بيان المدارس والجامعات: في المواقف التي تثير الدهشة والغرابة تصبح الكلمات هي التعبير الاقرب عن كل المشاعر. وعندما تزداد الامور اثارة فان وقائعها ومشاهدها وسلوكياتها لابد وان تتحول بدورها الى «حروف ساخنة» تشير الى موضع الخلل وترشد الى مكمن الخطر ليصبح الطريق امام الجميع، واضحاً والدرب سالكا. وحروفنا الساخنة لن تتوقف عن متابعة كل الجوانب والامور في شتى مجالات الحياة. ومع كل حرف ساخن ستكون الصورة ايضاً ناطقة ومعبرة وشريكاً دائماً في ترجمة الحرف والافصاح عن ابعاد الكلمة.. كما سيكون لكل مسئول دوره معنا ليزداد التواصل على وقع الحروف الساخنة. تشخيص اي مرض هو نصف العلاج، وعلى قدر ما ينجح الطبيب في تحديد سبب العلة تكون الفرصة للشفاء من المرض.. لكننا هنا لن نتناول امراض الابدان التي قد تصيب فلذات اكبادنا في المجتمع المدرسي. لكننا نسعى من خلال السطور المقبلة الى تشخيص ما يمكن ان نسميه امراض التربية او مواطن الضعف والخلل والعقبات في مفاهيم وسلوكيات العملية التربوية التعليمية، من خلال الواقع التعليمي، وانعكاسات ذلك على ابنائنا الطلاب محور العملية التعليمية وغاية كل جهد يبذل. وقد رصدنا هنا آراء شريحة مهمة من اولياء الامور الا وهم فئة الاطباء.. وبالطبع فهذا ليس تحيزا لفئة دون اخرى ولكنها مجرد البداية لسلسلة من استطلاعات الرأي مع أولياء الأمور للاستفادة من آرائهم وخبراتهم ومن واقع معايشتهم للعملية التعليمية سواء من خلال الابناء او ما قد يمر عليهم من مشاكل او عقبات تعترض المسيرة التعليمية والتربوية، كما انه لا يمكن ان ننكر المستوى المهني والتعليمي المتميز لفئة الاطباء والذي قد يسهم بشكل فعال في تحديد نوعي لمشاكل وأمراض التربية.. فماذا قالوا؟ فلنتابع الآراء والاقوال في السطور التالية: ادمان د. عائشة القطامي اختصاصية الامراض الجلدية بمستشفى سيف بن غباش تقول: لمعالجة سلبيات اي مجتمع فلابد من وضع اليد على اسباب تلك السلبيات ومحاولة للتوصل للحل المناسب او على الاقل تفاديها فبالنسبة للمجتمع الدراسي اذا شخصنا امراضه نقول انها تكمن في غياب الوعي التربوي او تجاهله من قبل البعض مما يؤثر سلبا على التحصيل الدراسي للطلاب. اما بالنسبة للمناهج فقيل حولها الكثير من انها مطولة وتعتمد على الحفظ والتلقين وهنا لابد من وقفة للنظر في نوعية الموضوعات التي تتضمنها المناهج وليس كمها فقط، ومحاولة دراسة مدى اسهامها في تطوير المستوى الذهني للطالب فمطلوب تعديلها وتطويرها لمواكبة العصر. واعتقد ان من ابرز امراض التربية هو اغفال نقطة مهمة تتعلق بالتسلسل المنطقي في المناهج المقدمة للطلاب من مرحلة الى اخرى فهناك فجوة او ثغرة حيث لا يوجد رابط بين كل منها والآخر. واذا تكلمنا عن البيئة المدرسية التي تعتبر نقطة تحول خطيرة في حياة اي طفل لانها تؤثر فيه حتما في سلوكه اما بالسلب او بالايجاب. وهنا فالرقابة مهمة جدا واقصد رقابة من الهيئتين الادارية والتدريسية بالمدرسة وان تكون بالتعاون مع البيت للتأكد من