من المعلوم ان الطفل تتطور سنه شهرا بعد شهر وسنة بعد سنة. وكلما دخل مرحلة جديدة تغير عضويا ونفسيا وعقليا. ـ فمنذ اليوم الاول حتى نهاية السنة الاولى من عمره يعيش سن الرضاعة، وهي مرحلة حرجة للطفل والام التي ليس لها الا ان تسمع صراخه وبكاءه، وتنظف قيأه، وتتألم معه كلما تلوى ألماً من المغص. ـ وبعد نهاية السنة يبدأ الطفل يستخدم يده ورجله فيتحرك ويركض ويعاند ويرفض ويريد ان ينطلق بنفسه ليكتشف العالم المحيط من حوله بنفسه. والام تركض وراءه لمنعه خوفا من ان يلقي بنفسه في الماء او في النار او في غيرهما من المهلكات الا ان مصلحته في ان يفتح له المجال، لانه بذلك يكتشف، ويستعرض قدراته، ويقوي عضلاته. ـ اما عن قدراته في السنة الثالثة فانه يصبح قادرا على المشي والركض والقفز والتسلق، ويستمع الى القصص، ويقدر على ان يحفظ بعض جوانبها، ويمكنه ان يلبس ملابسه بنفسه تقريبا. ـ وعن قدراته العقلية والنفسية فانه يميز بين الصغير والكبير من الاشكال، وبين الطويل والقصير، ويتعرف الى الاحجام والمسافات، ويعرف الجهات الست ويفهم المحيط الذي حوله نوعا ما. ـ كما ان لديه قدرة على ان يجمع الاشياء المتعلقة ببعض مثل جرس الباب والباب، او سماعة الهاتف تعني عنده المكالمة، فيحاول ان يكلم امه او اباه، ويميز بين الالوان والصور. ومن حيث الكلام يستطيع ان يسمي اعضاء وجهه مثلا، ويحفظ المئات من الكلمات. ـ واذا اكمل الطفل عامه الثالث دخل عامه الرابع وهو بداية مرحلة جديدة من عمره، وهو دور الحضانة. والحضانة مدتها عامان هما الرابع والخامس، وغالبا ما يلتحق بدار الحضانة فيخضع للتعليم والتربية من خلال المعلمة. ـ والحقيقة ان مرحلة الحضانة مهمة في حياة الطفل، وهناك ثلاثة عناصر تلعب دورا اساسيا في حياته في هذه الفترة وهي: دار الحضانة، واهل الطفل، واللعب. لذلك فان الحضانة يجب الا تكبح من نشاط الطفل وحريته، بل تتركه حتى يكتشف ويجرب ويعمل. ودور المعلمة ان تحبب نفسها اليه وتراقب تحركاته. ويفترض ان ينمو الطفل في دار الحضانة في ثلاثة اتجاهات: قدراته العقلية، والقدرات الجسمية، والقدرات الاجتماعية. ـ اما دور الاهل فهو تشجيعه، لا معاقبته على كل صغيرة وكبيرة، وكأنه انسان بالغ امامهم. ـ واما دور اللعب فهو ربما اهم من دور الدار والاهل، لانه من خلال اللعب يكتشف قدراته، ويتعلم قواعد الحياة، ويتعلم التعامل مع الاخرين. ـ ومن المهم ان نعرف ان الطفل في فترة الحضانة أي ابتداء من السنة الرابعة لديه قدرة عجيبة على الفهم، ولقد قال احد علماء النفس بأن الذاكرة تبلغ اقصى قدرتها في هذا العمر. ـ اذن هو يجب ان يعرف كل شيء، لذلك يكثر من السؤال. وفي هذه السن تخف انانيته، وتزيد معرفته، ويرتفع رصيد ما يتقنه وما يحفظه فيبلغ الفي كلمة تقريبا. بل ويجب ان يعتمد على نفسه، ويزداد هذا الشعور عنده في السنة الخامسة التي ترفع من مستوى فهمه وذاكرته ومعرفته. ـ اذن فترة الحضانة هي فترة مهمة في حياة الطفل، وهي فترة الرياض عندنا في دولة الامارات. وقد صدر قرار وزاري جديد هذا العام 2002 بقبول الطفل في الروضة الاولى اذا كان قد اكمل عامه الثالث. ويعني هذا انه يدرس سنتين في الروضة وعندما يكمل عامه