طلب العلم فريضة، والحصول على قدر من التعليم حق لكل مواطن، وأقل قدر من التعليم هو ان يزيل الانسان أميته، فيستطيع قادرا على القراءة والكتابة، وأن يعرف مبادئ الحساب. ـ هذا المفهوم كان سائدا قبل أن يظهر الحاسوب، والآن اتضح ان الأمي هو الذي لا يعرف استخدام الحاسوب في حياته. ـ هناك مستجدات اخرى غير الحاسوب، وهي تغير المفاهيم والمعلومات والاحتياجات في العالم، مما يجعلنا نتغير بتغير العالم، اذا اردنا ان نواكب الحياة، والا سوف يهيمن علينا التخلف، ونبقى خارج السرب نغني على مواويل أكل عليها الدهر وشرب. ـ اذا آمنا بالمستجدات، وعلمنا انه لابد من أن يواكبها تجدد وتجديد من قبلنا فلا بد أن نعلم ان الترقيع ليس هو اسلوب التجديد والتطوير. ـ ولو أخذنا على سبيل المثال مشاهد من الواقع لرأينا أن: 1ـ شراء سيارة جديدة آخر موديل افضل من تركيب بعض القطع كآخر موديل، على سيارة قديمة اذ ان تلك العملية لا تتماشى مع السيارة، او تشوه السيارة. 2 ـ تركيب بعض الاسنان في الفك في حين ان الرجل يشكو من آلام في اللثة لا يفيد، والاولى ان يزيل كل الاسنان التي سببت الآلام والتورمات، ومن ثم يركب طقما جديدا بما يتناسب مع اللثة. 3ـ اضافة كتب الى كتب في مكتبة البيت او المدرسة او الحي من غير مراعاة فروق مستويات القراء من حيث السن واللغة والجنس، لا يزيد من ثقافتهم شيئا بل يؤخرهم الى الخلف، وكان أولى بهم لو اعادوا ترتيب المكتبة بحيث يكون للكبار قسم، وللاطفال قسم، وللرجال نصيب، وللنساء نصيب، اضف الى ذلك ان الواجب ان تجلب اليها كتب تتحدث عن واقع اليوم لا عن عصر المغول، والادب في عصر ألف ليلة وليلة. 4ـ يجب ان تكون هذه الافكار او هذه المفاهيم جزءا لا يتجزأ من المناهج الدراسية، بحيث يتشربها الطالب في أثناء الدرس والا لن يتعود الترداد على المكتبات، ولن يعتني بمتابعة الاحداث. ـ ومن هنا جاءت فكرة التجديد في أروقة التربية ومناهجها ومدارسها واساليب التدريس فيها. ـ هذه الحركة رغم انها حملت بعض السلبيات او بعض المزعجات من الليالي والأيام لبعض الناس الا انها لابد منها، اذ اننا لو لم نفعلها لفعلها غيرنا ونحن مرغمون. ـ نعم.. ربما نختلف نحن جميعا عن بعض في الاسلوب واتخاذ القرار، أو تنفيذه، لكن قلنا التجديد مطلب عالمي والتغيير حاجة ملحة، والتطوير سنة الحياة. ـ قارن بين حياتك وانت ابن القرن الواحد والعشرين، وبين حياة أبيك آدم لتجد انه كان يأكل اللحم النيئ أولا، ثم اهتدى أبناؤه الى طريقة الشوي. أما اليوم فانت تتفنن في طريقة الشوي، وربما لم تأكل المشوي أيضا، ولجأت الى البقوليات والخضار والفواكه، لأنك اكتشفت ان الجسم يرتاح مع الخضر أكثر. ـ هذه بعض الامثلة، والامثلة كثيرة، وانما اريد القول بأن المستجدات التربوية كتغيير السلم التعليمي مثلا، او تغيير نظام التدريس او تغيير مسميات الكتب الدراسية، او دمج العلمي والادبي مثلا، كل ذلك مطلوب على مستوى العالم، لأن الحياة استجدت. ـ في يوم من ا لأيام كان يكفي ان تحمل الشهادة الاعدادية لكي تتقلد منصبا مرموقا، لأنها شهادة عامة، وحولك الناس أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب. ـ اما اليوم فلا يعقل ان نفتخر بالثالث الاعدادي، بل حتى الليسانس أو البكالوريوس في حين ان العالم يفتخر بدرجة الاستاذية بعد الدكتوراة. ـ ثم لا يجوز ايضا ان نجادل ونصر بأن التعليم يجب ان يتشعب الى شعبتين فقط: علمي وادبي، والالتحاق بالشعبتين يجب ان يكون اختياريا بعد ان ثبت ان اسلوب الحياة في العالم كله تحول الى اسلوب عملي، ووسائل الاتصال واسلوب التفاهم كلها اجهزة ورموز وارقام ورياضيات وعلوم حديثة. لكن طلابنا مازالوا في غيبوبة عن العالم، فلا يختارون الا الادبي لا لحاجة الدولة اليه، بل لأنه الأسهل. ـ كلا.. ثم كلا، ما هكذا يا سعد تورد الابل، ان الدولة عضو في مجموعة دول العالم، ومطلوب منها ان تحقق معدلات وانجازات معينة في مواقف معينة. وهذه المعدلات لن تتحقق بدفع حصتها المالية للمنظمات كل عام، بل برفع رصيدها من الشباب المتعلمين. ـ من هنا جاءت فكرة شمولية التطوير لجميع ابعاد النظام التربوي. فالتعليم الاساسي يجب ان يتغير من ست الى تسع. والتعليم الثانوي يجب ان تتغير مفرداته ومتطلباته ومجالاته. والمناهج يجب ان تواكب العصر وحاجة السوق والحياة. والوسائل يجب ان تكون تقنيات حديثة لا مروحة وابرة وبطارية راديو وقلم رصاص مثلا. والمعلم والموجه يجب ان نرى العالم من خلالهما. والمدرسة يجب ان تكون روضة من رياض العلم الحديث، لا زنزانة نسجن فيها الطلبة عقابا لهم. والانشطة يجب ان تكون من صنع يد الطالب، لا نشتريها من المكتبات والدكاكين جاهزة للعرض فقط. والاختبارات يجب ان تكون لمعرفة القدرات لا للتعجيز، وللقياس والتقويم لا للتعويق والحرمان من الحياة. والخطط الدراسية والمواد وأوزانها يجب ان تكون متناغمة لا كم يدرس، وكيف يفعل والمخرجات مجموعة اعوام عقيمة. والادارة المدرسية يجب ان تكون قمة في الفهم والتوجيه والذوق والادب والتربية، لا كرسيا موروثا عمن سبقنا، واداة لعرض عضلاتنا. ـ لو فعلنا ذلك لانتجنا انسانا صالحا متكامل الشخصية عقليا ووجدانيا ونفسيا واجتماعيا. ـ بالطبع يجب ان نفعل ذلك لكن لا نفعل بعيدا عن قيمنا الدينية والاجتماعية فنحن في النهاية عرب مسلمون يحكمنا كتابنا وديننا وعرفنا. ـ هنا قد يختلف بعضنا عن بعض، فينفلت الزمام من يد بعضنا، فيقع في افراط او تفريط، والمطلوب الاعتدال والاتصاف بالعقلانية، وتقييم الامور بميزان تربوي بعيدا عن الشطط والعنف والتشنج. ـ ولن نستطيع ان نصل الى هذا المستوى الراقي من الفكر والعمل اذا كنا نحكم عواطفنا أو ننظر الى الناس بمنظار أسود، او اننا ننظر الى الناس نظرة دونية. ـ ان الحياة تجارب، والحياة مستويات والناس فيها اشكال والوان، والقدرات متفاوتة، والاحوال متغيرة. فلا يظنن احدنا بأنه اوتي كل شيء، واذا اردتم ان تعرفوا ان: الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وان لم يشعروا خدم اذا اردتم ان تعرفوا ذلك فادخلوا المستشفى لتجدوا طبيب العيون مثلا غائبا، وعند السؤال يقال بأنه مريض ويتعالج في مستشفى آخر عند طبيب باطني مثلا. ـ ما ذكرته مجرد مثل لتعرفوا انه رغم انه طبيب لكنه لم ينفع نفسه، واحتاج الى طبيب اخر. هذا اذا كان طبيبا فعلا، فماذا لو لم يكن طبيبا وادعى أنه طبيب؟ الا ينطبق عليه قول الشاعر: وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي والطبيب مريض ـ ما ذكرته مجرد أمثلة، والواقع يشهد بذلك، لذا فانني اعتقد اننا في حاجة الى مراجعة انفسنا لنتخلى عن كثير من الأنانية، وكثير من الفوقانية.. أليس كذلك؟