يصدر مؤتمر الامارات الدولي حول اخلاقيات الرعاية الصحية الذي يختتم اعماله ظهر اليوم توصياته التي تهدف الى تعزيز الحوار الدولي المتعدد الثقافات في مجال الاخلاقيات الطبية، وحث المؤسسات العربية والاسلامية على المشاركة في الحوار وكذلك التوعية بالقضايا الاخلاقية المتعلقة بالرعاية الصحية. وقد شهدت جلسات امس التي دارت حول محاور اخلاقيات الجينوم البشري والمجتمع واستراتيجيات تخصيص الموارد النادرة دراسات ومناقشات مطولة حول التوجيهات العالمية للبحوث والقضايا الاخلاقية المتعلقة بالبحوث الاكلينيكية ومعايير وضوابط تلك البحوث. ففي الجلسة الصباحية التي رأسها الدكتور س. ج. كارو تيرز من الامارات والبروفيسور ريتشارد أ. كاش من الولايات المتحدة الامريكية قدم البروفيسور اودو شاكلينك رئيس قسم الاخلاقيات الحيوية بجامعة ويتواتر سراند بجنوب افريقيا محاضرة حول صياغة مضمون عدد من التوجهات الاخلاقية العالمية للبحوث، كما عرض اعلان هلسنكي الصادر عن الجمعية الطبية العالمية ومجلس المنظمات العالمية للعلوم الطبية وتوجهات منظمة الصحة العالمية لمتلازمة العوز المناعي البشري والتي تطرقت الى القضايا الاخلاقية في الابحاث المتعلقة بالامصال الوقائية لفيروس الايدز. وقال انه في جميع الحالات برزت اختلافات عميقة بين المشاركين من خبراء وعلماء في مجال الاخلاقيات الحيوية فيما يتعلق بالتساؤل حول مستوى الرعاية الصحية المطلوب تأمينه من ناحية اخلاقية، خاصة بالنسبة للتجارب السريرية التي يتم تنفيذها في الدول النامية. واضاف أن اي نوع من التوجيهات الاخلاقية، خاصة ان لم تكن هذه التوجيهات ضمن وثائق قانونية، يجب أن تعتمد على عوامل داعمة لاخذها على محمل الجد. وقد تكون قوتها مستمدة من البراهين الاخلاقية التي تقدمها مما يعطيها قوة اقناعية لازمة للتقيد بها. او يمكن أن تكون صادرة عن منظمات ذات نفوذ يمنع الباحثين والممولين من التشكيك بها «مثل الجمعية الطبية العالمية». ولكن يبقى السؤال: لماذا علينا أن نأخذ موضوع التوجيهات في مجال اخلاقيات البحوث الطبية بجدية؟ ولماذا يجب على جنوب افريقيا، على سبيل المثال، أن تتقيد بوثائق صادرة عن منظمة الامم المتحدة للايدز خاصة وأن البلد لا يملك اي نفوذ يذكر يؤدي الى اعداد مضمون هذه الوثيقة. وناقش البروفيسور شاكلينك مسألة غياب الاجماع العالمي على قضايا مثل مقاييس الرعاية في البحوث السريرية، ويجب تقييم الحلقات الاستشارية ليس فقط بالنسبة لتحديد المضمون مثل المنطق بل بالنسبة لمدى شفافية العمليات التي ادت الى تشكيلها. فعلى هذه الحلقات الاستشارية كشف كيفية اختيار اعضائها الذين قاموا بانجاز الوثيقة الختامية. وكيف سيقوم الاعضاء بأخذ ومعالجة الاقتراحات التي ستصلها حول موضوع الحلقة الاستشارية. وجهة نظر اسلامية وطرح الدكتور عبد الستار ابو غدة مستشار الشريعة بمجموعة دلة الكبرى بالمملكة العربية السعودية ورقة عمل حول الرقابة والالتزام بمعايير البحوث الطبية من وجهة نظر اسلامية، اكد فيها على ضرورة تحديد الاسباب الرئيسية لاهمية الرقابة للالتزام بمعايير البحث الطبي في المجمعات الاسلامية. وقال أن مهنة الطب تعتبر من الضروريات حيث أن الطب يندرج ضمن فروض الكفاية ولا يقبل عدم وجوده من وجهة نظر دينية واجتماعية. ولهذا تخضع مهنة الطب لاجراءات رقابية واحترازية بهدف تحقيق المنفعة العامة وتجنب الخطأ والاستغلال. وتؤدي هذه الاجراءات الرقابية دورا وقائيا لحماية الطبيب والمريض على حد سواء من الاخطار الطبية ومضاعفاتها الطبية، ومن خصوصياتها انغراسها عميقا في الارشادات الدينية