الخامس يلحق بالصف الاول الابتدائي. ـ هذا القرار في اعتقادي انه لم يأت من فراغ بل مبني على ما ذكرناه من ان الطفل يصبح قادرا على فهم ما حوله الى حد ما في هذه السن. كما ان فترة الحضانة او الرياض هي فترة خصبة في حياة الطفل، فلا بد ان تستغل ولكن هذا لا يعني انه عندما يلحق بالصف الاول الابتدائي ان يكون قد تعلم القراءة والكتابة في الحضانة. ـ كلا فمرحلة الرياض يكفي ان يكتشف نفسه، ويوسع مداركه، ويوجهه نحو التفكر والتأمل والتركيز والتمييز. ـ لذا فان من المهم ان نحبب اليه الدرس، والقراءة ونشجعه على الطاعة للمعلم والابوين لا بالضرب بل بالثواب والمكافأة، ولو كانت معنوية. ـ وكثير من الاباء يجبرون اولادهم على القراءة ويمنعونهم من اللعب ظنا منهم بأن ذلك يفيدهم، في حين انهم في حاجة الى اللعب. واللعب قد يظن بعضهم انه لهو ومضيع للوقت، والصحيح ان اللعب يفتح الافاق امام الطفل، ولا سيما اذا كان منظما ومفيدا. واننا بكل اسف تعودنا ان نحجز الالعاب عن الاطفال كلما رأيناها مجتمعة، بحجة انها لا تنفع، في حين انه يستمتع بتلك الاحجام والاطوال والالوان، حتى لو كانت مكسرة فانها له تعني اشياء كثيرة، ومن خلاله يتعلم عن نفسه وقدراته، ويعبر عن انفعالاته. ـ ومن خلال اللعب بامكانك انت ان تكتشف ميول طفلك ومقدار ذكائه. فالطفل من خلال اختياره للعب معين تستطيع انت ان تحكم عليه بأنه سوف يكون كذا. وعلى سبيل المثال فان الطفل كلما كان اقدر على القراءة في سن مبكرة دل على ذكائه اكثر. كما ان الطفل المتميز او الموهوب ينكب على قراءة القواميس والعلوم والتاريخ، ولا يحب الحكايات التي من قبيل الخرافات. ـ اذن سن الرياض التي هي الرابعة والخامسة، وكذلك الصف الاول الابتدائي التي هي الخامسة او الخامسة والنصف هي سنوات ذات أهمية في تكوين هوية الطفل وشخصيته ومعرفته. ـ وربما قلت لماذا التحول من 4 الى 3 في الروضة الاولى، والتحول من السادسة الى الخامسة والخامسة والنصف. والجواب ان العقل البشري في تطور مستمر، والطفل ينمو حسب بيئته التي هي ابوه وامه، وبيئته التي هي العالم الذي يحيط به. ـ فطفل اليوم الذي يرى ويسمع كل شيء على المكشوف ليس كطفل الامس الذي لم يكن يرى ويسمع الا بعد ان يتجاوز سن المراهقة. ـ والانسان بالامس لم تكن الفرص متاحة امامه ان يكتشف البعيد، لذلك فانه كان في حاجة الى الوقت. اما اليوم فالعلم الحديث قرب المسافات، والطفل يتدرب على سماع هذه الاجهزة والالات منذ الوهلة الاولى عندما يكون جنينا في بطن امه. ـ وما ان يبلغ سن الرياض الا ويرى في التلفاز كيف يعيش في بطن امه او كيف يولد، لذلك فان الاطفال قادرون اليوم ان يجيبوا على كل الاسئلة حتى الجنسية لولا عاداتنا وقيمنا الاجتماعية تمنعهم. ـ من هنا فان استغلال قدراتهم هو عين الصواب، والانظمة واللوائح ما وجدت الا لتوصلنا الى الاستفادة المثلى من الحياة والطاقات، فمتى لم تكن كذلك وجب تغييرها الى اخر اكثر واقعية. وانني اهمس في اذان الكل واقول: لا استثناء بعد اليوم فلا داعي لان يتوجه اولياء الامور زرافات ووحدانا لمراجعة مكاتب المسئولين في الوزارة وقد رفع عنهم القرار عناء السفر وقطع الطريق، اليس كذلك؟