ذكر البروفيسور باسكال بونيفاس مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، خلال محاضرة ألقاها في مركز زايد للتنسيق والمتابعة بعنوان «قوة أوروبية لعالم متعدد الأقطاب» انه قد حدث تطور في بناء الدفاع الاوروبي، خلال العاميين المنصرمين اكثر مما حدث خلال الخمسين سنة الماضية، وقد تم هذا بالرغم من حقيقة ان معظم الخبراء ومؤسسات الابحاث اعتبروا مثل هذا التطور مستحيلا وبالنسبة لبعضهم غير مرحب به. وبعد اطلاق اليورو، اصبح الدفاع آخر عمل رئيس بالنسبة للأوروبيين، وكان من غير المنطق على الاطلاق ان تكون اوروبا قوية على الصعيد الاقتصادي والتكنولوجي والتجاري والثقافي والمالي، بينما تحتفظ بمكانة ثانوية على الصعيد الاستراتيجي فهذا الامر لا يمكن ان يدوم حسب المسار التاريخي للأمور. وأكد بونيفاس ان اوروبا على مفترق طرق، وحسب مواقف الرئيس الامريكي الجديد (ومجلس الشيوخ) ستتم تقوية الناتو او اضعافه. والقوة العالمية للديمقراطيات الغربية بحاجة الى التحسين، وإذا رفض الامريكيون التعريف الجديد للقوة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وإذا اعتقدوا ان اوروبا الاقوى ستعنى حلفا اضعف، فسوف نقع في ورطة لأن اوروبا لن تعد تقبل بدور ثانوي في الناتو، ومن المنطقي ان تطلب العمل على انفراد ـ اذا لزم الامر ـ في القضايا الاستراتيجية. وإذا كانت الولايات المتحدة واعية بما يكفي لادراك ان اوروبا التي تحظى باستقلال اكبر ستكون اكثر فائدة في تحقيق الاستقرار في العالم، حيث ستتم خدمة وترويج القيم الديمقراطية بشكل افضل. واشار المحاضر الى ان ثلاث قوى اوروبية رئيسية قامت بتغيير موقفها من الاتحاد الاوروبي، فلم يعد القادة الالمان يخافون من التعامل بجزم ومن التفكير بالمصالح القومية او حتى الاشارة لها. اذ ترغب المانيا في ان تكون لاعبا عاديا، ونسبة الى حجمها، فإن وزنها في المعايير الاوروبية يكون غالبا فمن غير المنطق ان تطالب بمقعد دائم في مجلس الامن دون ان تكون قادرة على المشاركة في عمليات حفظ السلام او فرض السلام، والبريطانيون من جهتهم تفهموا ان الدفاع هو احدى المسائل القليلة المهمة بالنسبة للدول الاوروبية والتي يمكنهم ان يلعبوا فيها دورا رائدا وقد تغيرت مواقفهم انسجاما مع مصالحهم حتى ان هذه المسألة هي الاكثر اذهالا ولقد تفهمت الحكومة البريطانية ان مع حتمية التطور الاوروبي فان الخيار الوحيد يتمثل في محاولة الحصول على دور قيادي او ان يفوتها القطار. فرنسا ايضا تغيرت، فقد جاء الى السلطة جيل جديد من القادة اكثر عملية وتدرك الحكومة الفرنسية ان اوروبا القوية لا يمكن ان تضم فرنسا موسعة والمانيا ضعيفة وبريطانيا خارج السور. واعتبر ان قمة سانت ـ مالو بين فرنسا وبريطانيا في ديسمبر 1998 كانت اول خطوة هامة في المشروع الاوروبي الجديد، وكان للبيان المشترك بين الدولتين الاوروبيتين الرئيستين اللتين كانت وجهات نظرهما متعارضة تاريخيا، آثار سياسية هامة، فالنتيجة المفاجئة كانت اعادة التأكيد على دور الاتحاد الاوروبي على الساحة الدولية وضرورة احراز التقدم باتجاه الدفاع الاوروبي وامتلاك قدرة مستقلة وقوات عسكرية يعتمد عليها والقدرة على استخدام الامكانات العسكرية المهيأة داخل وخارج حلف الناتو، وقد اظهر ذلك ثقة جديدة بين باريس ولندن. ولانه ليس من المنطق الحديث عن زيادة في قدرة اوروبا الاستقلالية بينما يستمر ميلوسيفيتش بسياسة التطهير العرقي في كوسوفو بعد البوسنة ولهذا السبب تم خوض حرب كوسوفو من اجل المصداقية ولقد اراد الامريكيون ان يذهبوا للحرب من اجل اظهار ان الناتو كان وسيبقى دائما حجر الزاوية في الامن الاوروبي لقد كانت مصداقية الناتو على المحك في يوم ميلاده الخمسين ومن جانبهم اراد الاوروبيون ان يظهروا لمرة واحدة انهم جادون في الحديث عن