بيان المدارس: عبر السنوات والمراحل يرتقي الانسان علما وفهما وادراكا في مجالات متعددة قد تتباين في نوعياتها أو أساليب ممارساتها لكنها تتفق في انها ـ جميعها وبلا استثناء ـ تستند إلى قاعدة من العطاء الذي قدمه اناس لا تزال بصماتهم الاولى ذات أثر في حياة المرء مهما تقدم او ارتقى. وحين يتوقف الانسان لتقييم مسيرة حياته وما قطعه من مراحل او بلغه من مواقع فان بوصلة الذهن تتجه دائما نحو أولئك الذين غرسوا في النفس ما انتج اطيب الثمرات ووضعوا اللبنات الاولى على مدارج العمر لتكون للحياة قيمة وللعطاء معنى. وهنا نتوقف كل اسبوع لنقرأ معا رسالة الى هؤلاء فهم اساتذتنا في الحياة. في رسالته التي يوجهها الى استاذه في الحياة يقول الدكتور بهجت الحديثي الاستاذ بقسم اللغة العربية بكلية الاداب والعلوم الانسانية جامعة الشارقة: كنت قبل احدى عشرة سنة انتظر عودة استاذي الذي كان حينذاك في دولة الامارات العربية المتحدة ويعمل عميدا لكلية الاداب في جامعتها، كنت انتظره كما ينتظر الابن اباه وكنت اتصل هاتفيا بأهله في بغداد اسأل عنه وعن اخباره بين الحين والحين فيطمئنوني انه بخير وسيعود قريبا، وذات يوم رن هاتف منزلي فكدت اطير فرحا بصوت انتظرته منذ زمن انه استاذي العائد وحدد لي موعدا للقائه في صباح اليوم التالي وقد ذهبت الى مبنى كلية الاداب حيث مكتبه وعند المدخل فاجأني احد الاستاذة بقوله: لقد توفي الدكتور جميل سعيد هذا الصباح، وعندها ارتجفت شفتاي وتساقطت الدموع ليبقى المشهد عالقا بذهني ولا يمكن ان ينسى بالامس البعيد فقدت ابي الذي ادبني فأحسن تأديبي واليوم افقد ابي في الروح ومعلمي «المثال» الذي يندر ان اجد له شبيها او نظيرا. دروس وعبر ووصايا ان استاذي جميل درسني في مرحلة البكالوريوس، واشرف على رسالتي في الماجستير والدكتوراه نهلت منه الكثير، ادبه الجم وعلمه الغزير، علمني امور الحياة، وتصبرني بها وبأمور لن انساها ما حييت وظل الاثر الفاعل في حياتي دروسا، وعبرا وحكما ووصايا لم أجدها الا في شخص الاستاذ العالم المربي، الحكيم الاديب «جميل سعيد» وحقا كان هو المعلم الذي ادى رسالته على أحسن وجه في اخلاص وحب ووفاء، وقد اهديت له احد مؤلفاتي على شكل ابيات شعرية وضعتها في الصفحة الاولى وفاء وعرفانا مني بالجميل وفيها قلت: بنفسي لست انساه مثالا عظيما في محاسنه جليلا سقاني العلم والاخلاق صرفا فأعجز ان ارد له الجميلا فاني بعض غرسك يا اماما ويالحنا اردده جميلا يا بدرا تلألأ في سمائي اضاء برغم غيبته السبيلا هنيئا للجنان وانت فيها مع الابرار تسعى الى السلسبيلا له روحي اقدمها وفاء ويبقى فضله فيها جزيلا جزاك الله عني كل خير فقد كنت المعلم والرسولا دافع ومرشد للصواب وتقول لطيفة خميس الكتبي اخصائية اجتماعية في مدرسة فاطمة الزهراء بالشارقة ان نسيت فلن انسى من ارشدني الى الطريق السليم، طريق الحق والصواب، من رعاني شجيرة سقاها بماء العين، وكان الدافع الاساسي والمشجع الاول لي كي اكمل مشواري في الحقل التعليمي ولاجد لنفسي مكانا في ميادين العمل. انني ابعث برسالتي هذه الى والدي الحنون الذي استقيت منه خبرات السنين والمعارف والذي غرس في الاخلاق الحميدة حب الوطن والالتزام بتعاليم ديننا الحنيف، وها أنا اقف الآن حيث اصبحت صاحبة موقع وقرار لاقول ان اليوم الذي انتظرته يا والدي العزيز قد اتى وتبقى انت الشجرة الشامخة التي لا تكل او تمل من البذل والعطاء. اننا نراك دائما سندا لنا وأملا كلما وضعتنا الايام في مواقف صعبة ومهما حاولت وقلت تبقى أنت المعلم الاول والقدوة التي اقتدي بها واربي ابنائي عليها وتبقى أنت الامل القريب البعيد. دروس الحرية والعدالة وتوجه سميرة سابا مديرة مكتب عميد كلية الاداب والعلوم في جامعة الشارقة رسالة الى استاذها في اللغة العربية الذي اثر على مسيرتها التعليمية فتقول: حين يستمد القلم مداده من قناة الزمن، تدق على نافذة ذكرياتي صورة استاذي القدير فاسطر له خاطرة قلبية كلما ورد على بالي وها انذا اقول له الآن: ايها الانسان الرائع الذي علمتني ان اكتب في السطر الاول من الدرس الاول ان الحرية حق والعدالة حق، والوطن حق للجميع وكما يخضر طين الحقل بعد ان ينتشي من رذاذ المحبة كان لتعليماتك السحرية اثرها القوي، في تقويم نفسي الصغيرة، التي تربت منذ الطفولة الاولى على اجلال الاستاذ فهو من كاد ان يكون رسولا، انها صورة الماضي، صورة العفوية التي تحفر في اخاديد الحياة كل حكاية جميلة عن درس الجغرافيا والتاريخ والعلوم، ايام اختلطت فيها براءة الصفحة البيضاء مع شقاوة الطفلة الذكية، وحين اعمل الى التذكر تنبسط امامي صورتك بادق تفاصيلها، وقت كنت تغرس في معاني الحياة، وحب الاقبال عليها، يتراءى طيفك الآن وانت تضربني على يدي الصغيرة لاني اخطأت في اعراب «الحياة املا ومن يومها وانا على علم مسبق من أين ينطلق المبتدأ، وفي اي جهة من الجهات الاربع يجد خبره، انه السر الحنيني الذي يعطيني القدرة على استدعاء كل الملفات السرية من خزانة الذاكرة لشخصك الحنون مثل لحاء الشجرة القاسي كبرد بلادي. اعترف وانا في محراب علمك اني مازلت جاهلة وشقية ومتعبة. معي فقط قنديل فيه زيت من شجر وطني، وحفنة من الحنطة التي تشبع القلب والعقل، فصحراء الحياة طغت على اللون الاخضر ولم يعد هناك متسع لموطئ قدمي. نورا الأمير