اكد البروفيسور د. احمد محمد ثابت، استاذ العلوم السياسية ومدير مركز ابن رشد للتنمية بالقاهرة، خلال محاضرة ألقاها امس في مركز زايد للتنسيق والمتابعة، أن هناك تهويلا حول ما يقال عن وجود احتياطات ضخمة في النفط والغاز في منطقة اسيا الوسطى، وذلك من اجل الاستغناء عن النفط الخليجي، حيث تخطط الولايات المتحدة للاستغناء عن جزء اكبر من النفط والغاز العربي بمنطقة الخليج، مشيرا لتقارير امريكية تذكر رغبة الولايات المتحدة بتقليل الاعتماد على النفط العربي لكي لا تكون رهينة لاستخدامه من قبل الدول العربية كورقة ضغط سياسيا، فخط باكو ـ جيهان مثلا استثمر اربعة مليارات دولار حتى الان لكي يتم نقل كميات من الغاز لا تساوي اقل من عشر انتاج قطر، ولكنها تستثمر هذه الامكانات الضخمة حتى لا يكون للعرب ورقة مساومة وضغط، وهي تعمل على البحث عن موارد نفطية اخرى لكي تتفادى استعمال النفط كسلاح ضدها. وناقش المحاضر خلال محاضرته ابعاد التغلغل الاسرائيلي في اسيا الوسطى واثاره على المصالح العربية، مستعرضا الدراسة التي اصدرها المركز مؤخرا بعنوان «اسيا الوسطى بين التنافس الدولي والتغلغل الاسرائيلي» والتي تضع الصورة الحقيقية امام صناع القرار والساسة العرب، لمحاولات اسرائيل تطويق الوطن العربي من كافة ابعاده الاستراتيجية، وتوضح أن الدعاية الصهيونية ترتكز على اساس أن اسرائيل هي صمام الامان لجمهوريات اسيا الوسطى المسلمة، وتدعو لكسب ثقة جمهوريات اسيا الوسطى وبذل جهود ملموسة من اجل تحسين صورة العرب هناك، خصوصا لمواجهة التأثيرات السلبية المتعددة التي احدثتها بعض دوائر السياسة والاعلام الغربية والامريكية في اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر. وحول ما يقال بأن الحرب في افغانستان كانت مقدمة لتواجد امريكي كامل في اسيا الوسطى، واحتمالات نشوء تصادم مستقبلي بين المصالح الامريكية والاسرائيلية في هذه المنطقة.. اشار المحاضر الى أن الحرب في افغانستان كانت محصلة لنشاط امريكي في هذه الجمهوريات من قبل، وانها مقدمة لتواجد امريكي دائم بعد ذلك.. حيث كانت الولايات المتحدة متواجدة اصلا، من خلال زيارات رسمية امريكية اقامت نقاط ارتكاز في قواعد عسكرية روسية سابقة، كما كانت الولايات المتحدة تستخدم اسرائيل لتدريب العسكريين والفنيين في جمهوريات اسيا الوسطى، وكذلك فكرت بامتداد حلف شمال الاطلسي لشرق اسيا من اجل حصار الصين وروسيا، ومنع قيام تنسيق ثلاثي بين روسيا والصين والهند. كما مولت الولايات المتحدة واشرفت على تفكيك البرنامج النووي لكازاخستان واخذت علماء الذرة لها ولاسرائيل، وغضت النظر عن تهريب اليورانيوم اليها من كازاخستان، والولايات المتحدة تخطط لسنوات مقبلة من اجل مواجهة كوريا الشمالية والصين.. واوضح انه لا يتوقع حدوث تصادم بين مصالح الولايات المتحدة واسرائيل لأن اهدافهما مشتركة، ومن الممكن وجود تنافس في بعض المصالح الاقتصادية لكنه تنافس في اطار الحلفاء، فالمصالح الاستراتيجية بينهما واحدة. وعن احتمالات الدفع برأس المال العربي لاسيا الوسطى وفرص الاستثمارات العربية هناك، في ظل التضييق على رأس المال العربي في الدول الغربية.. ذكر أن هناك فرصة لانتقال بعض من الاستثمارات العربية لاسيا الوسطى، لكن البنية التحتية لهذه الدول ضعيفة خصوصا في مجال المصارف وتأمين مخاطر الانتاج. واشار المحاضر للاستقرار السياسي في جمهوريات اسيا الوسطى، واكد انه ورغم تعدد الاقليات فيها، الا انه لديها رغبة بالتواجد العربي والاسلامي داخلها نظرا للتراث والتاريخ المشترك. وعن التواجد الاخطبوطي في كل مكان، وكيفية مواجهة ذلك، دعا المحاضر لتفعيل دور مؤسسات البحث وادارات التخطيط الاستراتيجي العربية، والاهتمام بمخاطر