لاسباب عديدة داخلية وخارجية تعاني المستشفيات الحكومية على مستوى الدولة حاليا من مشكلة حقيقية في نقص الطاقم التمريضي في الاقسام المختلفة بشكل عام وفي اقسام الحوادث بشكل خاص، حتى وصل الامر في بعض الاوقات الى وجود ممرضين لا ثالث لهما في قسم الحوادث باحد المستشفيات الرئيسية في أبوظبي!! والمشكلة بدأت في مطلع العام الماضي حيث بدأت حمى الاستقالات الجماعية المقدمة من الممرضين والممرضات وخصوصا من الجنسيات الاسيوية تنتشر بصورة كبيرة حتى وصل عدد الذين تقدموا باستقالاتهم خلال الستة اشهر الاولى من عام 2001 الى اكثر من 380 ممرضاً وممرضة وكان السبب الرئيسي من وراء تلك الاستقالات هو ضعف الراتب وعدم وجود مزايا او علاوات او بدلات الى جانب ارتفاع تكاليف الحياة المعيشية بالدولة في الاونة الاخيرة. وكانت الوجهة الاولى لهؤلاء الممرضين هي الهجرة الى الولايات المتحدة وبعض الدول الاوروبية التي تعاني من نقص شديد في العمالة التمريضية والفنية في مستشفياتها، حيث قدمت لهم من الرواتب والمزايا والتسهيلات مالا يستطع واحد منهم أن يفكر طويلا في اتخاذ قرار الهجرة ودعوة زملائه للهجرة معه. بل أن بعض الدول بالغت في استقطاب المزيد من الممرضين بمنحهم ما يسمى «بالجرين كارد» والذي يؤهل حامله الحصول على الجنسية بعد مرور ثلاث سنوات الى جانب منحه ضعف الراتب الذي يحصل عليه في الدولة التي يعمل بها بالاضافة الى قائمة طويلة من المزايا والتسهيلات في الاقامة والسكن والتنقل وما الى ذلك. وبما أن الاعتراف بوجود المشكلة يضعنا على اول طريق الحل. فاننا نطرح القضية بكافة ابعادها من خلال تسليط الضوء على اهم المشاكل التي تواجه الهيئة التمريضية في الدولة وعرض وجهات النظر المختلفة لحل هذه المشكلات. حلول مؤقتة امام حمى الاستقالات الجماعية في الوسط التمريضي كما وصفها احد الفنيين في مستشفى الجزيرة بالمستشفيات لم تجد وزارة الصحة حيالها بدا من تعيين بضع فئات من الممرضين والممرضات الجدد ومحاولة سد الشواغر التي نجمت من هجرة بعضهم ولو بالحد الادنى، كما قامت بابتعاث لجان تمريضية عديدة الى مختلف الدول العربية والاسيوية لاجراء الامتحانات والمقابلات لمئات الممرضين والممرضات الجدد، ووضعهم «تحت الطلب» في حالة حدوث عجز كبير في التمريض، الا أن هذا الحل كان بمثابة المسكن الذي سرعان مايزول بزوال مفعوله، وفي الحقيقة عادت الاستقالات مرة اخرى حين اكتشف هؤلاء الممرضون أن هناك فرصا للعمل اكبر ورواتب تفوق الخيال ومزايا ومغريات لا يمكن تجاهلها، ومقدمة على طبق من فضة من قبل مكاتب التوظيف والمراكز المتخصصة والمستشفيات الكبرى في اوروبا وامريكا، ومن يشاهد السباق المحموم بين تلك المراكز والمستشفيات في المجلات والصحف وعلى شبكة الانترنت من استقطاب الاكبر عدد من الممرضين والممرضات ولاسيما المتخصصين منهم يدرك حجم المشكلة ليس على الصعيد المحلي بل وعلى الصعيد الدولي ايضا. ويؤكد الدكتور ايريك بارسونز المدير التنفيذي لمركز الشيخ خليفة الطبي أن قضية التمريض قضية عالمية، وبصفة خاصة فان المستشفيات والمراكز الكبرى في امريكا وكندا وبعض الدول الاوروبية الاخرى تواجه نقصا شديدا في الممرضين، واصبحت هذه الدول مركز استقطاب للهيئة التمريضية من الدول الاخرى ومنحتهم مميزات تفوق ما يحصلون عليه في البلد الذي يعملون به. ويقول ان معظم المستشفيات الاوروبية والامريكية تواجه عجزاً في معاهد التمريض بسبب عزوف الفتيات والشباب عن الالتحاق بتلك المعاهد الى جانب احالة اعداد كبيرة من الممرضين سنويا الى التقاعد بدون أن يقابلها نفس القدر من الخريجين الجدد. ويضيف الدكتور بارسونز.. أن دول العالم لم تتخذ خطوات جادة وكافية لحل المشكلة واكتفت بحلول مؤقته.. مؤكدا أن الامر سيزداد صعوبة في المستقبل، لأن الدول الغنية ستحاول بشتى الطرق جذب الممرضين والممرضات من الدول النامية لسد العجز لديها. معاهد التمريض وتؤكد نجاح مصطفى مديرة معهد التمريض بأبوظبي أن معاهد التمريض في الدولة تحتاج الى تطوير وتوسعة رأسية وافقية حتى تتمكن من توفير القدر المناسب من الخريجين سنويا، وبما يتوافق مع متطلبات المستشفيات من الكوادر التمريضية. وتشير الى أن معاهد التمريض بالدولة تستوعب حاليا 408 طالبات من بينهن 168 طالبة مواطنة وأن معهد أبوظبي يستوعب 96 طالبة