تحت رعاية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الاعلى للقوات المسلحة افتتح امس معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي امس مؤتمر الامارات الدولي حول اخلاقيات الرعاية الصحية والذي يستمر حتى يوم الاربعاء المقبل بفندق انتركونتيننتال أبوظبي. وفي مستهل كلمته نقل معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي تحيات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد راعي المؤتمر للحضور مؤكدا حرص سموه الدائم في دعم كافة الانشطة العلمية والثقافية والتي تسهم بشكل ايجابي وفاعل في مسيرة التنمية الشاملة التي يقودها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله. وقال معاليه: ان التحديات الاخلاقية في مجال الرعاية الصحية، وهي شعار هذا المؤتمر، انما تتراسل تراسلا حقيقيا وصادقا، مع ما يؤكد عليه دائما، صاحب السمو الوالد رئيس الدولة، من أن الرعاية الصحية، الى جانب كونها ركنا اساسيا وجوهريا، في مسيرة التقدم والتطور في بلادنا، فانما يجب أن تحمل في الوقت ذاته، قواعد ثابتة، ومباديء قويمة، تتجسد فيها وبالدرجة الاولى، اخلاقيات مهنة الطب، بما تشتمل عليه، من التمسك بالقيم الانسانية العليا، والمباديء الاخلاقية الرفيعة. أن سموه يشير دائما، الى أن مهنة الطب، هي نشاط بشري حساس، يحتاج بطبيعته الى ترشيد دائم، وتهذيب مستمر، لتكون عن حق، مهنة الرحمة والحنان، ومعنى أنها مهنة الرحمة، أنه يتوقع منها دائما، أن تحقق الجودة في الرعاية، وتضمن الكرامة للمريض، وتجسد الضمير الحي لدى الطبيب، بل وتسهم الاسهام الحقيقي والفاعل، في رفع مستوى الحياة، للفرد والجماعة على السواء. واشار الى أن دولة الامارات، وفي البلاد الاسلامية عموما، انما نشترك مع المسئولين والمهتمين بامور الرعاية الصحية، في كافة انحاء العالم، في الوعي الحقيقي بأهمية اخلاقيات المهنة، في ممارسة الطب الحديث، وهذه الأهمية، انما تنشأ وتتشكل في واقع الامر، في اطار عدد من العوامل، قد يكون من أهمها، تلك التطورات المتلاحقة في علوم الطب، والتقدم الهائل في تقنيات الرعاية الصحية، وكذلك، الاتجاهات السائدة في تعليم وتدريب الاطباء الى جانب التحول الجذري في طبيعة العلاقة بين الطبيب والمريض، وايضا، التغيرات المستمرة في اجراءات ونظم الرعاية الصحية، بكل ما يشمله ذلك من جوانب اجتماعية وقانونية واقتصادية، وكل هذه العوامل، انما تفرز ولاشك، العديد من التحديات الاخلاقية، التي تضع قيم المجتمع ومبادئه، موضح الاختبار والتمحيص. وقال معاليه أن الاهتمام الكبير الذي يحظى به هذا المؤتمر، الذي يسلط الضوء على هذه القضايا المهمة، من زواياها المتعددة، بل أن حضور هذه النخبة الطيبة، من العلماء والباحثين، ومن كافة التخصصات، انما يؤكد ولاشك، عالمية هذه القضايا، كما يؤدي باذن الله، الى تعميق فرص الحوار الدولي حولها، بما يسهم في ايجاد تفاهم مشترك، لتطوير الممارسات الطبية الرشيدة، في كل مكان بالعالم، انه يسعدنا ويشرفنا، أن تنطلق هذه الصيحة من هنا، من مدينة أبوظبي بالذات، عاصمة دولة الامارات العربية المتحدة، وهي الدولة التي تؤمن بقيمة الحوار الحضاري الرصين، في العمل على تجاوز العقبات والمشكلات، والتمكين