بيان المدارس:إن لدى الانسان استعداداً فطرياً عاماً للغضب، ومقاومة كل ما يُقيّد رغبته ويعوق سلوكه، ويقف عقبة في سبيل تحقيق أي دافع آخر لديه. والسلوك الفطري لهذا الدافع هو تحطيم العائق، ليصل هذا الإنسان إلى حريته ليفعل عندها ما يريد. وأخصّ في حديثي هذا المراهقين الذين يشكّلون شريحة كبرى في المجتمع.. إنهم ثروة للأمة في حاضرها ومستقبلها. من هذا المنطق وجب علينا ـ نحن المربّين ـ أن نولي تلك الشريحة من المجتمع اهتماماً خاصاً وعناية مميزة، اعتبر «أدلر» مؤسس مدرسة علم النفس الاجتماعي «العدوانية والسيطرة» أقوى غرائز الإنسان إطلاقاً... وكان «فرويد» منشئ مدرسة التحليل النفسي يؤمن بأن العدوانية استعداد غريزي قائم بذاته لدى الإنسان أي أنه مغروز في فطرة بني آدم حتى وإن لم يعتد عليه.. فالإنسان كما يقول: يكره أخاه بالفطرة.. ووراء المحبة الظاهرة بين الناس عداء كامن مستور يظهر لأتفه الأسباب، وليست طيبة الإنسان إلا وهماً وتصنعاً.. فكأن «فرويد» يريد أن يقول: إن الظلم من شيّم النفوس. وبعبارة أخرى إن العدوانية حاجة فطرية كالجوع والعطش، فليس هناك عاطفة خالصة فكل عاطفة تحمل في ثناياها تضاعيف العاطفة المقابلة. وصحيح أن العدوانيين بين شبابنا إنما هم قلة ـ ولله الحمد ـ ولكن لابُدّ من بحث مشكلاتهم ورعايتهم حتى يعودوا أعضاء فاعلين في المجتمع. إن العدوانية عمل آلي يلجأ اليه المراهق نتيجة الظروف المعينة التي تحيط به في حياته. فنلق نظرة على هذه الظروف والأسباب التي تجعل الشاب عدوانياً. أسباب العدوانية وعواملها يلجأ المراهق الى العدوانية وأسلوب الاعتداء والتمرد حين يجد ما يعوق أعماله أو يتدخل في حقوقه أو يصطدم بمبادئه وعواطفه ومعتقداته، واحترامه لذاته.. لا بل يغضب من كل شخص او موقف يشعره بالتحكم والضغط والحرمان. ان السلوك الناتج عن الانفعال سلوك مدفوع، ولكنه دافع في نفس الوقت لما ينتجه من توتر.. فالانفعال يولد حاجة او دافعاً الى العدوانية، كما ان الاحباط المهين يولّد دافعاً عدائياً، وهذا الدافع له رنينه الانفعالي، وخاصة حين يتأخر ارضاء تلك الدوافع. ان انفعال الخوف الذي ينشأ عندما يتهدد الفرد موقف طارئ يثير دافع المقاتلة حين يتعين على الفرد ان يتصرف بسرعة لاستعادة التوافق الذي فقد او كاد، وبالتالي استعادة الاتزان الانفعالي، ان الاسراف في تدليل طفل او الافراط في لومه وتعنيفه يسيء الى نموه الانفعالي، ويعود عليه في كبره بمواقف وخيمة نتيجة تكوين عقدة الذنب، او عقدة النقص، وما ينتج عن ذلك من اساليب سلوكية شاذة كالعدوانية. ومن المعروف ان المراهق الذي لا يلقى حباً وعطفاً من والديه يفقد اساس النمو السليم، فحينما يخطئ لا يخاف من فقد الحب والحنان فيزداد في اخطائه وقد يلجأ في كثير من الاحيان الى العدوانية وكذلك عندما يخطئ الشاب ولا ينال عقاباً مناسباً، يكون الاعتداء عنده سهلاً وبسيطاً. من هنا وجب ان يكون العقاب بقدر الذنب ومتدرجاً في الشدة بحيث يناسب الموقف، وإلا جاءت النتيجة عكسية ولجأ الشاب الى العدوانية لأتفه الاسباب. لأن لجوء المعلم الى العقاب البدني والتجريح والتعزير للطالب غير السوي يؤدي الى العدوانية من هذا الطالب. ومن الاسباب الجديرة بالبحث هنا باعتبارها سبباً رئيسياً ومهماً من اسباب العدوانية عند المراهقين هي العقدة النفسية وهي مجموعة ذكريات واحداث مكبوتة مشحونة بشحنة انفعالية قوية من الذعر او الغضب او الاشمئزاز او الكراهية او الغيرة او الاحساس الخفي بالذنب والعقدة استعداد لا شعوري مكبوت يقسر الفرد على دروب شاذة من السلوك والشعور والتفكير. وقد تنشأ العدوانية عند المراهقين من صدمة انفعالية واحدة في حياتهم عندما كانوا اطفالاً او تنشأ من خبرات متكررة مؤلمة او من تربية رعناء في عهد الطفولة الاولى، كأن يسرف الابوان في الكبح والتخويف والتدليل والتأنيب. هذه هي اهم الاسباب التي اجمع عليها الفلاسفة والمربون والتي من شأنها ان تؤدي بالشاب المراهق الى العدوانية فينبغي علينا كمربين الانتباه اليها والحد من تأثيرها والعمل على رعاية ذلك الشاب المراهق الذي تبرز منه بعض التصرفات العدوانية، حتى يعود الى سلوكه السوي القويم، وان ننتبه الى ان ذلك الشاب العدواني لديه رغبة جامحة لاثبات ذاته وذلك بطرق شتى كالفوضى والرفض والتحدي والمشاجرة أحياناً ليلفت انتباه رفاقه ومعلميه.. اضافة إلى تطلعه إلى الحرية التي يرسمها وفق رغباته ولا يجدها كذلك شعوره بالاخفاق الدراسي واهمال المدرسة له وكل هذه الأسباب والعوامل تجعلنا أمام مهمة صعبة في التعامل مع هذه الحالات وانقاذ أصحابها لنكون بحق معلمين ومربين ومرشدين. ظاهرة العدوانية في المدرسة كثيراً ما نلاحظ سلوكيات عدوانية داخل المدرسة بين الشبان المراهقين تلك السلوكيات التي تشغل المعلم والاداري وتأخذ من وقت الجميع قدراً كبيراً.. ومن الضرورة بمكان التعامل مع مثل هذه السلوكيات بحذر ودراية وأبوية ولابد في هذا المجال من دراسة واقع الطالب العدواني دراسة واعية متأنية والاطلاع على كافة الظروف المحيطة بحياته والسعي لمساعدته وتذليل ما يمكن تذليله من عقبات تقف في وجهه. ان أبرز ما يميز العدواني في المدرسة المظاهر التالية: 1ـ المعاندة: وهي أبسط المظاهر العدوانية وتظهر في معاندته زملاءه، وربما معلميه، حيث يتمسك الطالب العدواني في فترة المراهقة برأيه ويحاول فرضه على الآخرين تثبيتاً لشخصيته ولا يقبل فرض الآراء من المحيطين به. 2ـ الكيد وإيذاء الآخرين: حيث يدبر لهم المكائد ويسخر منهم في كثير من الاحايين ويركز في ذلك على الضعفاء من زملائه لأنه يشعر بنقطة ضعفهم. 3ـ المشاجرة: غالباً ما يلجأ الطالب العدواني إلى أسلوب المشاجرة مع المحيطين به، مما يثير شيئاً من الفوضى والارباك في المدرسة لأن مثل هذه الحالة اللا تربوية مستهجنة جداً في المؤسسة التعليمية وخطيرة إلى حد العدوى بين بقية الطلاب. 4ـ حب الامتلاك: يحاول الطالب العدواني ان يمتلك أكبر ما يمكن في المدرسة ولا سيما في دروس التربية الرياضية فهو يرغب بأن تكون جميع الأدوات ملك يده ويجود بها على من يشاء. 5ـ الفوضى واثارة الشغب وهي من المظاهر الواضحة التي تسم الطالب العدواني إلى جانب بعض المظاهر الأخرى كالغياب المتكرر وعدم الاهتمام بالواجبات المدرسية والتنقل في جلوسه من مكان إلى آخر. علاج هذه المشكلة لابد لهذه المشكلة التربوية من علاج، وعلاجها ينبع من بناء رغبات قوية للعطف والرعاية والاحترام والعمل على توفير الوسائل الكفيلة بتقوية أواصر الصداقة والتعاون بين التلاميذ كتوفير الملاعب الرياضية والكتب المفيدة والرحلات الجماعية الهادفة، وبالتالي لابد لكل مؤسسة تربوية او اجتماعية ـ مهما صغرت ـ ان تأخذ دورها في هذا المجال. دور الأسرة ان الوضع الاجتماعي والمادي والثقافي والتماسك والاستقرار العاطفي كلها أسباب أساسية في الأسرة ليكون لها الدور الايجابي في تنشئة الابناء التنشئة السليمة داخل اطار عام من القيم والافكار والمعتقدات والمعايير الخلقية والروحية السامية لابعادهم ما أمكن عن روح العدوانية والخلق غير السوي في الحياة. وعلى الأسرة دور مهم في هذا المجال ألا وهو عدم التراخي في التربية وزيادة التدليل لأن ذلك ينعكس سلباً على حياة الأبناء.. فالمضي بالأبناء الذين يعيشون سنوات المراهقة إلى بر الأمان ليست مهمة سهلة لأن روتين الحياة التي اعتادته الأسرة لسنوات طويلة ينقلب فجأة لدى دخول الأبناء سن المراهقة رأساً على عقب، حيث يتحول الموقف الأسري إلى ما يشبه وجود غرباء يعيشون في بيت واحد، فالابن المراهق ان لم يكن في غرفته مع حشد من تسجيلات الموسيقى الصاخبة فإنه ينطلق مع أصدقائه لساعات طويلة بحيث أن عائلته في نهاية المطاف لا تكاد تعرف شيئاً عنه، وكأن الاسرة انقسمت فجأة الى قسمين متباعدين هما الأبوان من ناحية، والأبناء من ناحية اخرى وانقطعت جسور الحوار والتفاهم بين القسمين. هنا ينصح الباحثون بمحاولة اتخاذ عدد من الخطوات المهمة منها: محاولة تشجيع الابناء المراهقين على المشاركة في اللقاءات العائلية، وجعل بيت الاسرة واحة للترحيب بأصدقاء الابناء واحترامهم والاشراف على لقاءاتهم، وحرص الآباء على مواصلة الاهتمام بأمور ابنائهم ومناقشة وجهات نظرهم من خلال الحوار الدافيء الحميم، واشاعة جو الألفة والتفهم بين جميع افراد الاسرة. دور المدرسة لا شك ان للمدرسة دوراً مهماً في حياة الشبان المراهقين، لأن المدرسة بيئة مغايرة لبيئة الاسرة، فيها النظم والقوانين والواجبات والتعامل الأشمل، فيها أخذ وعطاء من نوع آخر فيها صلات جديدة وحياة مختلفة مع الزملاء من الطلاب والمعلمين والاداريين. ويجب على المدرسة أن تدرب طلابها على العلاقات الانسانية بطريقة منظمة، ومن هنا يبرز دور المربين لهذه الاجيال والتي تعتبر امانة في اعناقهم. دور التربية تسعى التربية بكافة فعالياتها لان توفر ما تحتاجه المدارس من ابنية وادوات وأثاث مريح ومناهج حديثة وكتب مثالية ومكتبات عامرة ما أمكنها ذلك وتعمل جاهدة وباستمرار على ان تكون الابنية المدرسية صحية وواسعة الى جانب توفير الوسائل العلمية وتنويع الانشطة ومتابعتها وتخصيص الجوائز التشجيعية للاوائل من الطلبة والمبدعين من الباحثين وكذلك للوصول الى الطريقة التربوية المثلى في تنشئة الأجيال واعدادها اعداداً سليماً لتكون الأمل في بناء هذا المجتمع. ولا تألوا التربية في اعداد المربين بشكل دائم تربوياً وفكرياً وسلوكيا ايمانآً منها بأن للمعلم المربي أكبر الأثر في حياة الطالب التعليمية، فالطالب في هذه السن الحرجة يسعى لاتخاذ مثل له يقتدي به في حياته وانفع ما يكون له ان يتخذ من استاذه النبيل المخلص النشيط الواعي مثلاً يحتذى. دور المجتمع ان للمجتمع النصيب الأكبر في تكوين شخصية الطالب، لان الفرد كائن اجتماعي بذاته، ينتمي الى من حوله بخصائصه النفسية والمادية، والتي أهمها «مفهوم ذاته» الذي يتشكل لديه تدريجياً من خلال تفاعله مع المجتمع. ويتفاعل الفرد مع من حوله بشكل مفتوح، متعرفاً على مشاكله ومظاهر سلوكه من خلال التغذية الراجعة الحرة (كما يراها الواحد من خلال الاخرين) ناتجا عن هذا التبادل تفهم الفرد للفرد الآخر وبالتالي تفهم المجتمع المحيط بالفرد مواطن ضعفه أو نشاطه ومؤدياً في نفس الوقت الى مساعدة الفرد على مواجهة صعوباته النفسية، أو السلوكية وحلها بما يتلاءم مع واقعه وخصائصه الحقيقية والادوار المختلفة التي يؤديها في الحياة. تحوير السلوك واستثمار الدافع ومن المفيد في هذه الدراسة ان نبين حقيقة مهمة مفادها ان الشاب المراهق يلجأ احياناً الى تحوير سلوكه القتالي او العدواني الى طرق غير مباشرة للتعبير عن هذا الواقع الذي يعيشه، فاذا به يستعيض عن اسلوب الضرب والتحطيم والشتم والمشاكسة باسلوب آخر كالسخرية باللفظة أو الإيماءة أو النكتة أو حتى الابتسامة التهكمية مما يدلنا على أن العدوانية كامنة فيه ولكن بتقدم العمر وعن طريق عملية التعلم المتكسب يتخلص من كثير من المثيرات المحدثة للغضب والعدوانية ولا سيما حينما يرى استنكار المجتمع لها.. وهنا تبرز اهمية دور المربي والمرشد إذ من الممكن جداً ان يوجه ذلك الدافع الفطري الكامن لتأييد الحق أو في سبيل مبدأ عادل، والدفاع لنصرة المظلوم. من كتاب «شئون تربوية» تأليف: عبدالكريم أحمد مخزوم