بيان المدارس والجامعات: حين تقدم المدارس العلم والمعرفة فانها بذلك تصنع التاريخ الذي تنسجه شخصيات كانت ذات يوم فوق مقاعد الدراسة كي تتسلح لمعركة الحياة بعلوم العصر وفنون البشرية. وكالأفراد وحركتهم المعروفة في الازمان والعصور فان للمدارس ايضا دورها فيما تصنعه ـ ـ رغم ثباتها الظاهري ـ في محيطها اذ تلعب دورا مؤثرا فيما وفيمن حولها يجعلها هي الاخرى صاحبة تاريخ لا ينفصل مطلقا عن تاريخ وحركة مجتمعها. حول المدارس ذات التاريخ والاثر والمكانة والدور نلتقي لنطالع تلك الملفات القديمة لـ «مدارس لها تاريخ». يحمل اسم «الخنساء» في طياته الكثير من الذكريات فمن منا لا يذكر تلك الشاعرة المشهورة «تماضر» التي لُقبت بالخنساء لشدة جمالها، والتي كان لها أخوان قتلا في أيام الجاهلية، هما معاوية وصخر، فحزنت عليهما حزناً شديداً، وأخذت في رثائهما والبكاء عليهما حتى عميت، وهي التي قدمت مع قومها على الرسول صلى الله عليه وسلم وأسلمت معهم، وقد نالت الخنساء إعجاب الرسول صلى الله عليه وسلم بأشعارها وكان كثيراً ما يستنشدها، وكان صلى الله عليه وسلم يقول لها وهي تنشد : «هيه يا خنساء ويومئ بيده». والخنساء هي التي أجمع أهل العلم بالشعر على انه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها في دنيا القصيد. ما سبق كان نبذة عن المرأة الشاعرة التي حملت اسمها احدى مدارس البنات في وطننا لتكون عنواناً على ترابط تاريخنا وأجيالنا، حيث افتتحت مدرسة الخنساء في العام الدراسي 58/59 في بناية للشيخ حمدان بن حمدان آل نهيان في ديرة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى بناء آخر أحدث أنشأته حكومة قطر في العام الدراسي 62/63 في ديرة مقابل قلعة نايف. في بداياتها جاورت مدرسة الخنساء البحر الذي كانت أمواجه تلامس جدران المدرسة عندما يغضب فتندفع المياه إلى ساحة الخنساء مما يعيق الحركة داخلها وسير الدراسة فيها، وتبقى التلميذات في الفصل حتى أثناء الفسحة، فيضطر الأهالي إلى اخذ بناتهم بما يمتلكونه من وسائل نقل لكن قساوة هذه الظروف لم تمنع الطموح فقد كان حب العلم أعلى وأسمى وكان أيضاً دافعاً لتجاهل طغيان البحر وأمواجه على المدرسة الوليدة. عند افتتاح المدرسة كانت حياة اللولو أول ناظرة لمدرسة الخنساء وهي فلسطينية، أما المعلمات اللواتي عملن في المدرسة في تلك الفترة فهما: منيرة العشي من فلسطين، وصبيحة عبدالرحمن من مصر. وكان من المناظر المألوفة في ذلك الوقت يشاهدها كل من زار المدرسة حينذاك ان يجد الزائر طالبتين تجلسان على كرسي واحد نتيجة ازدحام الفصول وتزايد اعداد الملتحقات بالدراسة بعد ان تطورت الأمور وبسرعة غير متوقعة فأصبح تعليم الفتاة في دبي مطلباً لكل الأسر خاصة بعد ان بعث المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم بناته ليدرسن مع اخواتهن المواطنات مما أقنع الأهالي بأن تعليم الفتاة لا يتعارض مع مبادئ الدين الإسلامي. وتقع مدرسة الخنساء اليوم في ديرة بمنطقة حمدان وهي اعدادية فقط، عدد طالباتها حاليا 518 طالبة وعدد معلماتها 35 معلمة، وتتكون الهيئة الادارية من 6 مواطنات تحت إدارة الاستاذة حمدة محمد سيف. وبالمقارنة مع كان عليه الحال عند افتتاح المدرسة وأوضاعها الحالية ستدرك الفرق الكبير فقد كان عدد