في الوقت نفسه، لكل ما هو حق، وكل ما هو خير. وقال معاليه أن ما يبعث على التفاؤل أن هذا المؤتمر، يركز من بين ما يركز في محاوره، على بيان نظرة الاسلام لاخلاقيات الرعاية الصحية، وما يمثله منهج الدين الحنيف، من نموذج اخلاقي، هو بالاساس، نموذج انساني، يستهدف صلاح البشر، ويدفع نحو التقدم والتطور، في كل المجالات. واضاف.. أن هذا النموذج الاسلامي، انما يؤكد في جوهره، على تحقيق المواءمة والوفاق، بين الدين والعلم، يفسح المجال واسعا، امام النظر والفكر والبحث، بهدف التقدم في العلوم. وفي نفس الوقت، نجده يؤكد وبوضوح، على مباديء الاخلاق، وقيم السلوك، فلا ضرر ولا ضرار، ولكن مباديء وقيم، تبدأ من الطبيعة الانسانية، تتماشى معها، ولا تصطدم بها بحال وفي سبيل ذلك، فان الاسلام يضع للطبيب، نبراسا واضحا للسلوك، ومنهجا محددا، للتعامل المهني الشريف والنظيف وفي ذلك تتأكد مسئولية الطبيب، في التسلح بأحدث المعارف والمستجدات، بل انه يلقي عليه، واجبا حتميا وضروريا، في بذل اقصى درجات الجهد والطاقة، نحو وضع تلك المعارف في طاعة الله، وخدمة العباد. أن هذا الامر، انما يفرض على الطبيب، أن يحيط باستمرار بكافة التحديات الاخلاقية، وأن يستضيء دائما، برأي الدين فيها، بل وأن يكون هذا الطبيب، في سلوكه وواقعه، بل وحياته كلها، مثالا للاساس الاخلاقي الصلب والمتين وفي هذا الاطار، يأتي اهتمامنا الكبير بهذا المؤتمر، لأن التعريف بكافة هذه المباديء والقيم النبيلة، من شأنه ترشيد الممارسات الطبية، وليس فقط في بلاد المسلمين، بل في شتى اقطار العالم، لانها كما قلت، وأن كانت نابعة من الاسلام، فانها انسانية بالدرجة الاولى. وفي ختام كلمته اعرب معاليه عن امله في أن يكون المؤتمر خطوة مهمة على الطريق نحو دستور شمولي وواضح لاخلاقيات الرعاية الصحية والمهنية والوعي بانعكاساتها في كافة المجالات. وفي هيكله ومحتوى التعليم الطبي بشكل خاص. وقال البروفيسور سولومون بينا تار رئيس الجمعية الدولية للاخلاقيات الحياتية في كلمته أن مؤتمر الامارات الدولي حول اخلاقيات الرعاية الصحية سيجري حوارا حول العديد من القضايا والمعضلات الاخلاقية المهمة والمتعلقة بالعناية بالمريض، كما سنبين الحاجة الى الايجابية في مستوى ونوعية العلاقة بين المريض ومن يوفروا الرعاية الصحية، وفي هذا الاطار اود أن اؤكد على ضرورة التركيز على الخلفية الكونية للصحة والامراض والممارسة الطبية، أن الهوة الاقتصادية المتزايدة بين الامم وداخل الامة الواحدة وظهور الامراض المعدية من جديد تشكل مصدر التهديد الرئيسي الذي نواجهه في مطلع هذا القرن الجديد وفي ضوء عالم يتغير بسرعة. وقال البروفيسور بينا تار أن المعضلة المستعصية الرئيسية التي يواجهها الانسان في كل بقاع العالم، انها مسألة العدل في توزيع موارد العناية الصحية، وقد ارتفعت وتيرة الجدل الدائر حول اخلاقيات الحق العام بالحصول على العناية الصحية من خلال نظم وطنية للرعاية الصحية من جهة، واقتناء الخدمات الصحية في الاسواق التنافسية من جهة اخرى، ويستمر هذا الجدل اليوم في البلدان التي تزداد فيها نسبة الخصخصة في قطاع الرعاية الصحية، كما بدأ يأخذ حيزا واسعا في البلدان الاخرى التي تتجه بدورها نحو نظم