حين تقدم المدارس العلم والمعرفة فانها بذلك تصنع التاريخ الذي تنسجه شخصيات كانت ذات يوم فوق مقاعد الدراسة كي تتسلح لمعركة الحياة بعلوم العصر وفنون البشرية. وكالأفراد وحركتهم المعروفة في الازمان والعصور فان للمدارس ايضا دورها فيما تصنعه ـ رغم ثباتها الظاهري ـ في محيطها اذ تلعب دورا مؤثرا فيما وفيمن حولها يجعلها هي الاخرى صاحبة تاريخ لا ينفصل مطلقا عن تاريخ وحركة مجتمعها. حول المدارس ذات التاريخ والاثر والمكانة والدور نلتقي لنطالع تلك الملفات القديمة لـ «مدارس لها تاريخ». تغيرت المواقع واختلفت المراحل لكن المدرسة الأقدم في تاريخ التعليم بمدينة دبا الفجيرة لاتزال تحمل اسمها المستمد من عمق تاريخنا الاسلامي الموحي بكل عظمة الشخصيات التي عاصرت أهم عصور أبناء الاسلام منذ فجر انطلاقته وحتى عصرنا الراهن. مدرسة عقبة بن نافع المشتركة بدبا الفجيرة هي أول المدارس التي انشئت في هذه المنطقة الواقعة في أقصى شمال الساحل الشرقي للامارات وهي بهذا صانعة النخبة المتعلمة المثقفة في المدينة التي تزداد كل يوم اشراقاً وازدهاراً بجهود أولئك الذين تعلموا في هذه المدرسة وواصلوا علومهم في جامعة بلادهم قبل ان يشاركوا في العطاء لمجتمعهم. وهكذا تظل المدرسة بالاسم الذي حملته عند افتتاحها وبمن خرجتهم من تلاميذها اشارة واضحة إلى عمق التأثر و التأثير بين الماضي البعيد والحاضر الماثل أمام عيون الجميع. عقبة.. شخصية تاريخية قبل الحديث عن تاريخ المدرسة التي انشئت وافتتحت للدراسة عام 1973 لابد من اطلالة على تاريخ الشخصية الإسلامية المهمة التي حملت المدرسة اسمها وهو عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري القريشي المولود قبل الهجرة بسنة واحدة على أرجح الأقوال. ينتسب عقبة بن نافع إلى أسرة من قريش امتازت بالشجاعة والفروسية وشدة البأس، لم ينل هذا البطل حقه من البحث والدراسة من قبل المعاصرين، ودفع الحقد والكراهية عدداً من المستشرقين إلى النيل من عبقريته وصفاته، أطلق اسمه على قاعدة جوية في ليبيا تقديراً لجهاده وأمجاده التي حققها، تحلى هذا البطل بصفات كريمة وخصال حميدة قلما تتوفر في شخصية واحدة من أهمها حدة الذكاء والعبقرية القيادية وسعة الطموح والآمال والاصرار العجيب على تحقيق ما يصبو إليه من أهداف لعقيدته وأمته، وقد كان لسماحة الإسلام أثر واضح في هذه الصفات فقد أحب جنوده وكان حريصاً على حياتهم، غايته من الجهاد نشر الإسلام وتحرير الشعوب من العبودية لغير الله، تمكن بحكمته وذكائه من الابتعاد عن التيارات والخلافات السياسية التي عصفت بالمسلمين في تلك الحقبة، شارك عمرو بن العاص في فتح مصر ونال اعجابه وساهم في تحرير شمال افريقيا من الرومان اعتمد عليه عمرو بن العاص في تأمين حدود مصر الجنوبية، كان يكره سفك الدماء لهذا كان يفاوض أهل البلاد ويعرفهم بمبادئ الاسلام وسماحته ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة قبل القتال، نال الاحترام والتقدير من عمر بن الخطاب ومن عثمان بن عفان لاخلاصه وعمق ايمانه، شارك في اقناع أهل مصر ببطلان الخرافة التي تملي عليهم إلقاء فتاة في نهر النيل ليحصل الفيضان. حقق من الأمجاد ما لا يتسع المجال لذكره خاصة في شمال افريقيا، بنى مدينة «القيروان» (تونس) لتكون مقراً لنشر الإسلام وتثبت أركانه في شمال افريقيا، نال شرف الشهادة سنة ثلاث وستين للهجرة بعدما غدر به كسيلة البربري، وخاض مع جموع البربر معركة غير متكافئة، رحم الله ابن نافع وقيض لأمته رجالاً من أمثاله، وإنه لشرف عظيم ان تحمل مدرستنا هذه اسمه. أما المدرسة فموقعها هو مدينة دبا الفجيرة التي تبعد عن الفجيرة مركز الامارة بحوالي 60 كيلومتراً، ومن المعروف ان هذه المدينة الساحلية تقع ضمن سهل صغير على سفوح جبال عالية تمنح دبا موقعاً طبيعياً متميزاً ورائعاً يجعلها ـ كما هو واقع الآن ـ منطقة جذب سياحي كبير يتزايد بشكل مطرد وملحوظ خلال السنوات الأخيرة. البدايات والمراحل شغلت مدرسة عقبة عند