الطالبات في الفصل الواحد عند الافتاح 99 طالبة وكانت الناظرة تضطر إلى العمل في المنزل والمدرسة لانجاز مهامها المدرسية، وكما ان المدرسات كن يقمن بتدريس جدول مكثف بلغ نصاب المدرسة الواحدة فيه أربعاً وعشرين حصة في الأسبوع، فضلاً عن الأعمال الادارية الأخرى. التعليم النظامي وتعد مدرسة الخنساء من المدارس التي افتتحت في بدايات نشوء التعليم النظامي وكان يُوجد في ديرة في ذلك الوقت عدد من المدارس المتناثرة للبنين والبنات ومما يذكر ان مجموع عدد المدرسين في دبي 45 مدرساً، منهم 11 من مصر، 10 من قطر، 4 من الكويت، 2 من الذين تم التعاقد معهم محلياً. وقد كانت هذه المدارس تحتاج إلى ترميم، واعادة بناء، كما كانت في حاجة إلى مكتبات وتغذية، وأهم من كل هذا كانت تحتاج إلى رعاية صحية فوجود طبيب يشرف على المدارس أمر في غاية الأهمية لمراقبة صحة الطلبة لمنع انتشار الأوبئة والأمراض بين الطلاب. كما كان هناك نقص كبير في أدوات التربية الفنية والرياضية «البدنية» والتدبير المنزلي والموسيقى ووسائل الايضاح أو الرسوم، وعلى الرغم من كل ذلك فإن النشاطات الحيوية في مدارس دبي كانت تفوق الوصف وكان حماس الطلاب والطالبات يتجلى كل صباح وهم يرددون نشيد «إشراق دبي» ومن كلماته: أبشر باليُمن وبالبشرى يا موكب نهضتنا الكبرى الخور اليوم له شأن والبر اليوم به زرع والشعب اليوم له علم والعزة والمجد لدبي اليوم الدراسي قديماً كان اليوم الدراسي فيها من 7.30 صباحاً إلى 12.30 ظهراً يتواجد كل التلاميذ بالمدرسة قبل رنين الجرس، ويحتفل الاطفال كل صباح بتحية العلم وينشدون النشيد الوطني وفي طابور الصباح هذا يستمع الاطفال أيضاً إلى تعليمات المدرسة التي تبث إليهم عبر مكبرات الصوت، كما تقوم بعض التلميذات بالقاء كلمات على زميلاتهن تحت اشراف المعلمة ويعتبر طابور الصباح هذا جزءًا مهماً من الحياة المدرسية، فهو يساعد التلميذات على الانتماء للمجتمع المدرسي، ويتيح لهن الفرصة لكي يساهمن مساهمة ايجابية فيه، وتكمن المشكلة الوحيدة في عدم قدرة الأطفال على البقاء لمدة طويلة تحت الشمس الحارقة فلم تكن هناك مظلات واقية بالمدارس في ذلك الوقت. المنهج والحصص يتكون المنهج الأساسي لمدارس الابتدائية من تربية إسلامية 5 حصص في الأسبوع و 4 حصص بعد ذلك اللغة العربية قراءة وكتابة ما بين 8 ـ12 حصة أسبوعياً، الرياضيات 5 حصص أسبوعياً، العلوم من حصتين إلى ثلاث أسبوعياً، ويبدأ التلميذ بدراسة اللغة الانجليزية عند السنة الرابعة الابتدائية حيث النصاب من 46 حصص. يعتبر التدريس في هذه المرحلة تقليدياً إلى حد بعيد، حيث يتم اعداد الكتب الدراسية لكل العلوم الأساسية وعلى المعلم ان يدرس ما في الكتب، وبدءًا من السنة الثالثة وما بعدها يتم امتحان التلاميذ مرتين في العام. وتعتبر نسيم سرور أول مديرة مواطنة للمدرسة والتي درست فيها وتخرجت لتعمل معلمة ضمن هيئتها التدريسية وقد شغلت موقعها الاداري بالمدرسة حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي وهي تروي ذكرياتها خلال تلك الفترة فتقول: ان اعداد الطالبات كان كبيراً فقد وصل الى 1200 طالبة تقريبا وذات يوم زار المدرسة وزير التربية والتعليم في تلك الفترة وهو الدكتور عبدالله عمران تريم ورآها تعج بالطالبات والمعلمات فقال: أهذه مدرسة أم قرية؟ مكرمة زايد وتتابع نسيم: كانت مكرمات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة تعمنا، فقد كان سموه يرسل المؤونة التي تحتوي على سندويشات وعصائر أو حليب وفاكهة لتوزيعها على الطالبات مجاناً واذكر ان فرحة الطالبات بهذه الوجبة كانت كبيرة رغم بساطتها. كما كان سموه يرسل كل ثلاثة أشهر مبالغ نقدية تصل إلى 200 درهم للطالبة الواحدة كتحفيز لها على مواصلة التعليم. وتضيف نسيم.. كنت انا المسئولة عن استلام هذه الاموال وتوزيعها فعندما يحين وقت ذهابي لاستلام المبلغ من البنك اطلب من سيارة الشرطة مرافقتي لخوفي على هذه المبالغ ورغم ان الامان كان سائدا الا ان هذا المبلغ الهائل الذي اتسلمه نيابة عن كل طالبة ومسئوليتي في الحفاظ عليه كانا وراء شعوري بالقلق ولا تطمئن نفسي الا عندما انتهى من توزيع المبلغ كله على الطالبات. وتتابع قائلة: كنا نلمح الفرحة ونحن نوزع مكرمة زايد، وقد ساعدت هذه المكرمة على الاهتمام بتلقي العلم والحرص على التزود بالمعرفة مهما كانت الظروف، وتتابع: ما زلت اتذكر اول راتب لي وكان يعادل بعملة اليوم تقريبا 800 درهم، اما بالنسبة لي وقتها فقد كان مصدر فرحة كبيرة وكان كذلك ايضا بالنسبة للمعلمات المواطنات وعددهن في ذلك الوقت اربع معلمات بين حوالي 60 معلمة. «ابو المعلمين وسوق مرشد» والتقينا محمد احمد الكيالي «فلسطيني» وهو احد افراد بعثة قطر التي وفدت الى المنطقة فقد حضر الى الشارقة عام 1957، ودرس بمدرسة القاسمية لمدة عام ثم انتقل الى دبي وعمل ناظرا بمدرسة الاحمدية، وهو اليوم يشغل منصب موجه اول فني في ادارة الامتحانات يقول الكيالي نشأت مدرسة الخنساء مع تبني الكويت للتعليم فنشأ معها التعليم الحديث، وكان للكويت مكتب في دولة الامارات يشرف عليه «مرشد الراشد العصيمي» وهو من ابرز التجار في الستينيات في دبي، واكثرهم عطاء وتعود تسمية سوق «مرشد» الكائن ببر ديرة الى صاحب هذا الاسم ويذكر الكيالي انه قبل انشاء مكتب دولة الكويت للتعليم بدبي تولى العصيمي شئون التعليم والصحة في الامارات الشمالية وكان يتكفل بدفع رواتب المعلمين ومعاشاتهم ثم يقوم بمحاسبة الجهات المعنية فقد استشعر اهمية التعليم والثقافة وما يتطلبه ذلك من دعم وتعاون فجعل بيته مقرا يتوافد عليه المعلمون ويقدم التسهيلات الممكنة واللازمة لهم حتى عرف بينهم باسم «ابو المعلمين» وعندما تولى الاشراف على مكتب الكويت اصبح مساهما في رعاية التعليم بشكل اكبر اذ تولى متابعة سير الامور بشكل جيد في هذه المدرسة وغيرها من المدارس. بعثات من كل الدول ويشير الكيالي الى ان البعثات كانت تأتي من كثير من الدول العربية كمصر وقطر والكويت والبحرين وتوزع على امارات الدولة ماعدا ابوظبي والتي كانت متفردة بكل شيء في تعليمها وتتبع منهجها الخاص.. حيث تم اكتشاف النفط فيها قبل بقية الامارات اما بقية الامارات فكانت تتبع المنهج الكويتي، الذي اعتمد على تعليم المواد الاساسية مثل الدين، واللغة العربية، العلوم، الحساب، والانجليزي، الى ان تم توحيد المناهج في عام 1972 فأصبحت الامارات جميعها تتبع المنهج الوطني. وتقول آمنة العبار التي درست في الخنساء عام 1975 كانت بساطة الحياة وروعتها تشجعنا على العمل رغم اننا لم نكن مؤهلات بشكل كاف للقيام بدور المعلمات وكانت خبرتنا في هذا المجال قليلة، وكنا نسترشد في تسيير الدروس بالموجهين من ابناء الدول العربية ولكن رغبتنا في العطاء كانت دافعا للقيام بهذه المهمة. وتتابع حديثها قائلة: كنت ادرس الصف الاول الابتدائي وكان عدد الطالبات في الفصل الواحد 45 طالبة، ورأينا كيف هو حب الطالبات لتلقي التعليم، فكن يتعاون مع بعضهن ويقمن حلقات يراجعن فيها الدروس فكان تقبل الطالبات للعلم كبيراً على عكس الحال اليوم حيث غيرت المدنية الكثير من الأشياء فأصبحت حياة الطالب متعددة الاهتمامات وربما مليئة بالمشكلات. احتفالات ومناسبات وتضيف امنة كنا نعمل بجد للمشاركة في كل المناسبات التي تمر علينا ونسعى لتقديم ما نستطيعه فكنا نتعاون فمثلاً اقوم انا بكتابة كلمات المناسبة والحنها شفهيا ثم اعطيها لمعلمة الموسيقى لتعزف لحنها ثم بعد ان ننتهي من اعدادها نعطيها لمعلمة الرياضة لتقوم بتدريب الطالبات على بعض الحركات الايقاعية وندعو الامهات لحضور الاحتفال الذي عادة ما يكون في ساحة المدرسة فتقدم الطالبات العروض وتنشد الاناشيد والكلمات الجميلة بهذه المناسبة، كنا نشارك في كل المناسبات رسمية ووطنية كالعيد الوطني، وجلوس زايد كما قدمنا عملا تمثيليا عن مكافحة التدخين، وكانت متعة كبيرة ونحن نفنى الكلمات معا ونلحنها ذكريات جميلة لا تنسى وما زلت حتى يومي هذا أحن الى الخنساء فقد اجبرتني ظروفي على الانتقال من مدرسة الخنساء بعد زواجي وانتقلت الى دبي، فكنت اطلب من زوجي ان يأخذني الى الخنساء فقط كنت اريد ان اراها ولو من بعيد فقد كانت الخنساء امنا تربينا على ارضها جمعتنا جدرانها وكانت بالفعل نعم الام. تنوع في الانشطة ويعود الكيالي للحديث فيقول: كانت الحياة حافلة بالانشطة وكان يقام مهرجان رياضي كل عام في البداية كان يقتصر على البنين وذلك بسبب نظرة المجتمع الى ممارسة الفتاة للرياضة ولذلك كنا نعوض للطالبات بنشاط فني وترفيهي كالخياطة والطبخ والرسم وبعض الاشغال اليدوية لكن بمرور الايام تلاشت تلك النظرة واصبح ينظر لممارسة الفتاة للرياضة على انه امر عادي يمكنها ان تمارسها ولكن وفق حدود وقواعد. وتعلق نسيم سرور على ذلك قائلة: تطورت النظرة قليلا فلم يعد ينظر لممارسة الرياضة على انها امر معيب وشائن فاصبح جو المدرسة مشحوناً بالمسابقات فكانت هناك مسابقات تقام على مستوى الدولة في التربية الرياضية والتي تشارك فيها طالبات من كل مدرسة مثل: كرة الطائرة. وقد نالت الخنساء عدة جوائز لمشاركتها في مثل هذه المسابقات وكانت هناك ايضا مسابقة «شنكار» وهي عبارة عن تصميم شعار لمسابقة او موضوع ما وهنا ترى ان معظم الطالبات يتنافسن لتقديم الافضل وتقام ايضا مسابقات اخرى في التربية الموسيقية ومجلة الحائط على مستوى الوزارة وكثيرا ما كانت تنال الخنساء المراكز الثلاثة الاولى المتقدمة بالاضافة الى تلك المسابقات التي تقام على مستوى الدولة كانت هناك مسابقات داخلية اخرى تقام على مستوى المدرسة مثل مسابقة الصف المسئول او المناوب والتي تعتمد على وجود صف يستطيع ان يتولى دور المسئول في جميع المجالات كالنظافة والترتيب والهدوء والانضباط ومسابقة انظف صف.. ومسابقات رياضية اخرى وفنية ويتم تكريم الفائزين في الطابور الصباحي وقد كان هذا التكريم بمثابة شهادة يعتز بها الفصل المكرم. فاطمة الحمادي