولكن بما ان الحسد مرتبط بعمل، والعمل مرتبط بالايمان، والايمان يزيد وينقص فإنه ينبغي ان لا يحسد لان الحسد معصية، والايمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. من هنا فإن الحسد مرفوض دنيا وآخرة، ففي الدنيا يفرق بين القلوب ويشتت الجماعة، وفي الآخرة يأكل الحسنات حتى يأتي احدنا ولا حسنة له. ثم لماذا نحسد والدنيا واسعة ومليئة بالخير، ولا ينال الانسان من الدنيا الا ما كتبه الله له، ولن يموت حتى يستوفي رزقه كما ورد في الحديث. هذه في الواقع دعوة جادة وصريحة مني لضعفاء النفوس ومرضى القلوب بأن يعودوا الى رحاب الايمان الطاهر، وان يكشفوا عن نياتهم للآخرين، فيحبون تمني مثل مال الغير وهو الغبطة، ولا يحبون زوال مال الغير وهو الحسد. وبماان الحسد مرض مزمن فإنني أوجه المربين الى تحذير الناس منه منذ نعومة أظفارهم. وليكن هذا التحذير جزءا من المنهج الدراسي الذي يدرسه الطالب عبر مراحل التعليم المختلفة. وإلا فلن يقدر عليه الموجه والمربي مهما تكن درجة تأثيره، لأن المرض مزمن، ولو تداركه قبل الاستفحال لأفاد، والمثل يقول: الوقاية خير من العلاج، وهذا الذي نحن نريده أليس كذلك؟