ومعهد العين يستوعب 83 طالبة بينما تستوعب معاهد الشارقة ورأس الخيمة والفجيرة 249 طالبة. وهو بطبيعة الحال عدد غير كاف او مناسب لسد احتياجات المستشفيات التي زادت في الاونة الاخيرة من الهيئة التمريضية. وقالت مديرة معهد أبوظبي ان قرينة صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك دعت في كلمتها امام الاجتماع الاول للجنة الاستشارية العربية للتمريض الذي انعقد مؤخرا في أبوظبي الى ضرورة انتساب المواطنات الى مهنة التمريض التي لا تقل اهمية عن مثيلاتها وذلك من اجل تطوير وتعزيز المهنة داخل الدولة. وتؤكد مصادر من وزارة الصحة أن بعض المستشفيات الاوروبية والامريكية والعربية ايضا تنظر إلى الهيئة التمريضية في دولة الامارات وتستقطب العديد منهم لانها تدرك أن هؤلاء الممرضين حصلوا على دورات تدريبية عالية المستوى ويتميزون بالخبرة والكفاءة وخصوصا في التخصصات الدقيقة والنادرة كاطقم العناية المركزة والعمليات والاقسام الاخرى المشابهة ولذلك تلجأ هذه المستشفيات الى استقطابهم ومنحهم مميزات كبيرة للعمل لديها. جذور المشكلة ما هي الاسباب التي دعت العديد من الممرضين والممرضات الى ترك العمل في الدولة والهجرة الى دول اوروبا وامريكا وبعض الدول العربية؟ هذا التساؤل وجهته الى اكثر من 20 ممرضة وفنياً في عدد من المستشفيات في أبوظبي والتقت جميع الاجابات عند «ضعف الراتب وعدم وجود ترقيات او علاوات او بدلات او مزايا في الاقامة والعلاج المجاني». تقول «س.ل» ممرضة في مستشفى الجزيرة انها تعمل منذ سبع سنوات بالمستشفى وحتى الان لم تحصل على اية ترقية او علاوة او حتى حافز تشجيعي يساعد في استمرار العمل وأن الممرضات داخل الدولة تتراوح رواتبهن ما بين 3 الاف الى 4500 درهم وفي المقابل تحصل الممرضة في المستشفيات الغربية او الامريكية في اول تعيينها على ما يعادل 8 الاف درهم بخلاف العلاوات والترقيات السنوية ومزايا العلاج والتنقل المجاني. وتقول الممرضة «ص. أ» من مستشفى الجزيرة ان وزارة الصحة تنظر الى مهنة التمريض على انها مهنة كمالية ولذا لا تهتم بالممرض من ناحية الامتيازات والحوافز وتعتقد أن الجهد الذي تبذله الممرضة في العمل يفوق اضعاف ما تحصل عليه من مقابل مادي وتطالب المسئولين في الوزارة بمزيد من الاهتمام بالهيئة التمريضية، وتقول حتى الان لم نلمس او نحس باي تحسن او ميزة واحدة تتعلق بالحوافز او الرواتب. وتقول احدى الممرضات في مستشفى المركزي أن العقد الذي وقعته مع وزارة الصحة يتضمن بند العلاج المجاني لها ولاسرتها وتقول رغم ذلك لا احصل على علاج او اقامة مجانية في المستشفى في حالة المرض فتخيل، والكلام لايزال لها، كيف يفترض ان تسهر الممرضة على راحة المرضى وعندما تمرض هي تدفع تكاليف العلاج والاقامة بالمستشفى!! او عندما يمرض احد افراد اسرتها فيتعين عليها شراء ادوية من الخارج باسعار خيالية ربما تفوق ما تحصل عليه في الشهر. وتقول الممرضة «ن.س» أن الدول الغربية بدأت تحصد وتستفيد من الخبرات التمريضية داخل الدولة بنزوح العديد منهم الى هذه الدولة وتطالب المسئولين في وزارة الصحة ضرورة اتخاذ اجراءات جادة وسريعة قبل تفاقم المشكلة ومحاولة ايجاد حل لكل النواقص من خلال تعديل الرواتب ونظام الحوافز والترقيات واعادة النظر في موضوع العلاج المجاني للممرضين. وتضيف.. ان ممرضي مستشفى الشيخ خليفة الملاصق للمستشفى المركزي والجزيرة يعملون ساعات اقل مما نعمل وفي نفس الوقت يحصلون على رواتب ضعف ما نحصل عليه الى جانب المزايا الاخرى في البدلات والحوافز والترقيات والسبب أن شركة كندية هي التي تدير المستشفى. ويقول «أ،ع» فني تمريض باحد المراكز بأبوظبي أن الفني الذي تم تعيينه منذ عام 1985 على درجة 3/3 بمرتب شامل 4500 درهم ظل على وضعه طوال هذه السنوات الطويلة بدون ترقية او علاوات او بدلات باستثناء فنيي الاسنان الذين يحصلون على بدل عدوى» 200 درهم شهريا وما عدا ذلك من الفنيين ليس لهم حق في البدلات او العلاوات او حتى العلاج المجاني واستثنائهم من رسوم البطاقة الصحية، على الرغم من أن معظم العقود التي وقعها هؤلاء الفنيون عقود اتحادية خارجية تمكنهم من الحصول على السكن والعلاج المجاني. ويطالب وزارة الصحة بالنظر بعين الاعتبار الى اوضاع هؤلاء الفنيين وتحسين اجورهم ومنحهم العلاج المجاني لهم ولاسرهم.