الدفاع، بعض المعارضين للحرب في اوروبا انتقدها على انها «حرب امريكية» وهذا خطأ تام بالطبع كانت القدرات العسكرية المستخدمة في الحرب امريكية بشكل اساسي الا ان الهيمنة العسكرية كان تأثيرها طفيفا على الاتجاه السياسي للحرب. ولكن اذ شارك الاوروبيون امريكا القيادة اثناء الحرب ادركوا ايضا مدى اعتمادهم على الامريكيين من حيث القدرات العسكرية وفي الحقيقة كان حظ الاوروبيين كبيرا ان تقبل واشنطن ـ حتى تحت شروط صارمة ـ التورط في هذه الحرب لم يكن من المسلم به ان الاوروبيين قادرون على التصرف بمفردهم لهذا السبب قرروا ان يكونوا ثابتين في خطاهم والحصول على بعض القدرات لنفسهم. وفي قمة كولون (يونيو 1999) مباشرة بعد حرب كوسوفو تم تحديد هدف معين: فمن اجل ان تكون قادرة على تحقيق ما اطلق عليه اسم «مهام بطرسبرج» (اي المساعدات الانسانية والانقاذ وحفظ السلام وفرض السلام) تقرر ان اوروبا تحتاج بشكل عاجل الى قدرات عسكرية لادارة الازمات فعلى الاتحاد الاوروبي ان يكون قادرا على التحرك حسب الحالة مع او بدون امكانيات الناتو. واضاف لقد: كانت العلاقات الفرنسية ـ الالمانية مثالاً للمصالحة، وعلى أمريكا ان تعطي مثالاً آخر على قبول التوازن الجديد بين الشريكين، أي على الولايات المتحدة ان تقبل توازنا جديداً للقوى مع الاوروبيين كما قبلت فرنسا علاقة جديدة مع المانيا، خلال الحرب الباردة كان يمكن الحديث عن العلاقات الفرنسية الالمانية على انها توازن اللاتوازن، وبشكل اساسي كان الفرنسيون يملكون القنبلة والالمان المارك، وبعبارة اكثر تفصيلا كانت فرنسا تملك افضلية استراتيجية على المانيا «مقعد دائم في مجلس الامن واستقلال استراتيجي مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وقدرات نووية ومصالح عالمية» وكانت المانيا تستعيض عن هذه الامور بسيادتها الاقتصادية «عملة قوية، فائض تجاري وصناعة ناشطة». والمانيا الجديدة والاقوى ستساعد اوروبا على ان تصبح قوية، وأوروبا القوية هي في مصلحة فرنسا العليا. وبالنتيجة تحتاج فرنسا وترحب بأوروبا الجديدة، وعلى الولايات المتحدة ان تحتذي بهذا المثال وترحب بأوروبا الجديدة، وأوروبا الاقوى ستكون من حين لآخر شريكاً للولايات المتحدة اقل ملاءمة واكثر تطلبا، وسوف تقوي الناتو من عدة نواح ففي عالم غير اكيد وغير مستقر يجب الترحيب بدولتين ديمقراطيتين قويتين، فالناتو وهوية اوروبا الدفاعية لا ينفيان بعضهما البعض، ويخطيء الامريكيون لو اعتقدوا ان تعزيز اوروبا سيسبب شرخا في التضامن عبر الاطلسي فالتضامن لا يعني السيطرة على الآخرين، وعلى الولايات المتحدة قبول ان يكون داخل الناتو قوة موازية لهم. وخلص المحاضرة الى القول ان اوروبا تمتلك كل مقومات القوة: الاقتصادية منها والتكنولوجية والثقافية.. الخ، والامر الوحيد المفقود لديها هو الاستقلال الاستراتيجي وربما تحقق لها هذا في السنوات القليلة المقبلة، و«القوة الاوروبية» وهو مشروع فرنسي قديم كان ينظر اليه بشكل سلبي من قبل الشركاء الاوروبيين، لكنه اصبح الآن مشروعاً مشتركاً عند الاغلبية وقد يصبح حقيقة، هذا المشروع «القوة الاوروبية» هو تأكيد على الاستعداد للاستقلال اكثر مما هو مشروع للسيطرة على الآخرين، فأوروبا التي بنيت على الاتفاق والمساومة والتنازلات لم تعد تتطلع الى فرض ارائها على الدول الاخرى، فاذا اصبحت اوروبا قوة عظمى فلن تشكل تهديداً للآخرين، ان الثقافة السياسية للاتحاد الاوروبي اليوم مرتكزة على احترام القانون الدولي والحلول التفاوضية ورفض الاحادية ودعم المؤسسات الدولية والهيئات متعددة الاطراف، وأوروبا مكرسة بشكل طبيعي للاسلوب متعدد الاطراف لانها هي نفسها نتاج لتعدد الاطراف، وان بروز اوروبا كقوة استراتيجية سيساعد على خلق عالم متعدد الاقطاب هو في مصلحة جميع الشعوب في هذا العالم.