في المواقف التي تثير الدهشة والغرابة تصبح الكلمات هي التعبير الاقرب عن كل المشاعر. وعندما تزداد الامور اثارة فان وقائعها ومشاهدها وسلوكياتها لابد وان تتحول بدورها الى «حروف ساخنة» تشير الى موضع الخلل وترشد الى مكمن الخطر ليصبح الطريق امام الجميع واضحاً والدرب سالكا. وحروفنا الساخنة لن تتوقف عن متابعة كل الجوانب والامور في شتى مجالات الحياة. ومع كل حرف ساخن ستكون الصورة ايضاً ناطقة ومعبرة وشريكاً دائماً في ترجمة الحرف والافصاح عن ابعاد الكلمة.. كما سيكون لكل مسئول دوره معنا ليزداد التواصل على وقع الحروف الساخنة. قبل أيام أنهى المؤتمر الثاني للفيزياء والعلوم اعماله التي استغرقت يومين بمشاركة نخبة من الاكاديميين بالمؤسسات التعليمية الجامعية وكليات التقنية وموجهي وزارة التربية بالتعليم، الذين ناقشوا او بالاحرى استعرضوا وقرأوا اوراق عمل اعدت بهدف تطوير مستقبل تدريب الفيزياء والعلوم، ولم يكن المؤتمر هو اللقاء الاول بل يفترض فيه أن يكون استمرارا للمؤتمر الاول، واستكمالا له عبر مناقشة مقترحاته وتوصياته. وخلال فعاليات المؤتمر الذي اعد له توجيه المادة بالوزارة وبالتعاون مع ادارة المنطقة من حيث الاعداد والشكل والتحضير.. لا غبار عليه، ومن حيث اوراق العمل التي تليت خلال خمس جلسات ايضا حملت كلاما «نظريا» لا نقاش فيه، ولكن وبعد أن اسدل الستار على فعاليات المؤتمر، ماذا بعد؟ ومن يتابع وما هي القرارات الاستراتيجية التي ستشهدها مناهجنا التعليمية، لاسيما وانه بعد انتهاء مؤتمر الفيزياء بدأ في مدينة العين مؤتمر اخر لمادة الكيمياء، وقد يسأل سائل وهل هناك مؤتمرات للاحياء، والرياضيات؟ اما اللغة الانجليزية فقد حظيت بنصيب الاسد في الندوات والمؤتمرات وربما هي المادة الوحيدة التي رصدت لها الامكانات واتخذت من اجلها القرارات الميدانية في وقت قبعت فيه مادة اللغة العربية تنظر الى المؤتمرين بعين الحزن والخجل والاستحياء وباسمها كم ترتكب في هذه المؤتمرات من مجازر لغوية واخطاء. اعود لمؤتمر الفيزياء بيت القصد، فقد لفت النظر بين اوراق العمل، دراسة اعدها الموجه جديد سعيد درويش من منطقة العين التعليمية تناول فيها دراسة تحليلية لواقع التجريب العملي، حيث عبرت الدراسة عن وجهة نظر المعلمين والمعلمات في «17» مدرسة اعدادية شارك فيها 44 بالمئة من المعلمين تناولت المعوقات التي تحد من تحقيق متوازن لأهداف المادة بمجالاتها المعرفية والمهارية والانفعالية، ونقلت وجهات نظر «17» أميناً وأمينة مختبر في المدارس موضع الدراسة حول الامكانات المجزية المتوافرة بتلك المدارس كونها الدراسة الاولى التي تجري لهذا المستوى التعليمي وذلك من خلال الاجابة عن ثلاثة اسئلة. تساؤلات السؤال الاول: الى اية درجة يركز معلمو العلوم على توظيف التجريب العملي في تعليم وتعلم مادة العلوم في المدارس الاعدادية بالدولة؟ والسؤال الثاني: الى اي مدى تتيح الامكانات المخبرية المتوافرة بالمدارس لاجراء الطلبة تجارب العلوم بانفسهم من وجهة نظر امناء المختبرات؟ اما السؤال الثالث، فهو، ما اهم معوقات استخدام التجريب العلمي في تعليم وتعلم مادة العلوم لطلبة الصف الاول الاعدادي من وجهة نظر معلمي العلوم؟ تلك كانت الاسئلة الموجهة الى عينة الاستبيان واسفرت الدراسة عن عدة نتائج. اجابات حائرة دلت اجابات المعلمين عن السؤال الاول على أن نسبة ما ينفذ من تجارب باستخدام استراتيجية التعلم التعاوني الذاتي ما يعادل فقط (44) بالمئة من مجموع النشاطات التجريبية في كتابي العلوم والتي تشكل (75) بالمئة من النشاطات الواردة فيهما. كما اسفر تحليل استبانة امناء المختبرات على انه يمكن تنفيذ ما نسبته (42) بالمئة من النشاطات الواردة في كتابي العلوم بمواد وادوات من البيئة (32) بالمئة من تلك النشاطات بمواد من البيئة ومواد مخبرية من قبل مجموعات عمل لا يزيد عدد افرادها على (3) طلاب، وأشارت اجابات المعلمين عن أسئلة الاستبانة وجود مجموعة من المعوقات الرئيسة التي تحد من اجراء الطلبة للتجارب العملية بانفسهم منها عدم توفر قاعات كافية للعمل التجريبي، وكثرة عدد حصص المعلم، وكثرة عدد الطلبة في الشعبة الواحدة، قلة المواد والادوات المخبرية، عدم وجود حصص للتجريب العملي في الجدول المدرسي، بالاضافة الى كل ذلك كثرة الاعمال الاضافية التي يكلف بها المعلم الى جانب طول المحتوى الدراسي للمادة. تطوير أساليب التدريس اما الدكتور طاهر احمد طاهر موجه مختبرات بوزارة التربية، رئيس اللجنة الوطنية لتطوير الوسائل التعليمية فيرى أن المحاضرة والتي هي اهم مظاهر التعليم في مدارسنا، لم تعد هي الطريقة الاحسن او الوحيد لاشغال الطلاب بالافكار والمعلومات التي يقدمها المعلمون، فهو يرى ايضا أن التعليم لا يشبه مشاهدة لعبة رياضية، فالطلاب لا يتعلمون الكثير فقط من خلال الجلوس في الفصل الدراسي ومشاهدة المعلم والاستماع اليه او استذكار الدروس والواجبات اليومية او الاجابة عن الاسئلة المطروحة. ويرى الدكتور طاهر، أن تطوير تدريس العلوم، ينطوي على تفعيل الدرس عن طريق احداث نوع من التكامل بين التقنيات الحديثة والمنهج الدراسي والاداء الكفء للمعلم. واشار إلى أن العملية التعليمية هي سلسلة مترابطة من الانشطة والفعاليات فان احداث تطوير في تدريس العلوم من خلال تطوير في احدى حلقات السلسلة لا يمنع من التفكير في تطوير الحلقات الاخرى. وخاصة تلك المتعلقة باعداد المعلم وتطوير قابليته العلمية اثناء الخدمة وحجم الفصل الدراسي وانسيابية الطلاب. واكد الموجه طاهر على اهمية ودور المختبرات في توفير بيئة علمية في مدارس الدولة وسبل الافادة منها في تقديم دروس تفاعلية لتوضيح المفاهيم الاساسية في المناهج العلمية وتنمية الجانب الحسي في التعامل مع المواد والاجهزة المخبرية. تجارب خارجية هاتان كانتا رؤيتين استنتاجيتين بناء على دراسات اعدت من الميدان وفي الميدان ومن خارج الميدان المحلي، كانت هناك رؤيتان لتجارب دول متطورة سبقتنا في مجال التدريس والتعليم لاسيما في الفيزياء والرياضيات، وقد عرضت لهذه التجارب الدكتورة انيتا نزارت، مستشارة التخطيط التربوي بمنطقة أبوظبي التعليمية والتي ساهمت في مشاريع تربوية