والتي لها اثار اكبر من القوانين والاجراءات والمكافآت المادية للتشجيع على التصرف الحسن. وتاريخيا، اولت التعاليم الاسلامية اهتماما كبيرا بتأهيل الاطباء ونسترشد بقول الرسول صلى الله عليه وسلم الممارس لمهنة الطب مسئول عن عمله. وقال أن التعاليم الاسلامية نصت على أهمية اهلية الاطباء لممارسة المهنة، بالاضافة الى وضع اسس واضحة لتحميل الاطباء المسئولية في حالات الخطأ الطبي وعدم الالتزام بالقوانين والاجراءات ولقد وضعت البيمار ستانات «دور رعاية المرضى والتعليم الطبي» قوانين واضحة تلزم الاطباء بتوفير نسخ عن وصفاتهم الطبية لمدير المستشفى والتزامهم بالتوجيهات الطبية المعتمدة. وفي حقل البحوث الطبية، وضعت قوانين لتأكيد نوعيتها من خلال الالتزام بالاخلاقيات الطبية وقوانين الشريعة. هذا بالاضافة الى وجود نظام الحسبة والتي فرضت قيودا رقابية على الموظفين بما فيهم الاطباء والصيادلة. مؤكدا أن تلك القوانين ضمنت التزام الاطباء بالاسس العلمية، واعتمدت على الشريعة بالدرجة الاولى وكذلك العلم لتبيان الاخطاء العلمية. وقدم الدكتور عاصم احمد استشاري طب حديثي الولادة ورئيس مجموعة الاخلاقيات الحيوية بجامعة «انما خان» الباكستانية بحثا حول العلاقة بين الموافقة المسبقة والبحوث الطبية اكد من خلاله على أن احد الاسس الاربعة لاخلاقيات الطب الحيوي هو مبدأ الحرية الشخصية وحرية الاختيار وممارسة العقائد. وقال أن اهم ادوار الموافقة المسبقة هي احترام حرية الفرد والعمل لمصلحة المشارك او المريض والحصول على الاذن، ففي البحوث الطبية التي تنفذ في الدول النامية، هناك اختلاف واضح بين الباحث والمشارك لجهة المعرفة والجنس وعليه تبرز اهمية الموافقة المسبقة لضمان التواصل بشكل بناء، لشرح كافة التفاصيل المتعلقة بالبحث للمشارك قبل الطلب منه التوقيع او الموافقة على المشاركة. ويجب أن يحصل المشارك على معلومات صحيحة وواضحة ومناسبة ثقافيا. ويجب أن تتضمن المعلومات اسباب اجراء البحث، ومدى ملاءمة المعلومات التي سيتم جمعها لاغراض البحث والمجتمع، كما يجب أن يتضمن المخاطر والفوائد التي سيتعرض او سيحصل عليها المشارك في الجهة الممولة. وعلى الباحث التأكد من فهم المشارك لكافة هذه المعلومات. كما يجب على الباحث عدم اغواء افراد المجتمع بالمادة او الخدمات الطبية للمشاركة. كما يجب أن يكون المشارك قادرا على الانسحاب من البحث في اية مرحلة دون حساب العواقب. وفي العالم النامي أن حرية الاختيار لدى الفرد يحدها عوامل عدة مثل الفقر، المركز الاجتماعي وترتيب الاسرة او الجنس. كما قدم الدكتور عبد الحكيم قطان استشاري طب حديثي الولادة بمستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض لمحة عامة حول القضايا الاخلاقية المتعلقة بالبحوث الاكلينيكية واستعرض خلاله النواحي التاريخية للمعايير الاخلاقية التي تم تطويرها في منتصف العقد الماضي، معيار نورينييرج عام 1947 الذي يعتبر اهمها في تاريخ البحوث الطبية واعلان هلسنكي 1964 يعتبر الوثيقة الاساسية في مجال اخلاقيات البحوث الطبية الحيوية. أن القيام بأبحاث بشرية يتطلب درجة عالية من المسئولية من قبل الباحث وقواعد واجراءات واضحة من قبل المؤسسة او المجتمع الذي سيوافق على هذا البحث. الخريطة الوراثية وقدم البروفيسور دفيد ويذراي استاذ الطب في مؤسسة ويذيراي للطب الجزيئي باكسفورد لمحة عامة من الخريطة الوراثية للانسان. وقال على المدى الطويل ستوفر هذه الاكتشافات منافع اساسية للانسانية وفي الحقل الطبي ستساعد في السيطرة على الامراض الوراثية وتأمين وسائل جديدة للوقاية