بيان المدارس: ان للغتنا العربية الجميلة وظيفة كبرى في حياتنا نحن العرب، فهي اداة التفاهم، وسلاح الفرد في مواجهة كثير من المواقف التي تتطلب الكلام او الاستماع او القراءة او الكتابة، وهي العامل المهم في حفظ التراث الثقافي والحضاري، والرابطة القوية التي تجمع ابناء العروبة في بوتقة واحدة، انها اللغة الحية الخالدة الى ان يرث الله الارض ومن عليها لذا كان من الضروري ان نعتني بها ونعمل على تعليمها تعليما صحيحا يرمي الى الافادة من وظائفها المختلفة في حياة الفرد والمجتمع وصدق الفاروق عندما قال: اتقنوا العربية فانها تزيد في تعلم المروءة. التحقيق التالي يلقي الضوء على التعبير كفن من فنون الاتصال اللغوي وعلى مدى ما نال موضوعات حصصه في مدارسنا من تطوير يتماشى وأحداث العصر ومستجداته هل اسهمت تلك الحصص في اتاحة الفرصة لابنائنا لتجسيد مشاعرهم وانفعالاتهم بما يصور ماهيتهم وذواتهم وهل يؤدي التعبير دوره في رفد الساحة بكتاب وادباء من الاجيال الشابة؟ ونستعرض معا بعض آراء الميدان: يقول محمد محيى الدين مينو مدرس اللغة العربية بثانوية الامام مالك: لاشك في ان التعبير هو الهدف من تدريس علوم اللغة كلها، فالنحو هو طريقه، والبلاغة هي زينته، والمطالعة هي ثروته.. واذا كان التعبير قديما صناعة على حد تعبير القلقشندي في كتابه (صبح الاعشى في صناعة الانشا) فانه اليوم فن من فنون الاتصال على حد تعريف ملفل ديوي بل هو ارقى فنون الاتصال اللغوي والتفاعل الاجتماعي احتل اهمية كبرى في حياتنا سواء اكان تعبيرا شفويا ام تعبيرا كتابيا. ويتابع مينو قائلا: من هنا نجد ان درس التعبير لابد ان يتلاءم وتطور وسائل الاتصال والاعلام وان يستجيب لحركة المجتمع ومواقفه ومفاهيمه.. ولكن مناهجنا تتخلف كعادتها عن مستجدات العصر وانجازاته سنوات، فلا يتمكن هذا الدرس كغيره من دروسنا التعليمية من مواكبة الحياة الجديدة، فأساتذتنا مازالوا يلحون على اشكال من التعبير تقليدية ككتابة رسالة او برقية وعلى موضوعات من التعبير غريبة كوصف الربيع او الجمل، وطلابنا يضحكون في سرهم لانهم اهل قدر لا اهل وبر، ولان بلادهم لاتعرف من الفصول الا الشتاء والصيف. التعبير الابداعي ويضيف: وهكذا لاتتاح لطلابنا ايضا فرصة التعبير عن مشاعرهم وانفعالاتهم تعبيرا حرا، يصور مواقفهم من الحياة والمجتمع وذواتهم في انطلاقها الى اثبات الوجود، وعند اتاحة مثل هذه الفرصة لابد ان تظهر مواهبهم الادبية الكامنة، فمنهم من يكون مشروع شاعر حقيقي ومنهم من يكون مشروع قاص حقيقي.. وواجبنا تجاه هذه المواهب هو ان نتعهدها بالرعاية والصقل فاذا كانت حياتنا في حاجة الى مختلف انواع التعبير الوظيفي من رسالة وبرقية وتقرير فهي في امس الحاجة الى مختلف انواع التعبير الابداعي من قصة وقصيدة ومسرحية وسواها من الفنون التي تجعل هذه الحياة ابهى واجمل. واستطرد مينو قائلا: ثمة قطيعة بين درسى التعبير وواقع العصر وموضوعاته بل ثمة قطيعة بينه وبين دروس اللغة ومناهجها التي لاتوصل الاشكال الادبية من التعبير كالقصة والمسرحية ولا تضع بين يدي الطالب مهارات التعبير وضروراته كالمطالعة والتلخيص والبحث فكيف اكلف طالبا ان يكتب قصة قصيرة دون ان اعلمه فن كتابة القصة؟ كيف اطلب من آخر ان يلخص بحثا دون ان يتعرف اصول التلخيص وطرائقه؟ ويؤكد مينو ان كل هذا يحدث في مدارسنا ولاسيما مدارسنا الاعدادية حتى صارت حصة التعبير عبئا على الطالب والمعلم معا فالطالب لايملك من ادوات التعبير ووسائله ما يمكنه من كتابة موضوع والمعلم لايملك من الوقت والجهد ما يمكنه من تصحيح زهاء تسعين دفترا وتقويم اساليب تسعين طالبا كل اسبوع او اسبوعين وفي ظل تخلف طرق التقويم في مدارسنا ليس للطالب الا ان يكتب وليس للمعلم الا ان يبدد وقته وجهده في التصحيح فلا مناقشة لموضوع ولا قراءة لآخر. قدرات خاصة وفي معرض اجابته عن عدة اسئلة طرحناها حول الموضوع قال هيثم يحيى الخواجه كاتب واديب وله كتاب في التعبير الوظيفي الابداعي: ان الاجابة عن هذا السؤال على وجه الاطلاق تدفع الى الوقوع في الخطأ ولهذا اجيب عنه من خلال الرؤية التفصيلية التي تنظر الى المبدع نظرة مغايرة ومتميزة باعتبار ان المبدعين جزء لايتجزأ من المجتمع، والاختلاف يكمن بالقدرة على الابداع، من هذا المنطلق اقول: ان الفوائد التي يجنيها الطالب المبدع من حصة التعبير ـ اذا كانت علمية وتربوية ومحفزة وواعية اكبر من الطالب العادي او الذي لايمتلك موهبة الكتابة وهذا لايعني ان المتعلم لايجني شيئا ولكن حدود ما يجنيه اقل، او لنقل بصورة محدودة، او دون ظلال واطياف هذا امر، والامر الآخر هو ان الاجابة حتى تكون بالنفي المطلق او بالايجاب المطلق لابد من التساؤل: هل الذين يدرسون مادة التعبير يمتلكون قدرات واحدة ومواهب واحدة ويخلصون بنسبة واحدة؟ بالطبع لايمكن ان يتحقق ذلك في اية مدرسة من المدارس، او اية دولة من الدول بسبب الفوارق الفردية التي هي امر طبيعي في الانسان. ويؤكد الخواجة ان تدريس حصة التعبير يحتاج الى قدرات خاصة وقدرات فذة لما لهذه الحصة من ابعاد وخصائص اذ يمكن لاي مدرسى ان يدرس حصص النحو والقراءة والإملاء، ولكن حصة التعبير شيء آخر. ويتساءل: هل نصل يوماً إلى تكليف مدرس مبدع لكي يدرس مادة التعبير في المرحلة الثانوية ـ مثلاً؟ لنقترب من التخصص ونعطي لكل ذي حق حقه.. ألا تعتمد الجامعات هذا الأسلوب إذ نجد من يدرس الأدبي الجاهلي وآخر الأدب الحديث وآخر فقه اللغة وآخر النحو؟ ويقسم الخواجة التعبير الى ثلاثة أقسام هي: التعبير الوظيفي والتعبير الإبداعي والتعبير الابتكاري ويقدم لها مؤكداً ان تدريس مادة التعبير يحتاج الى تحضير واسع وإلى موهبة حقيقية يمتلكها المعلم.. ويسأل ثم يجيب: هل حصة التعبير في مدارسنا تؤدي دورها في رفد الساحة بكتّاب وأدباء من الأجيال الشابة؟ للأسف في الغالب لا، ذلك لأنني أقرأ أعمالاً وأقرأ لشبان آخرين ـ وهم قلة طبعاً ـ فأجد عندهم ما هو لافت ومدهش، قد يقول قائل: إن خاصية الموهبة قليلة بالنسبة إلى الكل، ونقول: نعم، لكن ماذا لو رفعنا من وتيرة النشاط والتركيز والإخلاص لننهض بهذه القلة من جهة، ولنزيد عددها من جهة أخرى؟! من هنا يجب العمل على زيادة حصص التعبير واعتماد القراءة الحرة (حصة شهرية مثلاً) واختيار أكفأ المدرسين لتدريس هذه الحصص وإيجاد صيغة تعاون بين المبدعين والمدارس من أجل هذه الحصة، وعدم الركون إلى الأسلوب التقليدي المكرر في تدريس هذه الحصة، وتكليف الطالب بمهام يقوم بها بنفسه ولا يطلب من أحد ان ينفذها عنه كـ «استخراج ألفاظ في معانٍ معينة وحفظها ومن ثم استخدامها في موضوع يعطى داخل الحصة». وينوّه الخواجة الى ضرورة الربط ما بين حصص التعبير والنحو والنصوص الأدبية وعدم نسيان الواقع الحياتي وما يجري فيه على الساحة الأدبية وغير ذلك من أمور لا يتسع المجال لذكرها. تجديد وتطوير ويؤكد صلاح الدين سلانكلي موجه اللغة العربية بتعليمية الشارقة ان مادة التعبير حظيت في «المقررات الدراسية الجديدة» بنصيب من التجديد والتطوير اللذين جاءا انطلاقاً من غايات التعبير التربوية ومقاصده الاجتماعية، مشيراً الى أن مظاهر ذلك تبدو في مظاهر التركيز على إكساب المتعلم مهارات الاتصال والإفهام، وتمكينه من التفاعل والانسجام والتعبير عن ميوله واهتماماته والتكيّف مع محيطه ومجتمعه من مختلف النواحي الحياتية. ولهذا جمعت هذه المادة بين التعبير الوظيفي بسماته المجتمعية (تمكين المتعلم من كتابة الإعلان والبرقية والرسالة، وإكسابه مهارات التلخيص والحوار والنقاش