بيان المدارس والجامعات: من الفكر ينطلق الرأي فيثري ساحات العمل ومجالات البناء ويمنح أهل الميدان خبرات أوسع ورؤى أشمل هي حصاد علم أو معرفة، وخلاصة تجارب وممارسات قد تمتد لسنوات وسنوات. ولأننا نؤمن بأن الرأي اسهام في البناء، وسعي نحو التطور، وتوجه نحو العطاء فإننا نفرد على صفحات ملحقنا سطوراً تخدم واقعنا التربوي لأنها دائماً «في الصميم». بقي في الجعبة شيء هام مما يرتبط بهذا الحديث، شيء هام لم يستطع الغرب ان يأخذه.. شيء بقي في اعماقنا وهو اذا ما أفاق شكّل شمساً ساطعة لا تغرب أبداً.. ألا وهو الإيمان، قلما تجد مسلماً لا يعيش حلاوة الإيمان.. قد يتيه.. قد يضيع.. قد يلهث وراء المال أو الجاه أو السلطة لكنه في لحظات ضعفه يعود إلى الحقيقة الكبرى.. يعود إلى الله. وأعتقد اننا سنبقى أقوياء.. نعم سنبقى أقوياء طالما اننا مؤمنون بالله، ففي إيماننا يكمن سر قوتنا، ومنه تنطلق عزائمنا، واعتقد ان الخمول وقتي، والكسل عابر، وليس غريباً أن تغفو الشعوب ولكنها ستصحو بعد غفوة، وسنعود إلى سابق عهدنا وسنتمكن بقوة إيماننا من صنع الكثير ومن الارتقاء بأهلنا وبأوطاننا إلى المكانة التي نستحق، وإلى التقدم الذي نتطلع إليه. وآمل ألا يفوتني ويفوتكم التمييز بين ما وصلت إليه بعض الدول من مدنية وبين الحضارة الحقيقية المرتبطة بموروثات، والمبنية على أسس متينة، ومن طيب الأمر ان الأسس الحضارية متوفرة لدينا، ولكنها تحتاج إلى من ينفض عنها غبار الزمن ويتابع البناء الأقوى والأجمل. القضية إذاً تحتاج إلى من ينفض ويتابع ويبني.. هي تحتاج إلى تغيير، والتغيير يأتي تباعاً ولكنه يحتاج إلى نية صادقة، والنية وحدها لا تكفي فما وقر في القلب يحتاج إلى ان يصدقه العمل. والتغيير لا يكون بقرار رسمي ولكنه قرار سلوكي مطلوب من الأفراد والجماعات في آن معاً، ولايأتي التغيير إلا بإجبار النفس على تجاوز سقطاتها وهناتها «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، وللنفس أهواء..وأهواء النفس إذاما سيطرت عليها قادتها إلى الهوان: إن الهوى لهو الهوان بعينه حذفت له نوناً يدُ الكتّاب وأول الطريق صلاح النفس، وصلاحها يكون بعودتها إلى المكارم: صلاح أمر المرء للأخلاق مرجعه فقوم النفس بالأخلاق تستقم والمكارم جميلة لمن اعتادها، وهي خلق أصيل لدى العرب والمسلمين، ومتأصلة في ديارهم وهي من طباع الجزيرة العربية حتى قبل إسلامها، لأنها طباع الفطرة التي خلق الله الإنسان عليها، مصداق هذا قول الرسول الكريم «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». ومن المكارم وهو عكس الكره، والحب يبني ما انهدم، ويُعلي ما انخفض، ونشر الحب من مكارم الأخلاق فإذا ما تخلى الانسان عن الحسد والبغض والكراهية وأحب من حوله وجد نفسه سمحة مطمئنة وكان مرتاح البال. ومن المكارم الابتسام «وتبسمك في وجه أخيك صدقة» فما أكثر الصدقات التي ينالها المبتسمون!! ومن المكارم الصدق وما أحوجنا له في القول والعهد والوعد!! وماأكثر المكارم! والواحد منا يعرفها بفطرته ويعرف ضدها فليعمل كل منا من أجلها لتسود روح المحبة والوئام والتعاون ويتحول الفريق إلى بنيان مرصوص يشد بعضه أزر بعض، فالبنيان القوي لا تهدمه الزلازل والهش من البنيان يتداعى بفعل هبات الريح. وعودة إلى النفس بل عودة إلى تربية النفس، والعودة تذكرنا بأهمية الرعاية «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» إن وقفة عند كلمة «مسئول» تبرز خطورة الدور الذي يلعبه المربي، المربي الأب، المربي الأم، المربي المعلم. ولو قُدر للنفس ان تكشف عن عيوبها وان تتعرف أسبابها لاكتشفت انها تعود إلى مصداقية تلك التربية فكيف يُراد من ولد ان يتعلم الصدق، وهو يسمع قدوته يكذب؟ وكيف يمكن لتلميذ ان يتعلم الطموح، وهو يرى معلمه محبطاً؟ وكيف يمكن لأمة ان ترقى إلى مصاف التقدم وهي ترزح تحت نير الجهل وفقدان الكرامة؟ ولكن لماذا لا نستبدل كيف يمكن؟ بأليس ممكناً؟ بل يمكن ذلك، يمكن للولد ان يتحرر من كذب القدوة، وللتلميذ ان يتحرر من احباط المعلم وللأمة ان تتحرر من الجهل، ولم لا ونحن نرى المدارس تنتشر في كل مكان، ونرى وسائل نقل العلوم والحضارات تختصر المسافات وتخترق الجدران والحواجز وتكاد تسبق الصوت والضوء، تور المعرفة بدا يطل علينا.. الجيل الحاضر جيل متعلم، والتعلم أول الخطوات الصحيحة على طريق التقدم، وهو يبدأ بالقراءة والكتابة وهما سبيلنا إلى فك ما يدور حولنا من ألغاز وإلى عالم المعرفة الواسع. أمل وعمل وطموح وبقيت لنا حاجة ألا وهي الأمل، فلولا الأمل لبطل العمل.. والأمل المرتبط بالعمل هو الطموح بذاته. أما عن بقية عيوب النفس فيمكن الخلاص منها، والخلاص منها يحتاج إلى برنامج وإلى تدريب وما زلت أذكر كيف انني قرأت عن أهمية رياضة المشي واعتقدت بأهميتها في بعث الهمة والنشاط عن الشيب والشباب لكني حين فكرت بتحقيقها ترددت وأجّلت الأمر مراراً إلى ان عقدت العزم على البداية، واحتاج الأمر إلى إرادة والارادة تبدأ بحديث النفس، فمن جاذب يشدك إلى الوراء حيث الراحة والركون إلى الكسل والخمول وآخر يدفعك إلى الأمام حيث بذل الجهد وصرف الطاقة والعقل ينظم تلك الأحاسيس ويحدثك عن النتائج.. عن همة عالية ونشاط وحيوية وصحة وسرور وشعور بالسعادة واحساس بالشباب الدائم. وتبدو المغريات كثيرة فتندفع نحو تحقيق الأمر.. تبدأ والبداية ليست سهلة، انها تبدو صعبة، تسير إلى نصف الهدف الذي رسمته لنفسك فتحدثك النفس.. انظر إلى قدميك لقد تورمتا، ورجلات تتثاقلان، وجسدك بدأ يتعب، عد من حيث أتيت، عد إلى مخدعك.. واركن إلى الراحة، ويتعرض العقل ويدفعك إلى الاستزادة وتسقط الوساوس وما أجمل ان تسقط دائماً وتركن إلى بصيرتك وعقلك وتستمر وتمر أيام.. نعم أيام بسيطة مرت شعرت بعدها بالانتماء إلى هذا النشاط، وبتعلقي به، وبأنني إنسان آخر ينهب الأرض نهباً، ويتجاوز الادراج دون وهن أو تعب، والغريب ليس هنا وإنما بما ساورني من شعور بالسعادة وبصفاء الذهن، وتوقده وتحولت الرياضة منهم إلى نعيم. والرياضة باب من أبواب تهذيب النفس، وأبواب تهذيبها كثيرة وعديدة، وأذنوا لي بعض أمر آخر فحين كنت في ريعان الصبا التقيت برجل تربطني معه صداقة وبينما نحن نتجاذب أطراف الحديث مرة أخبرني أنه يُحاسب نفسه ويقومها فتساءلت عن سر ذلك فأعلمني أنه حين يخلد إلى فراشه في المساء يعيد شريط أحداث النهار ويقول لنفسه: هناأصبت، وهنا أخطأت، ويقرر ان يتخلى في اليوم التالي عن الأخطاء التي ارتبكها في اليوم السابق حتى استطاع ان يتخلى عن معظم عيوبه وقد جرّبت هذا وأرجو ان أكون قد نجحت فيه. ولكن هل يستطيع المرء أن يتخلى عن عيوبه كلها؟ إن هذا مستحيل لأنه من ضروب الكمال والكمال لله وحده، والخطأ من صفات الانسان، وخيرها من يتخلى عنه «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون». يستطيع الواحد منا إذن ان يكون نافعاً في الحياة وان يُسهم في بناء مجتمعه بناءً صحيحاً وسليماً. والآن.. ابتسم للحياة تبتسم الحياة لك.. اعمل الخير تجده يرتد عليك خيرا.. قل الكلمة الطيبة.. انشر المحبة والوئام بين من تخالطهم ستجد نفسك محبوباً منهم.. اعمل ما ترى انطلاقاً من إيمانك ويقينك انه صحيح تجد نفسك ناجحا..اخلص في عملك تجد نفسك موفقاً.. اتق الله تجد الخير كله يحيط بك من كل جانب»