وعلاج الامراض المزمنة، وسيوفر العلاج الجيني وخلايا المنشأ اتجاهات جديدة بالاضافة الى توفير معلومات قيمة عن تطور الانسان التاريخي وعملية تقدم الانسان التاريخي وعملية التقدم بالعمر. كما تمت المبالغة في تطبيقات الخريطة الجينية لتطوير صحة الانسان الا أن هذا الحقل سيتأثر بالبحوث الطبية وعلم الطبيعيات في الالفية الجديدة وبالرغم من وجود عدة قضايا اخلاقية ستظهر بموازاة ذلك والتي اخذت قسطا اخر من النقاش ستظهر قضايا اخرى ستؤدي الى تكبير الهوة بين توفير ونوعية الرعاية الصحة في دول العالم. وطرح البروفيسور ذو الفقار بوتا استاذ طب الاطفال في جامعة انما خان بباكستان بحثا حول اهتمامات الدول النامية بالرقابة والضوابط الاخلاقية للبحوث الطبية. وقال أن معظم الدراسات المجتمعية والنوعية خاصة التي تعمل على تحديد نسب انتشار الامراض لا تخضع للمراجعة الاخلاقية، والسبب الاساسي لغياب ذلك هو نقص الوعي وقلة فهم مباديء الاخلاقيات الحيوية في البحوث وضآلة القدرات للقيام بهذه المراجعة. ويزيد من وحدة الموقف قلة الموارد المتوفرة لدعم عملية نزيهة ودائمة للمراجعة الاخلاقية للبحوث الطبية. وبينما يتركز البحث على المراجعة الاخلاقية للدراسات الممولة في الخارج فانه يتم اهمال الدراسات الممولة محليا. وقاز أن هناك دلالات بأن هذا الوضع سيتغير والعامل الاساسي في هذا المجال يتضمن البرامج العالمية لدعم وتطوير قدرات الدول النامية في مجال الاخلاقيات الحيوية وذلك من خلال تنظيم برامج على مستوى محدود لتعزيز انتشارها وتوسيعها فيما بعد، تقوية امكانيات لجان المراجعة الاخلاقية للبحوث ورؤية قضايا الالتزام بالمعايير الاخلاقية. مشيرا الى أن الموضوع الاصعب والاهم هو ممثلين للمجتمع وتفاعلهم مع الباحثة في لجان الاخلاقيات وهناك نماذج عدة حول ربط اللجان المحلية باللجان العالمية في الدول المتقدمة والتحدي الان هو الاستمرار باعداد هذه البرامج بالسرعة المطلوبة لتواكب التطور وتقليص الفجوة وعدم المساواة بين البحوث الطبية والقوانين الاخلاقية. وقال البروفيسور روث ماكلين استاذ الاخلاقيات الحيوية بكلية البرت اينشتاين للطب الاجتماعي في نيويورك في دراسته «قضايا اخلاقية معاصرة ذات صلة بالبحوث على الانسان في الدول النامية». إن جدالا واسع النطاق برز مؤخرا بشأن الابحاث الممولة والمنفذة من قبل الدول الصناعية في الدول النامية وشمل الجدال عدة نقاط حول الارشادات الاخلاقية العالمية للابحاث البشرية وخاصة اعلان هيلسنكي، الذي اصدرته الجمعية الطبية العالمية، والارشادات الاخلاقية العالمية لابحاث العلوم الطبية الذي اصدره مجلس المؤسسات العالمية للعلوم الطبية. وتحدث الدكتور عبد الله دار استاذ العلوم الصحية العامة ورئيس قسم برنامج الاخلاقيات والتكنولوجيا الحيوية بجامعة تورينتو بكندا حول ثورة الجينوم والاستفادة منها عالميا. وقال أن ثورة الخريطة الوراثية والعدالة الصحية على المستوى العالمي تعني عدم المساواه في الصحة العالمية من القضايا الاساسية للاخلاقيات الحيوية في الوقت الحاضر، وقد تؤدي التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الى تحسين ظروف المساواة. وأن التطور البشري ارتبط تاريخيا بالتقدم العلمي وقد تضمن تقرير منظمة الامم المتحدة الانمائي عام 2001 ما يفيد بأن التقدم العلمي والتكنولوجي في مصلحة الدول النامية اذا تم استغلاله بجدارة ومن المقرر أن يناقش المؤتمر اليوم في جلسته الصباحية موضوع التطور والتأهيل في مجال الاخلاقيات الحياتية وتقدم خلالها 7 اوراق عمل ومن ثم اعلان التوصيات النهائية.