التغلغل الاسرائيلي في اسيا وافريقيا، ووضع الحقائق امام صناع القرار العرب. كما لابد من جذب هذه الدول من خلال تقديم المساعدات لها والتواجد الفعال فيها. ولا يجب أن نشترط عليهم التضامن مع القضية الفلسطينية اولا، لاننا لسنا متواجدين هناك. وحول الامكانيات الاستراتيجية الحقيقية لمجموعة شنجهاي من اجل مواجهة التواجد الامريكي، وبشكل خاص امكانيات الصين وروسيا.. اوضح أن الصين وروسيا تفكران في مواجهة العولمة والتواجد الامريكي في اسيا، خاصة اذا ما نجحتا في ضم الهند، وحتى الان تمكنتا من كشف كثير من مغالطات الارهاب التي جعلتها الولايات المتحدة الشغل الشاغل للعالم، لكن لايزال هناك شكوك تاريخية عسكرية بين الصين وروسيا، وبامكان كل من الصين وروسيا النجاح في ازالة الاسباب التي تتذرع بها الولايات المتحدة في اسيا الوسطى، بحيث يكون هناك استقرار وامن دائم في تلك المنطقة. واشار الدكتور ثابت في سياق محاضرته، الى أن انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه كان بمثابة حافز قوي لاسرائيل لاستثمار ما سبق أن حققته هناك من مكاسب عديدة حتى قبل زوال الاتحاد السوفييتي، وتركز اسرائيل بصفة خاصة على جمهوريات اسيا الوسطى الاسلامية التي زادت اهميتها الاستراتيجية والاقتصادية عقب الاستقلال بحيث صارت تسمى بحق «قلب اسيا» وقد نجم عن زوال الاتحاد السوفييتي تراجع المكانة الاستراتيجية لاسرائيل في السياسة الكونية الامريكية التي كانت تعتمد عليها ابان الحرب الباردة، ولكن السياسة الاسرائيلية سعت الى خلق اهداف ومصالح جديدة لدعم نفوذها في منطقة اسيا الوسطى والقوقاز من ناحية، وللبحث عن دور بارز لها في اطار السياسة الامريكية لما بعد الحرب الباردة تجاه هذه المنطقة من ناحية اخرى، وتتلخص هذه السياسة في السيطرة على الموارد الهائلة من النفط والغاز.. ومن الجدير بالذكر أن احداث 11 سبتمبر وما اعقبها من قيام الولايات المتحدة بمواجهة واسعة النطاق ضد حركة طالبان وتنظيم القاعدة، والاستمرار في هذه المواجهة تحت شعار «الحرب على الارهاب» اتاحت فرصة ذهبية لتل ابيب للمشاركة في هذه الحرب بصورة او بأخرى من خلال تكثيف تواجدها الامني السياسي والاقتصادي في اسيا الوسطى والقوقاز لتخويف دول المنطقة مما يسمى خطر الاصولية الاسلامية. وتخطط تل ابيب لاستثمار تحالفها الاستراتيجي مع كل من الولايات المتحدة وتركيا في تعزيز الاختراق السياسي الامني والاقتصادي في دول اسيا الوسطى والقوقاز: كازاخستان، تركمانستان، طاجيكستان، قرجيزيا، اوزبكستان، اذربيجان، وهناك مصالح اسرائيلية خالصة من وراء هذا الاختراق من اهمها دعم سياسة «شد الاطراف» او حصار الوطن العربي من خلال دول الجوار، وكذلك اضعاف المكانة الاستراتيجية لمنطقة الخليج وعزلها، وللمنطقة العربية عموما عن طريق العمل على ربط اسيا الوسطى بالشرق الاوسط كي تدخل اسرائيل النطاق الجيوبوليتيكي الجديد كلاعب اقليمي رئيسي ولتوضيح دوافع اسرائيل للتغلغل في اسيا الوسطى واقامة روابط ثقافية وعلاقات عسكرية وسياسية واقتصادية مع دول هذه المنطقة يمكن القول أن التخطيط الاستراتيجي الاسرائيلي ينطلق من اهمية تسويق فكرة مفادها أن اسرائيل قوة اقليمية كبرى تمكنت من ضمان الاستقرار في «الشرق الاوسط» ومن ثم فهي تستطيع توفير الاستقرار في منطقة اسيا الوسطي بالتصدي لدول ولحركات عربية واسلامية تثير الاضطراب وتشغل الانقسامات الدينية، الطائفية والعرقية والجغرافية وتسعى ايضا لنشر الاسلحة النووية واسلحة الدمار الشامل الاخرى، وتبعث «التطرق والارهاب الاصولي الاسلامي» هناك، مثال ذلك ايران وباكستان والجماعات المتطرفة في كشمير والشيشان وباكستان وكذلك تلك التي تنتمي لاقطار عربية. أبوظبي ـ مكتب «البيان»: