بيان المدارس والجامعات: عبر السنوات والمراحل يرتقي الانسان علما وفهما وادراكا في مجالات متعددة قد تتباين في نوعياتها أو أساليب ممارساتها لكنها تتفق في انها ـ جميعها وبلا استثناء ـ تستند إلى قاعدة من العطاء الذي قدمه اناس لا تزال بصماتهم الاولى ذات أثر في حياة المرء مهما تقدم او ارتقى. وحين يتوقف الانسان لتقييم مسيرة حياته وما قطعه من مراحل او بلغه من مواقع فان بوصلة الذهن تتجه دائما نحو أولئك الذين غرسوا في النفس ما انتج اطيب الثمرات ووضعوا اللبنات الاولى على مدارج العمر لتكون للحياة قيمة وللعطاء معنى. وهنا نتوقف كل اسبوع لنقرأ معا رسالة الى هؤلاء فهم اساتذتنا في الحياة. يوجه الدكتور محمد عصام القضاة الاستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الشارقة رسالته الى استاذه فيقول: حين اكتب رسالتي الى معلمي ومرشدي الى طريق الحق فاني اكتبها الى الشيخ علي بن سلمان عرفانا مني بالجميل لمن علمني ان من لايشكر الناس لايشكر الله، ولا ينسب الفضل لاهله الا ذووه، ولانه صاحب الفضل فيما انا فيه من خير فهو من ابصرت طريق الحق على يديه وتعلمت كتاب الله في مدرسته وفي جوار ذلك الشيخ المبارك علي المومني. انني اسأل الله تعالى ان تكون كما عهدتك مفتاحا لكل خير يا من تنهج منهج القرآن وتسير على سيرة خير الانام، ومن هنا استاذي الكريم فانني ومن موقعي في كلية الشريعة والدراسات الاسلامية استذكر تلك الايام والليالي المنيرة بكتاب الله واللحظات التي مرت بنا ونحن نقرأ معا كتابه ونحفظه ونجوده اتذكر تلك المجالس التي كانت تنعقد في امسية كل يوم من ايام الاسبوع دونما كلل منك او تعب او اعياء، حيث كنا نفتتح تلك المجالس المباركة بالصلاة والمدائح النبوية بعدها يبدأ كل طالب منا بتسميع ما حفظ من القرآن الكريم وكانت الجلسة ذاتها تحمل صفة البساطة وعدم التكلف وكان يستوي فيها جميع من يحضرونها للتزود بعلوم الكتاب العزيز. الحكمة والعلم ويتابع ـ القضاة: مازلت اذكر كلمات كنت ترددها علينا دائما حين تقول لنا: احفظوا علي ما اقول فلن تجدوه في بطون الكتب وللحق اقول: لقد حفظت منك حكما وحصلت علوما ما وجدتها في بطون الكتب ولا في اروقة الجامعات، اقول هذا بعد ما يزيد على ربع قرن من الدراسة في مراحل العلم المختلفة من ثانوية وجامعية اولى وعالمية ثم عالمية عالية، وهأنذا ادرس ابنائي وبناتي طلاب العلم ما نهلته من معينكم ومازلت استذكر قولك لي ذات مرة: انك ستكون فقيها يوما ما وكنت يومها لا اتجاوز الخامسة عشرة من العمر فقلت لك في دهشة ولم يا شيخي العزيز؟ اجبتني قائلا: لانك تحفظ ما اقوله لك ولا تنساه. نعمة حفظ القرآن ويضيف: حين طلب مني احد الاحبة ان اوجه رسالة الى شيخ تأثرت به وافدت من علمه والله ما ومض في ذهني الا اسمك ولا جال في خاطري استاذ غيرك، رغم ان لي اساتذة اجلهم وعلماء اقدرهم ومربين اعترف لهم بالجميل لكنك يا استاذي الاول بين الجميع من سبق في التعليم زمانا ومكانا وتأسيسا وتكوينا، فلك مني ما يكنه لك قلبي من حب وشوق وحنين وأستطيع التعبير عن مكنونه او بيان مضمونه. لك يا شيخي العزيز اقول جزاك الله عن كل اهل القرآن خير الجزاء واجزل الله لك العطاء، ومنحك ما تستحق من فيضه وبركته فقد حفظ القرآن على يديك آلاف من مختلف الاعمار، واني اقر ان ما بي من نعمة فبالقرآن الذي شرفني الله تعالى بحفظه على يديك وفي مدرستك العظيمة فانفتحت امامي الافاق واسأل الله دوام النعم وحسن العلم والعمل وخير العاقبة والاجل. رسالة عظيمة ويقول فادي عبدالمعين السقا مسئول الموارد البشرية في جامعة الشارقة ان المعلم يبذل الجهد الكبير ليكون طلاب فصله من المتفوقين ويتميزون على طلاب الفصول الاخرى، حيث ان تفوقهم يزيد من مكانته بين زملائه المعلمين ولا عجب اذا رأيت المعلم غاضباً انه يشرح ويكتب ويرسم الامثال ويتوقع النتيجة التي تليق بما قدمه، فهو صاحب رسالة عظيمة ومقدسة، بل من اشرف الرسالات التي تحمل امانة عظيمة وجليلة، والمعلم هو صانع للحضارات وناقل للثقافات، ومشارك فعال في اعداد رجال المستقبل فمهنة التعليم ليس كسائر المهن والوظائف تنتهي بمجرد انتهاء الدوام بل تمتد الى خارج المدرسة فالمعلم محط انظار الجميع في سلوكه وتصرفاته وتجده حريصا على ان تكون علاقاته قائمة على اساس الثقة والاخلاص والامانة والمودة. تأثير ممتد في الافراد ويضيف ان المعلمين يخدمون البشرية جمعاء ويتركون بصماتهم واضحة على حياة افراد المجتمعات التي يعملون فيها، كما ان تأثيرهم على الافرد ومستقبلهم يستمر عند هؤلاء الافراد لسنوات تمتد معهم ما امتد العمر بهم. وها انا امضي في حياتي وادخل الى مراحل متعددة من العمر لكنني انظر بعيداً الى تلك الايام التي قضيتها خلف مقاعد الدراسة حين تتلمذت على يدي استاذ الرياضيات خالد الدروبي الذي تعلقت به قلوبنا وعقولنا ونحن نستمع اليه بآذاننا وهو ينقل الينا العلم والأدب ادرك الآن ان ما نحن عليه من نجاح وتقدم فإنما هو بفضل هذه السواعد التي يعيش عطاؤها في حياتنا وبقية اعمارنا. تقول نعمة محمد احمد معلمة في مدرسة زبيدة الثانوية برأس الخيمة في ذاكرتي مدرسة لن انساها ابد الدهر لانني لا استطيع نسيان شكلها وكلماتها العطوفة الحنونة واسلوبها الشيق في شرح مادة تعد من المواد الصعبة فقد كانت استاذتي التي اوجه اليها اليوم رسالتي معلمة التاريخ في المدرسة. وكانت تعرض لنا كل حادثة تاريخية في كتاب المادة وتحاول ربطها بالحاضر وتقدم لنا ما فيها من العظات والعبر التي تفيدنا في حياتنا اليومية. ولن انسى درس المليون شهيد الذي يتحدث عن نضال الشعب الجزائي ضد الاحتلال الفرنسي فقد كانت معلمتنا وبصوت جهوري تقول لنا: تعلموا من هذا الدرس ان الحرية اغلى من الحياة ذاتها لانه بدون الحرية فلا حياة ولا كرامة ولا شعور بالامان. نورا الأمير