خاصة للرعاية الصحية، وعلى هذه الخلفية، يدور الجدل حول عدد من السبل المعقولة لتوزيع الموارد في البلدان الغنية والفقيرة على حد سواء. ويهمني في الحقيقة أن اتعرف على مستوى الانفاق على الرعاية الصحية ونظم توزيع الموارد بدولة الامارات العربية وغيرها من دول الشرق الاوسط، وقال الدكتور حسين عبد الرزاق الجزائري المدير الاقليمي لمنظمة الصحة العالمية لاقليم شرق المتوسط في كلمته أن المباديء الاخلاقية الاساسية للطب والمهن الصحية تمثل جزءا لا يتجزأ من المباديء الاساسية للاسلام باعتباره طريقة حياة. وهذه المباديء هي التكريم والعدل والاحسان. ونعني بتكريم الانسان وجوب معاملته باعتباره «شخصا» اي «فردا ذا حقوق، له أن يطالب بها، وعليه واجبات هو ملزم بأدائها» مما يقتضي استقلاله في اتخاذ قراره، وحماية استقلاله حماية دائمة، مع مسئولية الفرد مسئولية كاملة عن سلوكه. كما أن التكريم مبدأ هام من مباديء الاسلام كما انه اهم مباديء التعامل مع المريض، فللمريض كل الحق في معرفة كل تفاصيل حالته، وفي تلقي العلاج المناسب، وفي صون اسراره الطبية، وفي الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، كما أن على المريض مع تمتعه بهذه الحقوق واجب الامساك عن الاضرار بالمجتمع الذي يعيش فيه. وافاد أن المنظمة تتلقى طلبات متعددة للقيام بدور مباشر بدرجة اكبر في دعم الدول الاعضاء عند معالجة هذه الدول لما تواجهه من قضايا اخلاقية صحية. وقد اقترحت المديرة العامة مبادرة تقوم بها المنظمة، تتعلق بالاخلاقيات والصحة، وتزيد من ترابط المبادرات القائمة، وتستهدف هذه المبادرة معالجة الثغرات الرئيسية الموجودة في مناقشات الصحة والاخلاقيات وتدعيم السلوك الاخلاقي للعمل الصحي بين المجتمعات في البلدان النامية. كما تستهدف حفز زيادة الحوار وتبادل المعلومات في مجال الاخلاقيات البيولوجية، على الصعيد الدولي. واكد الدكتور عبد الرحمن العوضي رئيس المنظمة الاسلامية للعلوم الطبية خلال كلمته أن المباديء الاخلاقية في كل العصور تظل نسبية وتعكس افكار ومعتقدات صاحبها وخلفياته التاريخية والعلمية والاجتماعية مالم تجد مصدرا ربانيا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ليضع الامور في نصابها مشيرا الى أن الاسلام هو مصدر التشريع الرباني الذي يحل ما فيه خير البشرية ويحرم كل ما يضر بها.وقال.. ان نشاط المنظمة في هذا المجال لم يقتصر على اصدار الدستور الاسلامي للمهن الطبية، بل اهتمت بالمحدثات الطبية التي حققها العلم في السنوات الاخيرة ابتداء من طفل الانابيب، والرحم المستأجر، والتعريف الطبي للموت، والاجهاض، والوراثة والهندسة والوراثية، والبصمة الوراثية، والجينوم البشري، والخريطة الجينية، الى غير ذلك من مستجدات عالمية اوضحت فيها الرأي الاسلامي ومدى الحل والحرمة. واضاف انه يجب الا يقتصر مفهوم الاخلاقيات على ابداء الرأي الاسلامي في المحدثات الطبية، او اخلاقيات الطبيب، بل يجب أن يمتد ذلك الى أن يكون مفهوم الاخلاقيات سلوكا يوميا مع المخطط الصحي، مع صاحب القرار، مع الشئون الادارية، مع جميع العاملين بالهيئة الصحية، فالمخطط الصحي، وصاحب القرار امامه مشكلة الاولويات التي تختلف من دولة لاخرى، ومن انسان لاخر.