للبنك الدولي. وقد اشارت في ورقة عملها الى أن نتائج الدراسة الدولية التي على طلبة الصف الثاني الاعدادي في مادتي الرياضيات والعلوم وبمشاركة (38) دولة، حصلت على المراكز الاربعة الاولى سنغافورة وكوريا واليابان وهونج كونج وثلاث من هذه الدول حصلت على مراكز متقدمة في العلوم ايضا واذا استثنينا اليابان، فأن باقي الدول ازدهر اقتصادها واصبحت من الدول الصناعية الحديثة، وقد جاء هذا الترتيب المتقدم ليضيف اليها ميزة تنافسية فيما يتعلق بمستقبل التنمية الاقتصادية. واشارت إلى أن ثمة اربعة عناصر اساسية تحدد قدرة اي دولة للوصول الى مرتبة الاقتصاد القائم على المعرفة، وهذه العناصر هي: التواصل مع العالم والاهتمام الشديد بمادتي الرياضيات والعلوم، والقدرة على خلق المعرفة وخلق بيئة تشجع على الابداع، واشارت الى المقومات الاساسية التي تبنت اهميتها للنجاح في هذا المجال وهي: قيادة واعية للاشراف على تدريس العلوم، العوامل الاقتصادية، جودة مدخلات التعليم، المعلمون والمناهج والكتب الدراسية، مشاركة والتزام جميع الاطراف ذات المصلحة واضافة عنصر المتعة الى العلوم وربطه بالبيئة. المفاهيم والحقائق الأساسية اما الدكتور سام بول خبير القياس والتقويم بوزارة التربية فهو يرى ضرورة معرفة كل فرد في المجتمع الحديث للحقائق الاساسية للعلوم ومفاهيمها والطرق التي تعمل من خلالها. كما يجب أن يعرفوا اثر العلوم على التغيرات التكنولوجية ومدى الفوائد او المشاكل التي ترتبط بهذه التغيرات، ويؤكد انه من الضروري للطلبة أن يشاركوا بفاعلية في التجارب العلمية سواء داخل المختبرات او خارج المدرسة لكي يفهموا الطريقة التي يعمل بها المعلم. تعليم متخصص ومكثف واضاف: بينما يمثل المنهاج الجديد تحديا للطلبة، تبقى الحاجة وخاصة في السنوات النهائية من الدراسة الى مزيد من التعلم المكثف والمتخصص للطلبة الذين يريدون الالتحاق بالتعليم العالي والتخصصي في مهن علمية، وأن تقويم هؤلاء الطلبة يجب أن يعكس مخرجات المنهاج. قرارات وزارية ورؤية استراتيجية تلك كانت بعض الافكار والنتائج لدراسات ميدانية وعلى ضوء ما طرح من اوراق عمل خلال ايام المؤتمر، وكما هي عادة كل المؤتمرات وضعت جملة من التوصيات لم تخرج في مجملها عن العموميات.. ولكن يبقى التطبيق والتنفيد على ارض الواقع هو الترجمة الحقيقية والتي تحتاج الى قرارات استراتيجية ذات مدلول ورؤية مستقبلية طموحة للارتقاء بمستويات تدريس المواد العلمية، وبالتي انعكاس ذلك على مخرجات التعليم، اما ما اتخذ من قرارات وزارية باضافة بعض المواد العلمية، رياضيات وفيزياء، كيمياء، على مناهج الثاني الثانوي الادبي، ما هي الا واحد من المداخل، وقد جاءت على حساب مواد اخرى لا نريد لها أن تصبح في الظل. فالتاريخ والجغرافيا، لا يقلان اهمية عن العلوم الاخرى، ونحن نعيش زمن الصراع مع عدو شرس يزيف التاريخ ويريد أن يلغي جغرافية المكان. اما لغتنا العربية «الجميلة» فهي تشكو الامرين من ضرتها «المدللة» اللغة الانجليزية، التي بات يعقد لها في كل يوم مؤتمر وندوة، والضاد حزينة. داوود محمد