انشائها أحد المباني القريبة من السوق التجاري وكانت حينذاك أي عام 73 تضم مختلف المراحل الدراسية بالتعليم العام أي الابتدائية والاعدادية والثانوية. وعندما انتقلت إلى مبنى آخر بمنطقة «الغوب» احدى ضواحي مدينة دبا الفجيرة اقتصرت فصولها على المرحلتين الاعدادية والثانوية إلى جانب الصف السادس من المرحلة الابتدائية التي تحولت فصولها إلى مدرسة أخرى جديدة نشأت بالمدينة في ظل النهضة التعليمية التي سادت كافة مناطق الدولة بعد قيام الدولة الاتحادية. وفي عام 87 انفصلت المرحلتان الاعدادية والثانوية لتصبح المدرسة قاصرة على صفوف المرحلة الابتدائية العليا أي من الرابع وحتى السادس الابتدائيين. وخلال العام الدراسي 96/97 عادت المدرسة إلى الدمج بين المرحلتين الابتدائية والاعدادية قبل ان تتحول بعد عام واحد في العام التالي إلى مدرسة مشتركة تضم الصفوف الخامس الابتدائي وحتى الثاني الاعدادي وهو الوضع الذي لا يزال قائماً حتى الآن ومنذ انتقال المدرسة إلى مبناها الجديد في منطقة «العكامية» أحد أحياء مدينة دبا. الادارات المتعاقبة طوال 29 عاماً هي عمر مدرسة عقبة حتى الآن تعاقب على ادارتها عدد من التربويين كان أولهم محمد فاضل عبدالعال (مصري) والذي شغل موقع الادارة خلال السنوات الأربع الأولى قبل ان يسلم هذا الموقع إلى زميله التربوي نشأت الجراح (أردني) ليبقى فيه لمدة مماثلة يعقبه بعدها محمود الخلايلة (أردني) وعبدالقادر ذياب (فلسطيني) ثم أحمد العطاف (مصري). ويعد عبيد خميس النقبي أول مواطن يشغل موقع ادارة المدرسة وكان ذلك عام 95 حيث أمضى في موقعه عاماً دراسياً واحداً قبل ان يشغل مواطن آخر هو عبيد محمد مليح مكانه على رأس ادارة المدرسة منذ عام 96 وحتى اليوم. مؤسسة متكاملة وتضم المدرسة حالياً 28 فصلاً دراسياً اضافة إلى 3 مختبرات علمية ومسرح مجهز، ومختبرين للحاسب الآلي، كما يوجد بها 6 ملاعب منها اثنان لكل من الكرة الطائرة وكرة السلة، وواحد لكل من كرة القدم وكرة اليد مما يجعلها مؤسسة تعليمية متكاملة بعد ان تحققت لها كل عوامل التطور الذي تتضح كثيراً تلك الفرق الكبيرة بين البدايات والوضع الحالي للمدرسة. ويعمل في المدرسة خلال العام الدراسي الحالي 55 معلما علاوة على عدد من الاداريين والاخصائيين وهو ما يمثل نقلة كبيرة بالنسبة للمدرسة التي بدأت بعدد محدود من المعلمين لا يزيد على عدد أصابع اليدين في بدايات عملها. وتعود هذه النقلة إلى حالة التطور التي شهدتها المنطقة خلال ما يقرب من ثلاثين عاماً حيث تزايد اهتمام الناس بتعليم أبنائهم. ويبلغ عدد طلاب المدرسة حاليا 800 طالب يتوزعون على 14 فصلاً للمرحلة الابتدائية العليا ومثلها للمرحلة الاعدادية التي تضم وحدها 423 طالباً. ووفقاً لسجلات المدرسة فإن نتائج الطلاب خلال العام 99/2000 قد بلغت 97% هي نسبة الناجحين من الدارسين بها. وقد فازت المدرسة مؤخراً في المسابقة التي نظمتها وزارة التربية والتعليم حول أفضل تصميم لموقع مدرسي على شبكة الانترنت. خريجون قدامى معروف ان المدرسة لعبت دوراً مهماً في نشر العلم والمعرفة في كل أوساط المجتمع المحلي بمدينة دبا الفجيرة وهو ما تؤكده الحالة العامة للتعليم والثقافة داخل المدينة. وعن الشخصيات البارزة التي تعلمت في المدرسة وأسهمت بدور فعال في تنشيط الحياة الثقافية بالمدينة فإن الأسماء الكثيرة نورد منها: محمد سعيد الضنحاني مدير الديوان الأميري بالفجيرة، وهو كاتب مسرحي وصاحب اسهامات ثقافية متعددة وقد فاز مؤخراً بجائزة أفضل نص مسرحي في أيام الشارقة المسرحية. ومن هؤلاء الخريجين أيضاً: مطر صالح الكعبي، مدير بلدية دبا الفجيرة، ورئيس مجلس الآباء لمدارس المدينة، وخميس النون مدير منطقة دبا بالهيئة الاتحادية للكهرباء والماء، وسعيد خليفة راشد رئيس قسم البرامج التربوية بمنطقة الفجيرة التعليمية، وعبدالله راشد الضنحاني الفنان المسرحي المعروف الذي فاز بجائزة أفضل ممثل دور أول خلال الدورة الأخيرة لأيام الشارقة المسرحية. محمود علام