اكتساب الطفل القدر الاعلى من الايجابيات والعادات الحسنة من بيئته المدرسية واذا كان هناك أي تغيير سلبي نحاول علاجه فورا كما قلنا سابقا بالبحث عن الاسباب التي ادت اليه. ما تؤكد الدكتورة القطامي اهمية توطيد العلاقة بين البيت والمدرسة. ونقول من وجهة نظري ان اهم الامراض التي يعاني منها المجتمع المدرسي يتمثل في ادمان الدروس الخصوصية لدى البعض فقد اصبحت عادة وهذا لم يكن منتشرا في الماضي، فبعض الاسر تعتقد ان الدروس الخصوصية شيء اساسي لأولادهم ولا يمكن الاستغناء عنها لرفع مستواهم التحصيلي مما يجعل لدى الابناء قناعة داخلية بعدم الاهتمام بالحصص المدرسية لانه يأخذ فيها دروسا، في حين انه اذا انتبه لشرح المدرس داخل الصف فلن يحتاج لدروس خصوصية. ومن الامراض المنتشرة في اوساط المدارس الخاصة كذلك الافتقار الى الجودة النوعية المطلوبة والرقابة الكافية لذلك نجد بعض المدارس مناهجها تحتوي على مفاهيم خاطئة او معتقدات مختلفة مما يؤثر سلبيا على عقيدتنا الاسلامية وما نعلمه لأولادنا بالبيت. آليات التنفيذ ويتناول د. طارق عيسى استشاري الانف والاذن والحنجرة بمستشفى صقر برأس الخيمة جانبا مهما يتعلق بآلية تنفيذ القرارات الوزارية الاخيرة التي صدرت بحق لمدارس الخاصة بالجاليات والمتضمنة ضرورة تدريس مواد اللغة العربية والمواد الاجتماعية والتربية الاسلامية حسب منهاج الوزارة للطلاب العرب شريطة لقبولهم بها قائلا: التعسف في تنفيذ القرارات على حساب المصلحة العامة يعتبر مرضا تظهر اعراضه على الطلاب العرب الدارسين بتلك المدارس لان بعضها عند تطبيق القرار السابق لم يراع آلية تنفيذه، فهناك فجوة كبيرة حدثت عند تطبيق القرار مما يحدث فعليا لتدريس المواد المعنية يتم بطريقة عشوائية ولمجرد التطبيق، فمثلا معلمة مادة المواد الاجتماعية في وقت الحصة المخصصة لتدريس منهاج وزارة التربية والتعليم تقوم بجمع الطلاب العرب بالمدرسة كلها من الصفوف المختلفة رابع وخامس وسادس على سبيل المثال لا الحصر، كلهم في صف دراسي واحد مع تفاوت السنوات الدراسية لكل منهم ويدرسون في آن واحد.. فكيف يتم ذلك؟! وماذا سيدرسون ؟ وطبعا النتيجة ان اي طالب منهم لا يمكن ان يستوعب شيئا مما قيل بسبب التفاوت في المنهاج والعمر!! وادارة المدرسة عليها تنفيذ القرارات فقط بغض النظر عن آلية تنفيذها.. والضحية في النهاية هو الطالب. النشاط المدرسي وتقول د. ايمان عبدالرؤوف بدر ـ ممارس عام: مما يعتبر من امراض التربية هو غياب النشاط المدرسي في المدارس الخاصة والتي من المعروف انها تعبر عن رغبات الطالب وابداعاته وانفعالاته ويساهم في تدعيم شخصيته وتحمله المسئولية، فإشباع هذه الحاجات من خلال المدرسة وتشجيع الطلاب على الاشتراك بها شيء مهم جدا سواء أكانت انشطة رياضية او موسيقية او علمية او فنية او تقنية او حتى المسابقات العامة التي يصدرها قسم الانشطة بالوزارة قد تتسلم المدارس الخاصة شروطها ولكنها تعزف عن المشاركة بها او حتى تعميمها على الطلاب للمشاركة، فهذه المدارس غائبة عن ممارسة العديد من الانشطة المهمة المؤثرة في الطلاب والتي تساهم في اظهار المواهب والابتكار والابداع لدى الطلبة وتشجيعهم عليها لاعطائهم المزيد من الدافعية. كما تؤكد اهمية العلاقات الاجتماعية داخل المدرسة قائلة: علاقة الطفل بزملائه بالمدرسة لها دور فعال في تكوين شخصية الطفل مع تلقيه القيم والمعايير الاجتماعية للمجتمع الذي يعيش فيه، والمعروف ان جماعة الاصدقاء اذا كان لهم بيئة اجتماعية واحدة فيتعاملون على اساس من المساواة اما في حالة اختلاف تجانس تلك البيئة فيتأثر الطفل بشكل او بآخر، فالجو المدرسي من جميع جوانبه يلعب دورا اساسيا في التحصيل الدراسي واذا كانت العلاقات الاجتماعية سليمة كما قلنا تكون البيئة التعليمية التربوية فيها تواصل سليم وأقصد هنا ومن تجربة شخصية ان وجود عرب بمدارس الجاليات الاجنبية يؤثر سلبا على بعض الطلاب لاختلاف التجانس في العادات والتقاليد والمفاهيم العربية الاصيلة. التحضير الطلابي للدروس وتشير د. وفاء عبدالكريم الطبيبة بمركز المعمورة الصحي برأس الخيمة: الابناء يمرون بتغيرات عديدة خلال فترة المدرسة وقد نلاحظ اهمالهم في عمل الواجبات المدرسية وعدم تحملهم المسئولية وهنا لابد من متابعة الاهل المستمرة للابناء حتى لا تستفحل هذه الظاهرة فيهم وتؤثر على دراستهم. كذلك فأنا ارى ان النسيان قد يكون ايضا من الامراض التي تصيب اطفال المدارس ولابد لنا من علاجها اولا بأول ووضع خطط علاجية خاصة بها ومن ضمنها تحضير الدروس قبل الذهاب للمدرسة لأخذ فكرة عامة عنها مما يزيد من درجة التركيز في الصف والاستفادة اكثر مما يتم شرحه، وذلك لمعالجة اي قصور اولا بأول، وتحسين نقاط الضعف لديهم، كذلك فالضغوط النفسية من الاسرة على الابناء فيما يخص المذاكرة لها عواقب سلبية لا تحمد عقباها. ضعف وقصور ويقول د. محمد فوزي اسماعيل: في رأيي الخاص ان اخطر امراض التربية والتعليم هو الضعف الانشائي لدى الطلاب فمعظم الطلاب والطالبات لا يقدرون على كتابة موضوع تعبير جيد لانهم يفتقرون الى حب القراءة والمطالعة، والسبب للأسف الشديد التلفزيون الذي يقدم لهم كل شيء بسهولة ويسر وطبعا معروف ان تأثير الكلمة المقروءة اكبر من تأثير الكلمة المسموعة وأبقى اثرا في الذاكرة لذلك فالمفروض تشجيع الابناء على القراءة بشتى الطرق وتحفيزهم على ذلك وتوفير الوسائل المتاحة لتنميتها. ويضيف: ليس الضعف الانشائي فقط هو العلة لان عددا من التلاميذ لديهم ضعف كبير في القراءة ونظرا لوجود عدد كبير من التلاميذ داخل الصف والتركيز على مهارات معينة فالمعلم ليس لديه متسع من الوقت لدراسة اسباب ضعف القراءة لدى البعض ليحاول علاجها. وتقول الطبيبة صفاء محمد اختصاصية طب الاطفال: من اكثر الاشياء المؤلمة لأي طالب او طالبة هو صراخ المعلم او المعلمة داخل الصف وقد حدث يوما ان حضرت ابنتي للمنزل بعد انتهاء اليوم الدراسي وكلما صدر صوت عال من اي فرد من افراد الاسرة كانت ترتجف وقد شعرت بشيء غريب تجاهها وعندما تحدثت معها علمت ان المعلمة