المنظم، وكتابة التقرير ومحضر الاجتماع)، وبين التعبير الإبداعي بسماته الذاتية، حيث تضمنت موضوعاته بناء الفقرة باعتماد المتعلم على المثير المرئي، ومن ثم إكسابه مهارات كتابة أجزاء الموضوع مع التركيز على مهارات الإلقاء الجيد والتعليق وإبداء الرأي، لتنطلق بعدها الى توجيه الطالب نحو معالجة القضايا السياسية والاجتماعية بأسلوب المقال والقصة. ويوضح سلانكلي انه إذا كانت المقررات الجديدة قد حددت فنون التعبير وموضوعاته فهذا لا يعني بالضرورة الحد من حرية المعلم وإلغاء اختيارات المتعلم وميوله، فالتنويع في الموضوعات مع الاهتمام المركز في التعبير الوظيفي بغض النظر عن بعض التكرار والتجديد في أسلوب بناء الخبرات والنشاطات التقويمية جعل حصة التعبير أجدى نفعاً وأكثر متعة، وطالب المعلم والمتعلم بجهد أكبر وحذر أشد، حيث إن التركيز على التعبير الوظيفي كماً وكيفاً يمكن أن يترك أحياناً آثاراً سلبية نلمسها في تدني كفايات الطالب في معالجة الموضوعات الإبداعية من حيث ضيق مساحة الإبداع لديه وقصر نفسه في الكتابة. أسس وعناصر بناء ويقول محمد سعد الله عبدالحافظ، مدرس أول اللغة العربية بالمعهد الديني الثانوي بدبي: لقد كان للتعبير حظ وافر من التطوير في المناهج الجديدة التي أعدتها وزارة التربية والتعليم بالدولة منذ بضع سنوات، حيث أصبح للتعبير منهج متكامل سواء أكان ذلك للتعبير الشفوي أم للتعبير الكتابي. ويؤكد سعدالله ان هذا المنهج واضح الملامح تنفذ حصة التعبير من خلاله، ومن أهم تلك الملامح أن مادة التعبير أصبحت لها أهداف ومحتوى وأساليب تعلم، وصارت لها أنشطة تقويم متنوعة فيما أتاحت الأنشطة التي خصصت للتعبير المجال لتدريب المتعلم وتعويده التفكير المنطقي وترتيب الأفكار وربط بعضها ببعض ودعمها بالأدلة والشواهد، كما أن فيها مجالاً لإعداد المتعلم لمواقف الحياة التي تتطلب فصاحة اللسان والقدرة على التعبير والارتجال إلى جانب أن التعبير ارتبط بالفروع اللغوية الأخرى ولا سيما القراءة والمطالعة الذاتية والنصوص ما يؤكد الصلة بين التعبير وبين هذه الفروع جميعاً. ويؤكد سعدالله ان موضوعات التعبير تلائم العصر وأحداثه حيث اختيرت وصممت مما يتصل بحياة المتعلمين وبيئتهم ومما يدور حولهم من أحداث جارية وابتعدت عن الموضوعات الجافة التي لا تحفز على الكتابة مؤكداً أن نسبة الحرية الممنوحة للطلبة في تناول موضوعات التعبير واختيارها نسبة كبيرة، حيث تركت للمتعلمين الحرية في اختيار بعض الموضوعات ليعبروا عنها تعبيراً شفوياً وكتابياً حتى يتمكنوا من الانطلاق في التعبير عما يعانونه من مشكلات في حياتهم، وما يدور حولهم من أحداث وطنية وقومية ومناسبات دينية وما يتحرك في صدورهم من هموم وآلام وما يدور في أذهانهم من خواطر وآمال ودليل ذلك طرح أكثر من موضوع في المواقف الصفية أو الواجبات المنزلية ويكلف المتعلم الكتابة في واحد منها وكثير من المعلمين يأخذون بتجربة الكراسة المتنقلة بين المتعلمين حيث تترك لكل متعلم الحرية لكتابة ما يريد أن يعبر عنه، ويطرح خلال الامتحانات الفصلية أربعة موضوعات على الأقل تجمع بين الابداعي والوظيفي، ويكلف المتعلم بالكتابة في اثنين منها. وعن مستوى طلابنا الآن في التعبير يؤكد سعد الله ان نسبة كبيرة من المتعلمين ارتقى تعبيرهم في ظل المناهج الجديدة، ولكن بعضهم ما زال متعثراً ويسيطر عليه الخجل والارتباك أثناء التحدث والارتجال مرجعاً ذلك لحالة ثقافتهم العامة أو ضعف إلمامهم بأساسيات اللغة ومهاراتها في النحو والإملاء والخط وغيرها من العوامل المؤثرة في قدرتهم على التعبير، ومنها ما يتصل بالمعلم وأساليب تدريسيه، ومدى اهتمامه بإصلاح أخطاء المتعلمين وإرشادهم وتدريبهم وموقع حصة التعبير في الجدول. يحيى عطية