ظلت تصرخ داخل الفصل كرد فعل على تصرف خاطيء لا يدرون ممن من الطالبات، والنتيجة ان لولا انني سارعت بإفهامها ان المعلمة لم تكن تقصدها والمفروض انها لا تقصر داخل الصف حتى لا تعاقب من قبل المعلمة. قلق هستيري ويقول د. رياض جبار خضير اختصاصي الطب النفسي بمستشفى سيف بن غباش برأس الخيمة القلق يعتبر من امراض التربية وهنا اقصد القلق الذي يعتري اولياء الامور فيما يخص دراسة ابنائهم ومستقبلهم فخوفهم عليهم هنا يعتبر قلقا صحيا ومشروعا، واذا كان ضمن حدود معينة لكي يكون مفيدا وليس مرضيا حتى لا تصاب العلاقة بين الاباء والابناء بالارتباك. ونجد ان بعض الاسر قد يكون لديها حرص زائد لان يحصل ابناؤهم على درجة كاملة في المواد الدراسية المختلفة ولابد ان يكونوا من الاوائل على الصف والمدرسة واذا حدث ذات مرة ولم يكن الابن من الاوائل فعلا تثور ثائرة الاهل ويدخلون في انذارات مشددة وكأن كارثة قد حلت لهذا البيت وبدلا من تكريم ومكافأة الابن تراهم يوبخونه بشدة ويغضبون عليه وكيف ان ابن «فلان» حصل على ترتيب اعلى منك؟ وماذا ينقصك؟ وما الى ذلك من توبيخ، فيدفعونه الى الشعور بالذنب وفي نفس الوقت قد يحقد الابن على من حصل على ترتيب اعلى منه. والحقيقة ان تصرف الاهل في هذه الحالة يعبر عن عقلهم الباطن واللاشعور الذي يوضح عجزهم هم عن الحصول على درجات عالية في مرحلة ما من حياتهم وما يخيفهم هو ان يروا العجز نفسه الذي يعانون منه يتكرر بصورته او اخرى في أولادهم، فيحاولون تحقيق النجاح والتفوق المفقود من خلال الابناء.. لكن على حساب شعورهم ونفسيتهم.. فقد يفرضون عليهم طريقة الدراسة وعدد ساعات المذاكرة واختيار التخصص وتحديد المستقبل ككل، وقد يمنعونهم من اللعب مع الاصدقاء او مشاهدة التلفاز لعدم اضاعة الوقت، وغيرها من الامور والتدخلات الهستيرية والنتيجة نجد ان الطفل محاصر من كل جانب ولا يسمح له بأي هامش من الخطأ كما يحاسب حسابا عسيرا عليه. العلاقات الطيبة والسوية ويؤكد د. رياض ان العلاقة بين الآباء والابناء اذا كانت علاقة سوية متوازنة وطبيعية مليئة بالحب والعطف والتراحم خاصة بين الام والاب والتي ينعكس صداها على الابناء وعلى عطائهم ونفسيتهم وبالتالي مستواهم الدراسي. ويستطرد قائلا: الاصدقاد وتأثيرهم على الابناء جانب مهم جدا خاصة في فترة المراهقة لذلك يجب التواصل بين البيت والمدرسة بصفة مستمرة وخاصة الاخصائي الاجتماعي او النفسي لمعرفة اي خلل لدى الابناء ومحاولة تشخيصه ومعالجته مبكرا ومعرفة اصدقائهم خارج المدرسة وداخل اسوارها لانهم يؤثرون فيهم وقد يدفعونهم لبعض التصرفات غير السوية اذا لم يكن هناك توجيه ومتابعة مباشرة من الاهل. وفي النهاية كما يقول د. رياض فإن اي عمل علاجي تربوي لا يقوم على التشخيص الدقيق يعتبر اهدارا لوقت وجهد كل من التلميذ والمعلم الذي يقوم بمهمة العلاج وبذلك تتفاقم المشكلة وعلى كل معلم ان يبذل قصارى جهده في تحديد العوامل المسببة للمشكلة ويوفر فرص النجاح لكل تلميذ يعاني منها. نجلاء سعد الدين